شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 04 اعسطس 2021م02:06 بتوقيت القدس

في الحرب.. الشعور بالعجز موت متكرر لا يتوقف

25 مايو 2021 - 21:17

غزة:

يقال إن العدوان على غزّة انتهى، كما قيل سابقاً إنه انتهى في العام 2009، وفي العام 2012، وفي العام 2014، واليوم في 2021. لكن ما هي حقيقة هذا القول؟ مشاهد الدمار المفزعة تروي قصص مختلفة، بل إن ترويع الأرواح له رأي ثاني وثالث وعاشر إزاء هذا الادعاء!

قابلت "نوى" عدداً من الصحافيات الفلسطينيات للحديث عن شهاداتهن كناجيات، هكذا قررنا أن نسأل عن أحوالهن وعن الأثر النفسي الذي خلّفه العدوان عليهن في محاولة لإعطائهن مساحة للتحدث عن أنفسهن وليس عن الناس هذه المّرة.

دعاء شاهين، 31 عاماً، تعمل صحافية في "مصدر الإخبارية"

في اليوم التاسع للعدوان، كانت طائرات الاحتلال الإسرائيلي قصفت هدفاً ملاصقاً لمنزل دعاء الكائن في شارع "الهوجا" شمال القطاع، على إثره تم تدمير المنطقة، بل تعرض منزل الصحافية للضرر الجزئي لكن هذه ليست مشكلة دعاء، مشكلتها تكمن في تدمير روحها وهي على قيد الحياة.

صاروخٌ أول كان لهيبَه كفيلٌ بإضاءة منزلها المعتم بسبب انقطاع التيار الكهربائي، ثم صاروخ ثانٍ دفع بتطاير "كراميكا" الجدران، وتناثر رماد المباني المحيطة عليهم، فالرماد والدخان يملأ المكان، لم تسمع سوى صراخها من هول الانفجار. أخذت تنطق الشهادة ظناً منها أنها باتت بعداد الموتى الذي تضبطه إسرائيل لسكان غزة وتبدأ بتنظيمه وفق لمزاجها.

لا أريد التذكّر، أنا ميتة بالحقيقة الآن – تخبرنا – وتتابع أن اكتئاب ما بعد الحرب موجع وقاتل.

ترفض الصحافية الخروج من المنزل حتى اليوم كي لا تزيد من مأساة روحها ومشاهدة الدمار الذي حل في البلاد، فأين سأذهب؟ أغلب الأماكن اللي كنا نعتبرها متنفس لنا قد دمرت بسبب القصف، فأنا أكثر ما أحتاجه الآن نفس عميق ودعم نفسي أعمق" تختم -.

دعاء العيسوي 29 عاماً تعمل مصور ومنتجة

قصّة دعاء مأساوية أكثر من غيرها – هكذا تتحدث – موضحة؛ فأن تكوني صحافية وأم وزوجة مصور صحفي فتأكدي أنك ستقتلين مائة مرة بالدقيقة الواحدة.

قلق مضاعف ورعب وترويع، لم تعد تدري بمن ستفكر، هل بأطفالها المفزوعين من الحرب؟ أم بزوجها الذي يلاحق الأحداث بالميدان؟ أم في منزلها الذي أُجبرت على النزوح منه إلى بيت أهلها تحت تهديد ضربات الصواريخ التي استهدفت شارع الوحدة وسط مدينة غزة.

تقول: "صرت مجبرة أنام عند أهلي، القصف قريب وفي كل مكان، الخوف مضاعف، أفكر في البيت والأولاد وزوجي".

بيت أهلها لم يكن أأمن من منزلها بالتأكيد، فضربات الصواريخ استهدفت جميع أنحاء قطاع غزة دون استثناء، لكن "الموت مع الجماعة أرحم" تضيف.

"شعور الوحدة بين الجماعة"، من أقسى ما مرّ على دعاء التي كانت تلهث خلف كل الأخبار للاطمئنان على زوجها، أُجبرت على إخلاء بيت أهلها تحمل كل طفل بيد بينما كان الاحتلال يهدد منزل ملاصق لهم بالاستهداف

تزيد: "لما تكوني أم بكون الخوف مضاعف، أنا بجري بس مش قادرة أحمل أولادي. منهارة، لا أحد معي. شعرت بالوحدة"

كيف كنت تواسين أطفالك؟ ترد بأنها كانت تتحايل على الأمر بالقول إنها حفلة ألعاب نارية وعليهم أن يفرحوا بهذا، لكن قصف شارع الوحدة القريب من بيت أهلها جعل طفلها حسن يناشدها بإخبار المحتفلين أن يتوقفوا عن ذلك، فصوت الألعاب النارية عالي وهو خائف.

تختم دعاء :"حياتنا هنا ليست طبيعية، نريد اطمئنان واستقرار نفسي، لم أعد قادرة على انتظار الحرب الخامسة! لا أريد أن أفقد منزلي ولا سرير طفلي ولا شعره الذي احتفظت به عندما حلقه للمرة الأولى، ولا فناجين قهوتي فكلها أشياء عزيزة على قلبي مثل أولادي".

أماني شنينو (30 عاماً).. تعمل مراسلة حرة لشبكة الصحفيين الدوليين

أم لطفلين وحامل بالطفل الثالث في شهرها التاسع، بالطبع كانت تجربة الحرب مرعبة ومخيفة أكثر من أي وقت مضى بالنسبة لها، فنفسية المرأة الحامل حساسة وربما هشة خلال فترة الحمل، بل إن الثقل والتعب من أقل مجهود يبدو مضاعفاً.

لم تعرف أماني النوم، حتى الآن مع انتهاء العدوان، تباغتها كوابيس وأحلام مزعجة، القصف لا يغادر رأسها، خوف طفليها بعمر ست سنوات وسنة ونصف، الذين ارتفعت حرارتهم طوال فترة الحرب مع كل محاولاتها لتهدئتهم كانت تبوء بالفشل، لأنها كانت خائفة مثلهم وكل قصف كان ينتهي معها بأوجاع جسدية غير النفسية التي تشبه ألم الولادة.

تسكن الصحافية في شارع البحر مباشرة، في الطابق الـ١٣والأخير في برج سكني، من تجربتها بالحروب السابقة فهو مكان غير آمن وصوت القصف فيه يكون مضاعفاً عن أي مكان آخر، لذا منذ بدء التصعيد تركت البيت وكل سكان البرج تقريباً.

ما أكثر شيء تشعرين أنك بحاجته؟ تجيب أماني أنها بحاجة الأمان الذي لا تعرف هل بالإمكان الوصول له ونحن تحت تهديد القصف والحرب بأي وقت وصوت الزنانة فوق رؤوسنا لم تغادرنا بالرغم من التهدئة! كانت مرتابة من فكرة الولادة بالحرب، كانت لا تتحرك كثيراً وتحاول تقليل مجهودها لأقل قدر ممكن.

تجربة الأمومة في غزة بمثابة ركض مستمر لا ينتهي، تعب ثقيل ومسؤولية مضاعفة، دائما ما تشعر الأمهات بأنهن عاجزات أمام أطفالهن، عاجزات عن طمأنتهم وفي ظل الحرب يتحول العجز هذا لموت يتكرر كثيرا ولا يتوقف – تختم -.

كاريكاتـــــير