شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 22 ابريل 2021م20:39 بتوقيت القدس

حيث أبو زهير يصنع فطائر البيض والزعتر ..

رائحة "تاريخ" تفوح من فرنٍ بغزة القديمة

27 مارس 2021 - 16:56

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يسرع إسماعيل قاسم، الخطى، متنقلًا بين مجموعةٍ من زبائن محله الصغير. بالكاد يأخذ الطلبات، ثم يعود إلى فرنه لمراقبة ما وضعه فيه من معجناتٍ وفطائر.

بالقرب من المسجد العمري الكبير، داخل منطقة غزة القديمة، يقع محل العم إسماعيل (ويُكني بـ أبي زهير)، وسط أجمل الأماكن الأثرية، حيث عبق التاريخ، وسجلات الذاكرة الحافلة بالأحداث والعراقة.

"ولدتُ هنا، طفولتي كانت في هذه الأزقة، تربيتُ على حبها وتقدير كل زاويةٍ فيها"

هنا، يشرع أبو زهير (42 عامًا)، بإعداد أشهى الفطائر والمشروبات الساخنة، على يديه، وبالطريقة التقليدية، لرواد السوق والباعة في أوقات الصباح، وعند وقت الغداء أيضًا، يقول لـ "نوى": "الناس يقصدون محلي للتمتع بجمالية المكان، ومعايشة أجواء الماضي والتراث بالقرب من الجدران العتيقة".

ويضيف مشيرًا بسبابته إلى بيتٍ قريب: "ولدتُ في هذا المكان بالقرب من المحل، طفولتي كانت في هذه الأزقة، تربيتُ على حبها وتقدير كل زاويةٍ فيها، بل أشعر بأنني ابن لها في كثير من اللحظات".

كان والد إسماعيل، محفزه الأول على حب المكان، -وحتى اليوم- ورغم بلوغه سن الـ 75، ما يزال متمسكًا به وبمحله الصغير الذي يصنع فيه المشروبات الساخنة بالأدوات القديمة التراثية.

ورغم محاولات الرجل التشبث بشكل المحل وهيئته، وحتى محتويات قائمة الطعام فيه، إلا أن التطور يأبى إلا أن يتسلل إلى رونقه، ليجبره على إضافة أصنافٍ جديدة "غير فطائر الزعتر والبيض" التي اعتاد والده وجده على تقديمها للزبائن"، يزيد: "صرنا نصنع مناقيش الجنبة، والبيتزا، ومعجنات اللحم أيضًا، كل هذا حتى نضمن عدم المنافسة، واستمرار الرضى من قبل الزبائن".

"تصلني الكثير من طلبات الحجز المسبقة، لحلويات رمضان والأعياد، فنكهتها هنا تضاهي نكهة منتجات أكثر المخابز تطورًا". 

وفي المناسبات، مثل شهر رمضان والأعياد، يحرص أبو زهير، على إعداد أصناف مختلفة من الحلويات، والمعمول، "وتصلني الكثير من طلبات الحجز المسبقة، من قبل نساء ورجال، ذلك لاعتيادهم على الطعم اللذيذ، والرائحة الزكية لتلك الحلوى التي أصنعها بجميع مراحلها بيدي" يكمل.

ويروج العم أبو زهير لما يقدمه من معجنات، وللأجواء القديمة التراثية، التي ينفرد بتقديمها للزبائن داخل قطاع غزة، عبر صفحاتٍ على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتفاعل المتابعون معه على الدوام، ويرسلون له رسائل تعبر عن مدى رغبتهم في زيارته، ويفصحون عن حبهم للمكان، وعن تعلقهم بجماله، ورغبتهم في التقاط الصور التذكارية فيه.

"يبدأ عملي بعد صلاة الفجر، وأتفاعل مع طلبات الديلفري"

يضيف: "يبدأ عملي في المحل يوميًا، من بعد صلاة الفجر وحتى وقت المغرب: أبدأ بالعجين، الذي أتم مراحله كافةً يدويًا، ثم أقطع العجينة إلى قطع صغيرة، وبعدها أفردها يدويًا، ثم أقطعها بأحجامٍ مناسبة، ليلي ذلك زجّها بالحشوة المطلوبة".

ولا يتوقف عمل الرجل عند الزبائن الذين يبدأون بالتوفد إلى محله منذ ساعات الصباح الأولى، إذ لا يتوقف هاتفه عن الرنين، لاستقبال طلبات "الديلفري" إلى المحال أو البيوت المحيطة.

يحرص أبو زهير، على توريث ابنه الأصغر "زهير" مهنته على أصولها، "فيقف نجله إلى جانبه طوال ساعات النهار، يراقب العمل ويساعده في بعض المهمات.

يؤكد الرجل أن "توريث المهنة" هو بالنسبة لأصحاب المهن العريقة "واجب"، كونها تؤرخ لتراثٍ فلسطيني يحاول العدو الإسرائيلي طمسه، أو نسبه إليه.

يهمّ بأن يختم حديثه لانشغاله بمتابعة طلبات الزبائن، إلا أنه توقف قليلًا وضحِك. قال لـ "نوى": "حينما تجتمع عائلتي على مائدة الطعام، يبدأ أبنائي بالإشادة بطريقتي في صنع المعجنات، ويلمحون إلى أنني أفضل من والدتهم في هذا المجال، وهنا تبدأ المشاجرات بين الطرفين، لتنتهي بضحكةٍ مرسومة على وجه الجميع".

"أحاول إسعاد زبائني بإشراكهم في إعداد الفطائر التي يطلبونها بأنفسهم، فيما لا أتوقف عن سرد الحكايا لهم"

يحاول أبو زهير، إسعاد زبائنه من خلال إشراكهم في إعداد المعجنات، أو خفق البيض، كي يشعروا وكأنهم في بيتهم، ليس ذلك وحسب، فذلك "الود" ترافقه الكثير من الحكايا، عن المكان، والذكريات، والآثار العتيقة، وسوق الذهب، وحمام السمرة، وتاريخ المكان، الذي لا يشبع المار عبره من تفحّص حجارته، واستنشاق عبق التاريخ من صور المتشبثين به.

كاريكاتـــــير