شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 04 اعسطس 2021م01:35 بتوقيت القدس

توثيق رقمي لها

مشروع كنعان ... بضغطة زِر أنت في قلب آثار غزة

22 فبراير 2021 - 10:39

غزة:

داخل مدرسة الكمالية الأثرية وسط مدينة غزة، والتي تعود إلى العهد الأيوبي كواحدة من أوائل المدارس في فلسطين عام 1237م؛ كانت المهندسة نسمة السلاق تضع اللمسات الأخيرة على مقاطع الفيديو التي تم تصويرها عبر كاميرا (درون) الجوية؛ لرفعها على تطبيق الكتروني اسمه "كنعان" تم تخصيصه لتوثيق الآثار الفلسطينية في قطاع غزة.

نسمة السلاق، ميار حميد وسندس النخالة، ثلاث مهندسات معماريات، أخذن على عاتقهن منذ أربع سنوات مهمة توثيق آثار قطاع غزة عبر تطبيق الكتروني أسموه "كنعان" نسبة إلى أولى القبائل التي سكنت فلسطين، وسرعان ما انضم إلى فريقهن متخصصون في البرمجيات ومصورين ومهتمين في مجال المسح الميداني عن الآثار.

وعبر التطبيق الالكتروني الذي يستخدم التقنيات الحديثة؛ وبضغطة زر بات بوسع أي شخص في العالم أن يجد نفسه في قلب آثار قطاع غزة المصوّرة، والقيام بجولات افتراضية داخل المواقع التاريخية والتعرّف على كامل المعلومات معها، وباللغتين العربية والانجليزية، وعبر لقاءات معمّقة مع شخصيات عربية وأجنبية مهتمة بالتاريخ والآثار بهدف الترويج للمواقع.

وتتحدث المهندسة نسمة السلاق لنوى عن انطلاق الفكرة :"فكرت في توثيق المباني الأثرية والقديمة في قطاع غزة بطريقة جديدة أثناء دراستي مساق التدريب في الجامعة، وبدأت من خلال المسح الميداني والتصوير الكامل بدرجة 360 دير القديس هيلاريون بموقع تل أمر عامر ولاقى المشروع رواجًا ونجاحًا كبيرين".

تدور فكرة مشروع كنعان حول توفير مقاطع فيديو تسمح لأي متصفح في العالم التجوّل افتراضيًا داخل المواقع، وخلال عامي 2018 و 2019 انتقل الفريق إلى توثيق مناطق جديدة عبر مشروع مدعوم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ‏"اليونسكو"، وُثِّق خلاله السجل الوطني الثقافي في قطاع غزة باستخدام أدوات خاصة مثل الطائرات المخصصة للتصوير "الدرون" إلى جانب أدوات النظم الجغرافية وتطبيقات الهواتف الذكية.

لكن قلة المصادر والمراجع كانت واحدة من أبرز العقبات التي واجهت الفريق، فلا معلومات حول طبيعة المواقع الأثرية الموجودة تحت الأرض، وهو ما دفع الفريق إلى البحث حتى وصلوا إلى وثيقة تابعة لجريدة الوقائع الفلسطينية الصادرة عام 1945م.

تقول السلاق :"أطلقنا على مشروعنا اسم كنعان نسبة إلى أول القبائل التي سكنت غزة وعمّروا فيها مناطق عدة ما تزال شاهدة على حضارتهم".

ويهدف مشروع كنعان- حسب السلاق- إلى تسجيل كل مناطق غزّة الأثرية في سجلات اليونسكو، كخطوة مهمة لتحديث بيانات وأعداد المناطق الأثرية والقديمة في القطاع، فمجرد دمجها في سجلات منظمة دولية يؤدي إلى حمايتها من انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي الذي دمّر الكثير من المواقع في القطاع.

كما تتجلى أهمية المشروع في عنايته بالمناطق الأثرية المهملة بسبب الانشغال بالسياسة على حساب الآثار وضعف حركة السياح والتهميش من منظمة السياحة العالمية التي لا تتعامل مع قطاع غزة.

المهندسة ميار حميد حدّثت نوى بابتسامة عريضة عن مغامرات خاضها الفريق أثناء عملية المسح الميداني للمواقع، مثل دخول بعضها عن طريق تسلّق جدران مبانٍ مجاورة، أو من خلال ثقوب وفتحات ضيقة، وما صاحب ذلك من مواقف شيّقة، تمكنوا خلالها من توثيق 311 مبنى و 76 موقعًا أثريًا، كلها شاهدة على الحضارة التي يعود لها الإنسان الفلسطيني.

وحسب حميد، فرحلة البحث شملت مناطق أثرية فوق الأرض وتحتها، إضافة إلى الكثير من البيوت الأثرية التي تتعرض للهدم من أجل استبدالها بمبانٍ استثمارية، معتبرة ذلك خسارة لقطاع الآثار وأحد العوامل التي سببت معاناة كبيرة للفريق خلال التوثيق، حيث وصلت نسبة المباني المهجورة منها حوالي 50%، فضلًا عن عدم تقبّل البعض توثيق هذه المناطق.

واعتمد الفريق في بحثه -وفقًا لحميد- على القيمة التاريخية والحضارية للأماكن التي تُوثق، فيما تحدد لوائح وزارة السياحة أن المكان يصبح أثرياً بعد مرور مئة عام عليه، وأكدت مراعاة ذلك، لكن ثمة مواقع وبيوت قديمة تحتوي على معلومات حضارية عاصرت فترات زمنية طويلة منذ العهد العثماني في فلسطين، وكان إدراجها ضمن المواقع الأثرية حتمياً.

ويعد موقع "كنعان" أول موقع فلسطيني في غزة يطلق على نفسه وصف السجل الرقمي المتخصص في توثيق الآثار والتراث الفلسطيني، بالإضافة إلى وجود تطبيق خاص بالهواتف الذكية يتداول ما يُنشَر عبر الموقع.

جهد الفريق الذي يوشك أن يرى النور، كان مهمًا لطلبة قسم التاريخ والآثار في الجامعات الفلسطينية، هديل رجب هي واحدة من الطلبة الذين عانوا من نظام التعليم الالكتروني إثر جائحة كورونا، فزيارة المواقع التاريخية حتمًا مهمة.

تقول هديل: "لتجاوز الأزمة عثرت على حسابات الفريق على الفيس بوك، وتابعت خط سيرهم وطبيعة عملهم يومًا بيوم، فالموقع يتيح فرصة التنقّل في الموقع بتقنية ثلاثية الأبعاد زادت من أهميته واعتماده كمرجع فريد للآثار في غزة، لطلبة التاريخ بشكل والمهتمين بالآثار بشكل خاص".

وتأمل الشابة أن يتم تطوير الموقع وإطلاقه رسميًا، وتوفيره لخاصية وتقنيات حديثة لمواكبة التطور التقني في هذا المجال بما يضمن توفير التجول الافتراضي الدقيق والمسارات الالكترونية وأن يصبح المسح شاملًا، ليس لقطاع غزة جنوب الوطن، بل لفلسطين التاريخية كاملة، وهو الأمل ذاته الذي ينشده فريق المهندسات الثلاث عبر مشروع كنعان.

كاريكاتـــــير