شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 28 يوليو 2021م23:25 بتوقيت القدس

سأحدّثكم عن أبي الذي نجا من مجزرة

06 يونيو 2021 - 18:29
عيادة أطباء بلا حدود التي تعرضت للقصف
عيادة أطباء بلا حدود التي تعرضت للقصف

حتى الآن لا يصدق أبي أنه مازال حيًا، يتنقّل في البيت ذهابًا وإيابًا ولا يفتأ يعيد تفاصيل ما حدث معه ليلة المجزرة، وكيف حطّمت الصواريخ الحربية الإسرائيلية بلاط حجرته وحتى الجدار الذي احتمي بجواره .

حدث هذا ليلة 16 مايو، عندما دكّت صواريخ الموت الإسرائيلية التي أطلقتها طائرات الإف 35 الحربية شارع الوحدة الواقع غرب مدينة غزة، واستهدفت بشكل مباشر بنايات سكنية لعائلتي أبو العوف والكولك، أدت إلى استشهاد أكثر من 49 فردًا من العائلتين حين كان الناس نيام.

يعمل أبي حامد خليفة أبو أشرف "65 عامًا" حارس ليليٍ في منظمة أطباء بلا حدود الدولية، وقتها تواجد في العيادة وحيدًا، كان يعتقد أنه في مكان آمن، ولكن لا أمن ولا أمان مع احتلال لا يريد أن يظلّ أي فلسطيني حيًا.

اهتزت الأرض في مدينة غزة وكأن زلزالًا ضربها، 160 مروحية حربية تقصف البيوت دفعة واحدة، القصف في الجهة الخلفية لوالدي حيث كان يرقد بأمان، قفز من مكانه واتخذ من الجدار حماية علّه يفر من الباب الأمامي إذا اقترب القصف أكثر.

ألسنة النيران يراها رأي العين تندلع من المباني التي تنهار خلف العيادة حيث مكان دوامه، لكن لا يعلم بالضبط أين الضربات، وخلال ذلك ضربت الشظايا مكان تواجده وسرعان ما تكسّرت الأرض التي يقف عليها ومدخل العيادة؛ وتصدّع الجدار الذي يحتمي به، اتخذ وضع الهروب وهمّ بالفرار من باب العيادة الذي يقابله، ولكن أيضًا كان الموت بالمرصاد، صاروخ من طائرة اف 35 ضرب مقابل البوابة التي يفترض أن يهرب منها ودمّر الشارع بأكمله وتطايرت شظاياه إلى حيث يقف والدي.

انهار تمامًا في مكانه ولا يدري أين يتوزّع الموت بالضبط، ظلّ شاحب الوجه متسمّرًا في مكانه لا يملك من نفسه شيئًا سوى الدعاء أن تمر هذه الأوقات على خير، بينما أصوات الصواريخ المرعبة والزلزال الذي تُحدثه الصواريخ الارتجاجية يكاد لا يترك له مجالًا للوقوف على قدميه، سلّم أمره لله إذن وانتظر مصيره.

في بيتنا الواقع في شارع الجلاء الذي لا يبعد كثيرًا عن مكان المجزرة، لم نكن قد خلدنا إلى النوم بعد، فمنذ بدء العدوان بتاريخ 10 مايو، انقلب ليلنا إلى رعب يتوزّع فيه الموت بالمجان، حيث يستمر القصف العنيف حتى ساعات الفجر.

في هذه الليلة بالذات، كان القصف جنونيًا ولا ندري نحن أيضًا أين يوزّع الاحتلال الموت، لا نعرف على رأس مَن تسقط الصواريخ، ولكن كنّا متأكدين أن ثمة ضحايا من أبناء جلدتنا يموتون وتمزِق أجسادهم الصواريخ وتصعد أرواحهم إلى السماء.

نزل أخي وزوجته حاملة طفلتهم التي لا يزيد عمرها عن شهرين فقط فزعين، كان أبناؤه اعتادوا النوم عندي ظنًا منّا أن الطابق الأرضي يخفف وقع صوت الصواريخ ولو قليلًا، "يقولون إن الضرب في شارع الوحدة، يقولون إن عمارة لعائلة أبو العوف دمرتها الصواريخ، ربنا يستر"، قالها أخي وهو يستمع إلى الراديو الذي كان بطل إعلامنا في ظل انقطاع التيار الكهربائي.

