شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 29 يوليو 2021م00:25 بتوقيت القدس

كورونا ما زالت تهاجم غزة فكيف ستتصرف الصحة؟

16 يونيو 2021 - 10:58

غزة - شبكة نوى :

هل رفع الغزيون الراية البيضاء أمام كورونا؟، مبرر هذا التساؤل التراجع الحاد في الالتزام بإجراءات الوقاية والتباعد الاجتماعي من قبل الناس في الشوارع والأسواق والمتنزهات والمقاهي منذ إعلان وقف إطلاق النار بعد 11 يوماً من الحرب الإسرائيلية الدموية المدمرة على قطاع غزة.

مختصون ومواطنون قالوا لـ "نوى" هو ليس استسلاماً لكورونا، ولكن الحرب على غزة كانت أشد وأصعب من احتمال العودة السريعة للالتزام بإجراءات الوقاية.

ويقول مهند الهيقي لـ "نوى"، وهو الذي يصف نفسه بأنه كان ملتزماً بشكل "حديدي" بارتداء الكمامة، إنه منذ توقف الحرب لم يرتديها مطلقاً، وتساءل مبتسماً: "هو مين في البلد لابس كمامة؟!".

ويرد الهيقي على تساؤله بنفسه، ويقول: "الناس اللي شافت الموت في كل لحظة خلال الحرب بطلت تفرق معها كورونا".

ويقول الهيقي: "سكان غزة تعبوا وبطلوا عارفين من وين جاييهم الموت من الحروب ولا من كورونا".

وتقول وزارة الصحة التي تديرها حركة "حماس" في غزة إن الحرب تسببت في انهيار إجراءات مكافحة كورونا، والتداعيات التي خلفتها سواء على الوزارة أو السكان تعوق العودة السريعة لفرض هذه الإجراءات من جديد.

وتقدر الصحة نسبة الإصابة بفايروس كورونا حالياً بنحو 30% من إجمالي عينات الفحص اليومية، وخلال اليومين الماضيين توفي 11 مواطنًا بينما تم إعلان إصابة نحو 300 في تراجع واضح لمعدّل الإصابات، لكن الصحة تتوقع "موجة ثالثة" قد تكون عنيفة وواسعة في غضون أسبوع.

ومع إعلان وقف إطلاق النار فجر يوم 21 من مايو/أيار الماضي شهدت غزة عودة محمومة إلى الحياة، وازدحاماً على شواطئ البحر والأسواق والمتزهات العامة، في مشهد غير معتاد منذ بدء تفشي كورونا في القطاع الساحلي الصغير قبل نحو عام. كما قررت السلطات في غزة إعادة فتح صالات الأفراح.

وعلى قدر تخوفه من هذا الواقع بدا مدير وحدة السلامة ومكافحة العدوى في وزارة الصحة رامي العبادلة متفهماً له، وقال لـ"نوى" إن "المجازر الإسرائيلية كانت أكبر من قدرة الناس على احتواء المشهد الصحي".

وأضاف: الحرب كانت دموية ومدمرة، وسكان غزة لن يتحملوا العودة السريعة للالتزام بإجراءات الوقاية، وحتى وزارة الصحة نفسها لم تعد إلى ممارسة عملها على صعيد مجابهة الفايروس بذات الطاقة التي كانت عليها قبل الحرب.

وبحسب العبادلة فإن ما تسببت به الحرب من دمار طال مختبر فحص كورونا الوحيد في غزة وتسبب في تعطله عن العمل لأيام، أضر بشكل كبير بقدرات الوزارة التي تعاني بالأساس من قلة الامكانات جراء الحصار.

وتواجه وزارة الصحة تعقيدات تتعلق بالكمية المحدودة من المواد الخاصة بفحوص كورونا، وعدم قدرة الطواقم الطبية على الوصول إلى منازل المصابين من أجل المتابعة، فضلاً عن أن الحرب حدت من حركة المواطنين ووصولهم إلى المراكز الصحية من أجل الحصول على التطعيم، بحسب العبادلة.

