شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 28 يوليو 2021م22:35 بتوقيت القدس

قصّتنا في العدوان.. "الموت مع الجماعة رحمة"

08 يونيو 2021 - 21:46

شبكة نوى، فلسطينيات: حسناً. لا أخفيكم سراً أعزائي القراء، أنني عندما أكتب عن تجاربي الشخصية بالعدوان على غزّة لا أمل! بل أجدها مساحة رحبة لطرد آلام ربّما تجد بقلبي أرض خصبة للعيش، تستقر هذه الآلام وتنمو مع كلّ نفس ألتقطه من هواء غزّة الملوّث أصلاً برائحة النار والبارود.

أنا وطفلي عمر لوحدنا بمنزلنا، في عمارة يسكنها ثلاثة أسر غيرنا من أسرة زوجي. وأما زوجي، فهو مصور صحفي أيضاً. انطلق إلى عمله منذ اليوم الأول للعدوان على قطاع غزة، لأكون الأم والأب والأمن والأمان والسند لطفلنا البالغ من العمر عام ونص، أو بالأحرى ليكون هو كل ذلك بغياب أبيه عنا بأسوأ ظروف يمكن أن تمرّ على المرء في حياته.

في عدوان العام ٢٠٢١، لم أخرج من منزلي هذه المرّة، كالنحلة كنت أتردد بين شقتي وشقة أم زوجي التي تسكن بالطابق نفسه لكنها تطل على شارع عام وما أسوأ السكن بشارع عام بهذا العدوان! غامرت عدة ليالي بالنوم هناك ليس من باب الأمان بل من باب "الوناسة" فالوناسة بالحرب مهمة، جعلتني أدرك تماماً قيمة المثل القائل "الموت مع الجماعة رحمة" وفي الحقيقة والله إنه الموت مع الجماعة رحمة!

قصّة رعب الشارع العام بدأت مع قصف أكثر الشوارع حيوية وأشهرها بغزّة ليودي بحياة 44 إنساناً وإنسانة كانوا يعتبروا محظوظين لسكنتهم هذه! مجزرة عرفت باسم "مجزرة الوحدة"، هكذا دون سابق إنذار شرّع الاحتلال استهداف الشارع بسكانه.

قصفوا الناس بالوحدة، ماذا عنا؟ هل علينا الدور هذه الليلة؟ حلّ الليلة، هيا لكي أتقوقع عند أكثر جدار أشعر أنه متين وربما لن يسقط علينا بحال تم استهدافنا! كنت أحدث نفسي.

هل أفكر بزوجي؟ أم أفكر بنفسي وبطفلي؟ أم بأسرتي التي تسكن حي الشجاعية حيث مرتع القذائف العشوائية؟ كنت أكره لحظة الاتصال بهم للاطمئنان عليهم، بل إنني كنت أرتعب حين يرن جرس الهاتف مرتين دون أي رد منهم! تحديداً في ساعات الليل، أحاول متابعة الظهور الأخير لهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

لم ندر كيف كانت تمرّ أيامنا، الدقائق تمر بثقل فوق صدورنا، حتى النفس كنا نلتقطه بصعوبة بالغة ودقات القلب التي اختل عددها وأصبح رهينة لصوت الصواريخ الأقرب والأكثر تدميراً لأرواحنا. 

مرّ أسبوع من العدوان، تحت الضغط أجبرنا بابا على إرسال جنين وأيوب وهما أصغر أشقائي إلى منزلي ظناً أنه ربما يكون أأمن، فهو لم يرغب بالنزوح كما جرى في عدوان عام ٢٠١٤، يرفض الاستماع لضغوطاتنا ومطالباتنا بالخروج بحثاً عن الأمان.

كان بابا يرفض الاستماع لصوتي وهو يتسّول له بأن يخرج من الشجاعية، لم يشأ أن يجازف بالصغار بحال اشتدت الأمور فظاعة حول منزلهم فأرسلهم لي ليصمتني، ولم يكن يعرف أنه أدخلني بمرحلة جديدة من الفزع بحال أصيبا بمكروه عندي! حينها كنت أرفض الحديث أو التفوه بكلمة، أحاول الهرب من نظرات شقيقاي وأراقب بصمت. 

وهنا، ثلاثة أمور لن أنساها بحياتي. حين شعرت أن قلبي انقسم لأجزاء، وصار لدي أعين كثيرة تتأمل بصدمة ما يدور حولها ليلة "الحزام الناري" الذي مرّر فيه الاحتلال صواريخ من شمال القطاع حتى جنوبه فأشعل سماء البلاد.

زوجي أنس حين هاتفني يراقب نيران القصف القريب من منزلنا في شمال غزة، وهو بمكان عمله في غرب غزة. قال لي "مرح إسمعي، أنا مش قادر أوقف على رجليا.. أنا مش قادر أحمل الكاميرا!".

أختي جنين ١٦ عاماً وهي تركض هلعاً من اهتزاز البيت بفعل قصف قريب قائلة "يا ريت ما جينا عندك، فكرنا أأمن بس لو ضلينا نموت في بيتنا أحسن"

وأما أخي الأصغر أيوب ابن الـ ١٥ عاماً وهو شاحب اللون متجمداً بعز الصيف يرتدي جاكيته الثقيل وصرير أسنانه يخترق سمعي، يرفض الحديث ويحاول أن يداري عني هاتفه المحمول وهو يفتح القرآن ويناجي الله بآياته أن ينجينا جميعاً. 

وعندما كنا نصمت لدقائق، أجده يزيح غطاءه عن رأسه ويتلصص النظر إلينا للاطمئنان أننا بخير. هل يوجد أبشع من ذلك بحياتنا هذه؟ إلى هنا أكتفي.