شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 06 اكتوبر 2022م07:36 بتوقيت القدس

تدمير المحلات التجارية...ما تراه ليس كما تسمعه

05 يونيو 2021 - 09:40

غزة:

"من يرى حجم الدمار الذي لحق بمحلاتنا التجارية ليس كمن سمع بها"، قالها التاجر كمال أبو كويك ثم دخل إلى حطام محله التجاري الواقع في شارع عمر المختار غرب مدينة غزة، وراح يقلّب بقايا الملابس المحترقة والبضائع التي كانت محضّرة للبيع.

بحسرة يتنقّل كمال ببصره بين بقايا قطع الملابس والمانيكانات التي كانت تنتصب معلنة عن أجمل البضاعة في محله الذي كان يُعرف باسم "جانيت"، قبل أين يتحول إلى حطام وركام، إثر الطيران الحربي الإسرائيلي لبرج الشروق الواقع في شارع عمر المختار الشهير غرب مدينة غزة، والذي يعجّ بالمحال التجارية الراقية تضررت غالبيتها عند قصف البرج.

لم يتوقع كمال الذي يبعد محله 100 متر عن برج الشروق، أن يتم قصف محله بالكامل، يقول : "عندما سمعت خبر عزم الاحتلال قصف البرج توجهت فورًا إلى المحل لفتح أبوابه علّ ذلك يخفف حجم الضرر"، لكن ما حدث كان مهولًا وحجم الدمار الناتج عن القصف فاق توقعاته، فقد ترك الشارع بمحلات تجارية محترقة ومركبات تحوّلت إلى ركام، وحتى الأسفلت والرصيف كلها تدمرت.

حتى قبل القصف بلحظات كان هذا الشارع أرقى منطقة في قطاع غزة، ومحلاته هي الأغلى سعرًا من حيث الإيجار، بل إنه شهير ببضاعته مرتفعة السعر، قلب مدينة غزة وروحها التجارية، السير فيه وعِرًا بسبب أنقاض العمارات المهدّمة والمحالات التجارية، بل إن رائحة البارود الناتج عن انفجار الصواريخ وبقايا البضائع المحترقة ما زالت تزكم الأنوف.

بعد القصف مباشرة، هرع كمال صوب محله الذي عجز عن دخوله بسبب اشتعال النيران فيه، بينما تطايرت الشظايا والرماد لأكثر من مائتي متر، فالوضع كان صعب فعلًا بالنسبة لجميع أصحاب المحلات المحيطة بالبرج الذي تم قصفه، مضيفًا :"وصل الدفاع المدني الفلسطيني بعدها بلحظات، ورغم محاولاتهم المستميتة لإطفاء النيران، إلا أن حجم الكارثة كان أكبر من إمكانياتهم المتواضعة".

ظلّت الحرائق مشتعلة بالبرج الذي البالغ 15 طابقًا لثلاثة أيام، نتيجة اشتعال البنزين المخزّن في الطابق الأرضي له، والمخصص لتشغيل المولد الكهربائي الضخم الذي يخدم البناية كلها، ما ألحق أضرارًا بالغة بالمنطقة المحيطة وأثار حالة من الرعب في صفوف المواطنين الذين خافوا من امتداد النيران لمسافات أبعد.

المشكلة الأكبر أن أصحاب المحلات التجارية، كانوا قبل شهر رمضان جلبوا كميات من البضائع غاية عرضها قبل عيد الفطر، إلا أنها وبسبب العدوان لم تُباع بل إنها تعرّضت للاحتراق ما كبّدهم خسائر فادحة، هذا تمامًا ما عاناه التاجر إبراهيم السوسي الذي يقطن أيضًا في المنطقة ذاتها فوق متجره الشهير المعروف باسم "السوسي سنتر".

يقول السوسي الذي يعمل في متجره 12 عاملًا فقدوا جميعهم مصدر رزقهم :"لم نتوقع ما حدث في المكان، وما خلفه القصف من دمار شامل، فعندما شاهدت المنظر شعرت أن المحال التجارية هي المستهدفة بشكل مباشر".