وأكد أن التحديات ستكون أشد وأخطر في حال انفجار هذا الواقع وتفشي "موجة ثالثة" من كورونا مع ارتفاع كبير في أعداد المصابين، حيث سيزداد الضغط على مرافق الوزارة المنهكة بسبب سنوات الحصار الطويلة، والحروب.

وإذا كان هذا التخوف من تفشي كورونا قائماً وبقوة، فكيف يفسّر الدكتور العبادلة هذا الانفتاح الكبير من دون ضوابط، وآخر ذلك السماح بفتح صالات الأفراح، أليس في ذلك تناقضاً من وزارة الصحة بين التحذير وما تتخذه من إجراءات انفتاحية.

وعن ذلك، يقر العبادلة بأن الوزارة واجهت ضغوطاً من أصحاب صالات الأفراح الذين تكبدوا خسائر فادحة خلال الموسمين الماضيين، وفي ظل انهيار الإجراءات بعد الحرب، طالبوا بالسماح لهم بالعمل مع تعهدهم باتباع إجراءات وقائية، وقد تم التوافق مع وزارة الداخلية في هذا الخصوص.

وقال إن الوزارة تتابع تطورات الحالة الوبائية وهي مستعدة في أي لحظة لإعادة تفعيل خطة الطوارئ بمراحلها الثلاث (A,B,C)، وبما يتلاءم مع المنحنى الوبائي.

وتستند هذه الخطة إلى نسبة إشغال أسرة العناية المركزة في المستشفيات، ففي المرحلة الأولى 70 سريراً، وفي المرحلة الثانية 120 سرير، وفي حال فاق العدد ذلك يتم تفعيل المرحلة الثالثة وإعلان حالة الطوارئ القصوى، بحسب الدكتور العبادلة.

وتزداد خطورة تفشي موجة ثالثة من كورونا مع ما تعرضت له المرافق الصحية من دمار وأضرار خلال الحرب، والنقص الكبير في الأدوية والمستلزمات الصحية بفعل الحصار، وفقاً للمتحدث باسم وزارة الصحة أشرف القدرة.

وألحقت عمليات القصف الإسرائيلية خلال الحرب دماراً بـ 24 مؤسسة صحية، منها 5 مستشفيات و6 مراكز حكومية، و13 مؤسسة صحية تتبع جمعيات أهلية.

وقال القدرة لـ"نوى" إن القطاع الصحي يعاني بالأساس من نقص حاد في 45% من الأدوية، و33% من المستهلكات الطبية، و56% من لوازم المختبرات وبنوك الدم، لتأتي الحرب وتزيد الضغوط على المنظومة الصحية.

وقبيل اندلاع الحرب كانت وزارة الصحة تتحدث عن انخفاض في المنحنى الوبائي، لكن نزوح الآلاف من منازلهم نحو مراكز الإيواء في مدارس وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، في ظل ظروف غير آمنة صحياً، يشي بوقوع انتكاسة.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 50 ألفاً نزحوا إلى مراكز الإيواء في مدارس أونروا، إضافة إلى أعداد غير معلومة وهي بالآلاف أيضاً ممن نزحوا من منازلهم في مناطق قريبة من الحدود أو مستهدفة إلى منازل أقارب لهم طلباً للأمان.

وحاولت معدة التقرير مراراً الاتصال بمكتب منظمة الصحة العالمية في غزة من دون جدوى، ولم يتسن لها كذلك الوصول إلى مكتبهم لمقابلة المسؤولين في المنظمة، للوقوف على دورها في مجابهة مخاطر تفشي موجة ثالثة من كورونا جراء تداعيات الحرب.

والأسبوع الماضي، قالت منظمة الصحة العالمية في بيان صدر عن مكتبها الأقليمي لشرق المتوسط قالت فيه إن حوالي 200 ألف شخص بحاجة إلى مساعدات صحية في قطاع غزة بعد الحرب.

