شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 26 يناير 2022م19:59 بتوقيت القدس

النساء في مراكز النزوح

الخصوصية المفقودة وحلم العودة لأمان المنزل

23 يونيو 2021 - 12:08

غزة:

تضع النازحة الفلسطينية أم حسام حسنين "43 عامًا" يدها على خدها وهي ترتدي عباءة سوداء وحجاب لا ينفكّ عن رأسها، وتجلس في أحد الفصول الدراسية بمدرسة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" منذ نزحت إليها خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

في مدرسة أبو عاصي بمخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، تحوّل الفصل الدراسي إلى غرفة نوم وغرفة جلوس ومطبخ أيضًا يفصل بينهم ستائر قماشية، وفيه يتكوّم أبناءها التسعة إلى جوارها، بينما يلحّ صغيرها أن تعدّ له وجبة من الغداء التي اعتادوها في بيتهم بعد أن ملّت بطونهم وجبات أسماك السردين المعلّب التي توفّرها "أونروا"، وتكتفي بالرد عليه: "لما نرجع بيتنا بعملك شو ما بدك".

تحوّلت حياة أم حسام إلى كابوس، بعد أن كانت تمتلك بيتًا كما تصفه "بيسرح فيه الخيّال"، مكوّن من أربع طوابق في شارع النزاز شرق حي الشجاعية، فرّت منه إلى أربعة جدران هاربة من حمم صواريخ الطائرات الحربية الإسرائيلية التي انهالت عليهم، فبات بينهم وبين الموت شعرة.

تقول أم حسام لنوى:"هنا الحياة مأساوية بين أربعة جدران، أفتقد تمامًا للخصوصية منذ جئت هنا في الأسبوع الأول للعدوان الإسرائيلي حتى الآن، ليست هذه المرة الأولى التي أعاني منها ويلات النزوح، ففي كل عدوان يتكرر المشهد معنا".

لا معنى للراحة هنا كما تؤكد أم حسام، فالمشاكل المستمرة سببها ضيق المكان ووجود أكثر من عائلة في فصل واحد، ونضع المقاعد الدراسية والسوائل التعليمية فاصلًا بين العائلات، لكن هذا ليس كافيًا.

تضيف: "الأدهى أن الحمامات ليست نظيفة والمكان مزدحم، في البداية كان الرجال والنساء يقضون حاجتهم في مكان واحد وهذا يسبب للنساء الحرج الشديد فيترددوا في الذهاب إلى المرحاض، الآن تم فصلهم".

تعيش النساء في مدارس النزوح أعباءً مضاعفة، حيث يفتقدن كل مقومات الحياة، سواء ما يتعلق بخصوصيتهن أو مستلزمات الحياة الأساسية، في ظل العديد من التحديات التي تواجههن، ما يسبب ضغوطًا نفسية كبيرة لهن.

تضيف أم حسام: "نعيش هنا من فترة ليست بسيطة، ونحتاج دومًا للاستحمام، وعند ذلك أصطحب بناتي إلى بيت شقيقتي المجاور للمدرسة لنغتسل ونبدّل ملابسنا ونعود".

وحفاظًا على خصوصية العائلة في مكان لا يوفّرها أبدًا، تضطر أم حسام وزوجها للتناوب والسهر طوال الليل لحماية الأسرة، بينما ما زالت تعيش حلم العودة لبيتها الذي بات بانتظار إعادة الإعمار التي لا يدرون ما تتحقق ومتى يعودون إلى حياة البيت والأمان.

ووفق تقرير لها، ذكرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا، إنها فتحت أبواب 50 مدرسة تابعة لها أمام 60 الفًا من النازحين/ات الفارين/ات من العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، لم يتبقَ منهم الآن سوى 300 فقد لا تصلح بيوتهم للسكن، وحسب إحصاءات المركز الإعلامي الحكومي، يوجد 16800وحدة سكنية غير صالحة للسكن، إضافة إلى 5 أبراج دمرها الاحتلال الإسرائيلي خلال عدوانه الأخير الذي بدأ في 10 مايو الماضي واستمر 11 يومًا.