ثم عاد ليسأل:"المشكلة أبويا في دوامه وما بقدر أتصل فيه إلا لما يوقف القصف، ربنا يستر"، من عادتنا ألا نستخدم الهواتف للاتصال بأي شخص قريب من المكان الذي يتعرض للقصف، لأن هذا يشكّل خطرًا حتميًا على مصيره بلا تردد.

كان علينا انتظار مرور الوقت الثقيل، ونحن نتابع الأخبار التي لم أكن ناقلة لها هذه المرّة، أنا أتلقاها كأي مواطن فقط، ثمة أرواح نعلم أن الاحتلال أزهقها حتمًا، ونحن نضع أيدينا على الخدين نعجز عن فعل أي شيء سوى قول "حسبنا الله ونعم الوكيل" والبكاء على الضحايا الذين بدأنا نسمع الأخبار عنهم، نحاول كتم دموعنا، وعبثُا إخفاء خوفنا، مراعاة لحالة الصغار.

تسكن واحدة من شقيقاتي قرب العيادة التي يعمل والدي كحارسٍ لها، آثرنا الاتصال بها أولًا خوفًا من أن يؤذي اتصالنا والدي، كانت في حالة شبه انهيار مع صراخ طفليها الهستيري حين زلزل القصف عمارتهم، "أنا لسة عايشة مش قادرة أصدق وأولادي مش عارفة وين أروح فيهم، بيصرخوا "تقول مصدومة، بينما قاطعها أخي "شو بخصوص أبويا بنقدر نتصل؟" هنا صرخت "أبي في الدوام؟

لم تكن تعلم أنه على رأس عمله هذه الليلة، صُعقت وسرعان ما أغلقت الهاتف، بادرت فورًا للاتصال بأبي، كان القصف قد توقّف لتوّه بعد أن دكّ المنطقة لأكثر من 20 دقيقة متواصلة بكومة هائلة من الصواريخ التي جعلت أنقاض العمارة تختلط بلحم ودماء سكّانها.

أجاب أبي هاتفه وهو يلهث ويتحدث بصعوبة :"أنا عايش بس الدنيا حوليا انقلبت راحت العيادة راحت، يوم قيامة هدا اللي صار، يا رب رحمتك يا رب رحمتك"، كانت سيارات الإسعاف بدأت بنقل الضحايا والدفاع المدني والمتطوعين يحاولون جاهدين إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بدأت الصور المرعبة تصل إلى روّاد مواقع التواصل الاجتماعي حيث الفيس بوك هو الأسرع في نقل الأخبار.

أما أبي فحاول العودة للجلوس في مكانه، كان غير قادر على النطق بشكل جيد، اتصلت به شقيقتي للاطمئنان ثم هاتفتنا لتقول إن وضعه ليس بخير، يبدو أنه شاهد كل ألسنة اللهب من شباك غرفته، محاولته الهرب من مكان تعرّض للقصف أصابه بصدمة عنيفة، وجوده وحيدًا في مكان مغلق ربما أورثه شعورًا مؤلمًا بالعجز عن إنقاذ حياته.

بينما كان يحدث كل هذا، كانت أمي تواصل نومها رغم "القيامة التي قامت"، ربما هو تأثير أدوية الضغط، لكن مع صبيحة اليوم التالي، حضر أبي إلى البيت وظلّ نائمًا طوال النهار، رفض الحديث إلى أحد، وظلّ صائمًا، وأكمل صومه لعدة أيام بعدها.

بشكل يومي يحدّثنا أبي عما جرى معه، نبضات قلبه ما زالت غير منتظمة، وقدرته على النوم تغيّرت تمامًا، ما زال يستعيد المشهد في كل لحظة، هو يحكي ويظنّ أن في هذا شيء من الفضفضة، هو لا يصدق أنه ما زال حيًا بعد كل هذه المجزرة.