وأكدت المنظمة أن وباء كورونا يشكل "خطرا متواصلا"، وأنها أمنت "تسليم 260 ألف جرعة من اللقاحات" ضد كورونا في غزة بالتعاون مع "اليونيسف" ومبادرة "كوفاكس".

وقدرت منظمة الصحة العالمية التمويل المطلوب للاستجابة الصحية الطارئة في الأراضي الفلسطينية بسبعة ملايين دولار خلال الستة شهور المقبلة، كاشفة أنه "تم تلقي 2.3 مليون دولار حتى الآن".

"أم المجد" كانت واحدة من الذين عانوا ويلات الحرب ونزحوا إلى مدارس تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) هرباً من حمم النيران الإسرائيلية.

وتقول "أم المجد" لـ"نوى" إنها نزحت وزوجها وأسرتها (9 أفراد) إلى مدرسة لـ "أونروا" في مخيم جباليا شمال قطاع غزة، هرباً من منزلها في بيت لاهيا، التي تعرضت خلال إحدى ليالي الحرب لغارات جوية إسرائلية مرعبة.

وتصف "أم المجد" الحالة التي كان عليها النازحون في المدرسة بأنها مزرية، وتقول: "الآلاف في الساحة وداخل الفصول الدراسية، ولا أحد كان يفكر في كورونا..لم أشاهد أحداً يرتدي كمامة، والتباعد مسألة تثير الضحك لدى ناس هربت من منازلها خوفاً من الموت".

وتعيش أم "المجد" وهي حامل في شهرها الرابع قلقاً من احتمالية إصابتها أو أي من أفراد أسرتها بكورونا، بعدما قضوا داخل فصل واحد أسبوعاً برفقة أسرة ثانية مكونة من 13 فرداً، واختلط أطفالها مع آخرين في ساحة المدرسة وداخل الفصول.

ويؤكد الدكتور زياد الكحلوت أخصائي الأمراض الصدرية والربو ومناظير الشعب الهوائية أن الوضع الحالي "خطير للغاية"، وما يزيد من خطورته برأيه أن الناس بعد المشاهد المروعة التي عايشتها خلال الحرب الإسرائلية "استهانت بالموت، ولم يعد كورونا بالنسبة لهم هو الخطر الأكبر".

وتوقع الكحلوت في حديثه لـ "نوى" أن تشهد الأيام القليلة المقبلة "تفشياً على نحو كارثي لكورونا"، وربما بما يفوق الموجة الثانية من حيث الشدة والخطورة، ويرجع ذلك إلى أسباب عدة، أهمها: ما شهدته مراكز الإيواء من اكتظاظ كبير مع غياب إجراءات الوقاية والتباعد، والتلوث البيئي الناتج عن الغازات المنبعثة من الصواريخ والقذائف الإسرائيلية.

ومن مظاهر التخوف أيضاً لدى الكحلوت والتي تعطي مؤشراً على خطورة المرحلة المقبلة أن الالتزام بإجراءات الوقاية من جانب المواطنين أصبح أمراً شاذاً، وقال إنه شخصياً تعرض لموقف عندما كان يرتدي الزي الطبي الكامل الخاص بالوقاية للتعامل مع المصابين بالفايروس وكثيرون نظروا إليه باستغراب.

وللتدليل على خطورة ما ينتظر غزة بعد انتهاء "فترة حضانة الفايروس" التي تقدر بنحو أسبوعين، يفترض الكحلوت لو أن هناك مصاباً واحداً بكورونا نزح إلى مركز إيواء داخل مدرسة، فإنه سينقل العدوى إلى 60 ألف شخص، وهؤلاء بدورهم ينقلون الفايروس إلى 180 ألف شخص في غضون ثلاثة أسابيع.

وللحد من ذلك، يقترح الكحلوت حملة توعية شاملة بمشاركة وزارتي الصحة والداخلية، وإجراء مسح شامل على مستوى قطاع غزة تشارك فيه أونروا، وقبل كل هذا يتوجب على الناس إدراك خطوة الواقع الحالي والعودة السريعة لإجراءات الوقاية وارتداء الكمامة.