في الفصل المجاور لعائلة حسنين، تضع الطالبة الجامعية آلاء غداين كتبها الجامعية، واتخذت من إحدى الزوايا في الفصل مكانًا لتعيش فيه وتضع أغراضها الطبية حيث تدرس التمريض، وإلى جوارها غاز الطهي وحاجيات العائلة الأساسية، ومن الخارج يقتحم صوت لعب الأطفال بالكرة وصراخهم فصلها رغم محاولتها إغلاق النوافذ للتركيز في دراستها دون جدوى.

نزحت آلاء برفقة عائلتها ثاني أيام عيد الفطر خلال فترة العدوان من منطقة العطاطرة بالشمال الغربي لقطاع غزة، بعد أن حولت طائرات الاحتلال منطقتهم إلى ساحة حرب.

تقول آلاء :"كنت أمتلك غرفة في منزلي الذي دمرته طائرات الاحتلال، وكنت أشعر بالراحة والأمان والخصوصية، غرفة ضمّت كل مقتنياتي التي اشتراها لي والدي بشكل مرتّب، فيها روب التمريض الأبيض، وجهاز قياس ضغط الدم، وأدوات طبية، واللاب توب، لكن كلها ضاعت تحت ركام بيتنا".

تعيش آلاء فترة عصيبة، وهي تكافح بجدٍّ للحفاظ على حلمها، وبحذر تقول :"لن أستسلم رغم أن حياة النزوح قاسية وتفتقد كل شيء، يوميًا أستيقظ على الشعور بالإحباط لكن أتدارك نفسي سريعًا".

تقضي الشابة العشرينية معظم وقتها في الجامعة، هناك تتناول الطعام وتدرس وتمارس ما هي محرومة منه داخل مركز النزوح، الذي تعود إليه وبدلًا من تبديل ملابسها والحصول على قشط من الراحة، عليها مواصلة ارتداء الجلباب والحجاب حفاظًا على خصوصيتها، ما يجعل بقائها هناك عبئًا ثقيلًا عليها.

ملينا شاهين، المتحدثة باسم دائرة الإعلام في "أونروا"، تدرك حجم المشكلة، وهي بدورها تقول لنوى: "من الطبيعي أن تشعر النساء بضغوطات نفسية بسبب الافتقاد للخصوصية خاصة، أن قطاع غزة مجتمع محافظ، بالتالي خروج المرأة من منزلها وبيئتها إلى بيئة أخرى تحت ظروف قسرية".

فالوكالة تعمل على توفير الرعاية الصحية للنساء والدعم النفسي لهن من خلال طواقمها التي أُفرِزت بالمدارس، لكن ليس باستطاعتها تقديم ما هو أكثر- وفقًا لشاهين- فدورها يكمن في توفير المأوى لهن وحمايتهن من النزاع.

تتابع:"مع ذلك نقدم لهن المأكل المشرب وبعض من الرعاية الصحية والنفسية بين الحين والآخر، وفيما يتعلق ببعض المشاكل التي تحدث لبعض العائلات في مدارس النزوح فالوكالة ليست مهمتها الفض بينهم، في البداية قمنا بوضع خطة لهم بالنسبة للذهاب للمراحيض والحفاظ قدر المستطاع على خصوصية العائلات، لكن لا نستطيع أن نكون مراقبين بالليل والنهار".

وأشارت إلى أن الأونروا وضعت خطة للمشاركة في ملف الإعمار لإعادة بناء منازل العائلات النازحة وتعويضهم أو توفير بدل إيجار لهم.

وأي كانت المساعدات التي تقدّمها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا، فيبدو إنها عاجزة هذه المرة عن تقديم الرعاية المناسبة والمطلوبة للعائلات النازحة، ما يتطلب منها بذل المزيد من الجهود لحماية النازحات والتعاون مع الجهات المحلية لضمان رعاية أفضل لضحايا العدوان الإسرائيلي.

اخبار ذات صلة