يقف إبراهيم تارة يتحدث إلينا وتارة أخرى تجده شارد الذهن يحاول استجماع أفكاره وهو ينظر إلى بقايا البضائع وفساتين الزفاف الملطّخة بالرماد والفحم وبقايا البارود، فهذه الأزياء المخصصة للبس الفتيات في أجمل أيام عمرهم تودسها أقدام المارّة فوق الأنقاض.

يكمل:"لو بقيت في بيتي لمُسحنا أنا وعائلتي من السجل المدني، رغم أنني كنت أتوقع فقط تهشّم الزجاج أو خلع الأبواب في أسوأ الظروف، لكن ما حدث كارثة فاقت توقعاتي".

قبل أيام من العدوان، كان إبراهيم قد شحن بضائع استعدادًا لموسم الصيف الذي تكثر فيه الأفراح والمناسبات، ناهيك عن بضاعة العيد، ورغم القصف الذي طاله، لكن بات عليه السعي لتسديد "العربون" الذي دفعته المستأجِرات نظير إيجار فساتين لمناسبات كنّ يستعدّن لها.

أما أحمد أبو كويك، والذي كان يمتلك محلًا تجاريًا لبيع المطرزات الفلسطينية والعبايات الخليجية، فهو يصارع ذا المأساة، بعد أن دمّر الاحتلال محلّه بالكامل، واحترق لديه طابقيّ العرض ومشغل الخياطة الذي يضم ماكينات، ويعمل فيه 10 عمال باتوا عاطلين عن العمل.

يقول: " المحل كان يبيع كل ما يخص المطرزات الفلسطينية اليدوية والتي يتم حياكتها على المكن من أجل الحفاظ على التراث الفلسطيني، ومحاربة محاولات الاحتلال الصهيوني طمس الهوية الفلسطينية".

ويبدي التاجر الشاب قلقه على مصير عماله الذين لن يجدوا بعد الآن مصدر دخل لهم، في ظل تضرر كل القطاع التجاري في قطاع غزة.

واقع دفع التجار إلى الجزم بأن الاحتلال الإسرائيلي تعمّد خلال قصف تدمير كل ملامح الاقتصاد الفلسطيني، من محلات ومشاغل ومصانع، وكل ما من شأنه أن يدرّ دخلًا على الناس.

وهو ما أكده مدير عام الصناعة بوزارة الاقتصاد الوطني بقطاع غزة د.رائد الجزار، والذي يؤكد إن عد المحلات التجارية والمؤسسات الخدماتية التي طالها التدمير بسبب القصف الإسرائيلي لها أكبر بكثير من القطاعات الأخرى، خلافًا لما حدث في عدوان عام 2014م.

ويضيف إن الدمار الذي لحق بالمحال التجارية سيؤثر على الأوضاع الاقتصادية ويزيدها سوءًا خاصة أن العديد من العمال فقدوا مصدر رزقهم، فمثلًا في محيط برج الشروق وحده هناك 70 منشأة تجارية تضررت بالكامل، وسيتضح خلال الأيام القادمة بشكل أكبر حجم الدمار الذي لحق بالقطاع الاقتصادي.

وزارة الاقتصاد بدورها بادرت فور توقّف العدوان إلى فتح رابط على موقعه الالكتروني لتسجيل المنشآت التي تضررت نتيجة القصف الإسرائيلي، ووفقًا للجزار فقد تم تشكيل لجنة لحصر هذه المنشآت وهي سجّلت حتى الآن 1700 منشأة في مختلف المجالات "تجارية-خدماتية-سياحية"، ولم يتم الحصر بشكل نهائي بعد.

لكن هذه المرة، فالمنهجية التي تتبعها الوزارة في التوثيق تختلف عن تجربة 2014، -يقول الجزار- فهو يضم الضرر المباشر وغير المباشر، والعمال وفترة التعافي من الدمار والعودة لمواصلة العمل كما السابق، وليس تكلفة المصنع أو المحل فقط.

وعن آلية التعويض يوضح إن الجدران هي ملك للمالك، وهنا تكون مسؤولية وزارة الأشغال في تقدير حجم الضرر، أما ما بدخل المنشأة فهو ملكًا للمستأجر وتعوّضه وزارة الاقتصاد".

متجر السوسي قبل القصف وبعده

متجر أبو كويك قبل القصف وبعده

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير