شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 04 اعسطس 2021م03:17 بتوقيت القدس

مخلّفات الحرب ليست حجارة فقط فالنفوس أيضًا تحطّمت

01 يونيو 2021 - 23:42

غزة:

ما إن يسمع أطفال الشابة سحر خلف "24 عامًا" صوتًا مرتفعًا أو طرقَ بابٍ حتى يهرعوا فزعين إلى حضن والدتهم لتخبئّهم من خطر غير موجود، لكنه عالق في أذهانهم منذ توقّف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة يوم 21 مايو المنصرم.

سحر وهي أم لثلاثة أطفال تعيش في مخيم جباليا للاجئين الفلسطينيين شمال قطاع غزة، واحد من أكثر المناطق التي تعرّضت للقصف بالطيران الحربي الإسرائيلي، ما جعلها تعيش وأطفالها واقعًا نفسيًا معقّدًا حتى الآن.

تقول سحر لنوى: "الخوف والحزن يسكن قلوبنا حتى وإن توقف العدوان، وقع الصدمة ومشاهد الدمار بعد قصف منزلنا ما زال حاضرًا، بيبتي الذي كنت أسرح وأمرح فيه أنا وأطفالي تحوّل إلى فصل صغير في إحدى مدارس النزوح التابعة لوكالة الغوث بغزة".

اقرأ/ي أيضًا: الاحتلال يقتل حلم الشيف سجى ويدمر مشروع عمرها

نوافذ البيت المهشّمة التي لا يغطيها سوى قطع من القماش البالي، والجدران المليئة بالفتحات والثقوب، شظايا الصواريخ المتناثرة في أرجاء البيت، إثر قصف مجاور لمنزلهم هزّ المنطقة كلها، جعلها وأطفالها الذين لم يصدقوا إنهم على قيد الحياة بعد، لا يتشافون من آثار الصدمة التي عاشوها.

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي شنّت عدوانًا على قطاع غزة يوم 10 مايو الماضي، استمر 11 يومًا بعد اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية مصرية، إلا أن هذا العدوان خلّف نحو 250 شهيدة وشهيدًا بينهم 67 طفلًا، ومئات الجرحى وآلاف المساكن المدمرة، ناهيك عن حالة نفسية صعبة يعيشها سكان القطاع بفعل الغارات المتكررة والقصف الجوي المتزامن والعنيف.

"كل يوم أستيقظ من نومي لأتفقد أطفالي الثلاثة، ولا أعود للنوم، حتى الآن صدى الصواريخ التي قصفت والانفجارات التي حدثت بجوار منزلنا لا تغيب عن ذهني، وأراها كالكوابيس في منامي"، تضيف سحر شارحة حالها.

تتابع :" خرجنا بأجسادٍ غير مصابة ولكن نعاني نفسيًا، لسنا قادرين على استئناف حياتنا بشكل طبيعي، فكلما أستيقظ وأتذكر أني لست بمنزلي وما زلت نازحة تزيد مأساتي وخوفي من المستقبل الذي بات مجهولًا".

اقرأ/ ي أيضًا :"الزيتونية".. حلم شابين انهار في قصف إسرائيلي

وضعت سحر يدها على خدها الأيسر وعقدت حاجبيها محاولة القفز على همومها التي تعصف بداخلها قائلة: "لا أعلم متى سنعود لحياتنا حتى لو بجزء قليل كما كانت عليه قبل العدوان".

يدرك من يتابع وسائل التواصل الاجتماعي في قطاع غزة ما يعانيه الناس هنا من شكاوى يبثوها لبعضهم بعد أن باتت هذه الشبكة متنفسًا يتبادلون خلالها شكواهم وهموهم وتجاربهم، حتى من يسير في الشارع يرى وجوه الناس العابسة التي يكسوها الحزن.

الشاب سامر 30 عامًا، يعمل صحافيًا، لم تستيقظ نفسيته بعد من آثار العدوان، خاصة أنه يعمل في مهنة من كانوا بالصفوف الأولى لنقل ما يحدث، عاش 11 يومًا خارج منزله، فهذه متطلبات مهنة المتاعب في منطقة مثل قطاع غزة كما يصفها.

سامر ما زال يعيش حالة من الاضطراب النفسي بفعل ما شاهده وعايشه ومتابعته المستمرة لأخبار البث المباشرة، فكل صور الدمار والقصف عالقة في ذهنه لا تغيب بالمطلق، هذا ما يجعله في دوامة كأحد الأعراض الملازمة للاكتئاب.

يتابع سامر: "في كل ليلة أعود لمنزلي بعد انتهاء عملي وأحتضن أطفالي خوفًا عليهم وأظلّ مستيقظًا طوال الليل تحسبًا لأي قصف، خاصة أنهم كانوا نازحين طيلة فترة العدوان إلى خارج منزلهم في بيت جد والدهم في حي الشيخ رضوان، بسبب الدمار الذي شهدته مدينة بيت حانون".

اقرأ/ي أيضًا: ناجية من مجزرة "الوحدة" تروي تفاصيل فيلم "القيامة" الحقيقي

الأصعب على سامر حين كان يرادوه أثناء وقوفه على البث المباشر مجهّزًا كاميرته، هو المنزل الذي نزح إليه أطفاله، فيظلّ مراقبًا الصاروخ الذي سقط ذات مرة صوب بناية قريبة من منزل جدّهم، يداه ترتجفان طوال الوقت وليس بوسعه سوى الدعاء أن يحفظهم الله.

ويجزم سامر إن ما تعرّض له خلال العدوان من تجارب قاسية، والأعراض التي لاحقته بعد توقفه، جعلته يجزم بضرورة التوجّه للحصول على جلسات دعم نفسي للخروج من هذه الحالة.

الأخصائية النفسية ألفت المعصوابي إن ما يعيشه غالبية الفلسطينيين في قطاع غزة من أعراض كالشعور بالإحباط وفقدان الأمل وفقدان الدافعية للحياة وغياب الأفق، هي سلوكيات طبيعية ناتجة عن حالة غير طبيعية عاشوها خلال العدوان، وهي أحد أعراض الاكتئاب لكنها ليست اكتئابًا.

وقالت "حتى وان انتهى العدوان، لكن صورتها ومشاهد الدمار لازالت موجودة ومنتشرة في كل شارع بغزة، حتى حالات الهلع والخوف التي مروا بها خاصة عندما ارتكب الاحتلال مجازر بحق عائلات، هذا كله ولد عند الغالبية العظمي من الغزيين حالة من الاضطراب".

وتضيف إنه من الصعب تدارك الحالة النفسية بعد العدوان والعودة للوضع الطبيعي بسهولة، وتبدو الفئات التي تعرضت للنزوح الأكثر عرضة لذلك خاصة أنهم لا يشعرون بالأمان في منازلهم، ونصحت من يعانون هذه الأعراض الابتعاد عن مصادر القلق كوسائل التواصل الاجتماعي التي تضجّ صورًا وفيديوهات عن العدوان وآثاره.

لكن ثمة أهمية بالغة- كما ترى المعصوابي- لضرورة تقديم المساعدات الإغاثية والنفسية خاصة لمن فقدوا ذويهم أو منازلهم كون هذا يشعرهم بالترابط الاجتماعي وصون كرامتهم وخاصة النساء والأطفال الأكثر عرضة لهذا الشعور.

ولأن قطاع غزة كالعنقاء يخرج من بين الركام، يحاول الغزيون كما كل عدوان يحصد حياتهم وأحلامهم ومساكنهم، النهوض مرة أخرى محاولين ترميم ما تبقى من حياتهم لصنع مستقبلٍ أفضل.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير