شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 01 مارس 2021م08:32 بتوقيت القدس

إيناس في تركيا

عندما وجدت السفر طوق نجاة في حياة بائسة

18 فبراير 2021 - 11:53

اسطنبول:

"فلتت بروحي"، تعبير شعبي فلسطيني يُستخدم عندما ينجو صاحبه من مصيبة، وهو ما استخدمته إيناس عندما بدأت تسرد قصتها البائسة التي دفعتها للبحث عن حياة أفضل.

تعيش الشابة ايناس "23 عامًا"، منذ عامين برفقة زوجها في تركيا حياة هادئة مستقرّة لا ترغب في تذكّر شيء مما عانته سابقًا على يد شقيقها الأصغر وزوجها الأول الذي أذاقها العذاب.

وفي تفاصيل حكاية إيناس (اسم مستعار)، فهي من أسرة متواضعة كانت تقيم في مخيم للاجئين بمدينة غزة، عندما طلقها زوجها الأول بعد زواج لم يستمر طويلاً، لتعود إلى بيت الأسرة علّها تجد من يحنو عليها ويخفف وطأة ما تعرضت له من عنف في زواجها السابق.

ايناس:طلقني زوجي الأول بعد ستة شهور من الزواج قضاها ضربًا وإهانات

أتى صوت إيناس باردًا عبر الهاتف وهي تستذكر تلك المرحلة: "طلقني زوجي الأول بعد ستة شهور من الزواج قضاها ضربًا وإهانات حتى لم أعد أحتمل أكثر، فعدت إلى أهلي أملًا في احتواء يعوضني ما تعرّضت له".

في منزل العائلة وقعت إيناس ضحية شقيقها محمد الذي لم يتجاوز (18 عامًا) لكنه "سي السيد" لذي يأمر وينهر ويصرخ في وجهها، تقول:"هو أصغر مني بثلاثة أعوام لكن رأيت منه كل أصناف التعنيف والإهانات، لدرجة أنني كدت أموت على يديه".

وفقًا لما يظهر أمام الناس؛ فإن محمد شاب متديّن، لكن كما تصفه:"واقف لي على الوحدة، ليش لبسك هيك،، فش طلعة من البيت إنتِ مطلقة، ما تفتحي التلفزيون، ومعاملة يومية بطعم العلقم".

وبقدر ما كان محمد سيئاً مع إيناس إلا أنها كانت رحيمة معه عندما طعنها بآلة حادة في عنقها وكاد يقتلها، غير أنها "تسترت عليه" وادعت في المستشفى أنها سقطت وارتطمت بطاولة من الحديد، لتحميه من دخول السجن بجريمة "الشروع بالقتل".

ايناس: هل يعقل أن يكون لمثل هذا الأخ سلطة حرمان شقيقته من السفر لمجرد أنه هو الذكر

لم يحفظ الشقيق الأصغر لشقيقته حسن صنيعها معه، وواصل اضطهاده لها، وحتى عندما جاءتها "فرصة النجاة" بالعمل في منشأة يمتلكها عمها في تركيا رفض سفرها.

أكثر من عام وإيناس تتوسل شقيقها ألا يحرمها فرصة بناء حياتها بعد ما تعرّضت له، لكنه لم يقبل إلا بعد وساطة عمه وبناته المتكررة، وإغراء إيناس له أنها ستحوّل له جزءًا من راتبها الشهري.

وتتساءل بمرارة: "هل يعقل أن يكون لمثل هذا الأخ سلطة حرمان شقيقته من السفر لمجرد أنه هو الذكر مع أنه الأصغر والأقل وعياً؟".

وقالت: "عندما قرأت قرار القضاء الشرعي بغزة ووضعه قيوداً على سفر المرأة تذكّرت بكثير من الألم والمرارة قصتي، وقلت في نفسي: كم من النساء مثلي يحلمن بلحظة الخلاص ويقف ذكراً من أسرتها عائقاً في طريق مستقبلها".

وكان رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي في غزة حسن الجوجو أصدر تعميماً قضائياً ينص من بين نصوصه على أنه لا يحق للمرأة غير المتزوجة بكراً كانت أو ثيباً من دون الحصول على إذن من وليها، ولوليها أن يمنعها من السفر إذا كان فيه ضرر محض.

وقالت إيناس: "من يحدد هذا الضرر، وهل المرأة غير مكتملة الوعي والإرادة حتى يقرر عنها آخرون مصيرها ومسقبلها لمجرد أنهم أولياء ذكور؟ّ".

هناك في تركيا كانت الحياة تخبئ لإيناس ما يعوضها عن العذابات التي تعرضت لها من طليقها وشقيقها، فقد التقت بمن أحبها وتزوجها، وأنجبت بنتاً.

لا تفكر إيناس في العودة إلى غزة، بل ورفضت في البداية الحديث لنوى سوى بعد تدخّل من صديقتها هنا، وقالت في ختام حديثها: "حياتي هنا، ولا أريد شيئًا من الماضي، أريد لابنتي أن تعيش في مكان لا تُنتهك فيه حقوقها ويُداس على إرادتها، غزة جميلة وأحبها، العيب ليس فيها، بل في قوانين لا تنصف النساء وصكوك تحمي الذكور عند اضطهاد المرأة حتى لو قتلها".

ثابت:التعميم القضائي يتعارض مع القانون الأساسي الفلسطيني، ومع القوانين والمواثيق الدولية

ووصفت الناشطة النسوية وأستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية عبير ثابت بغضب على القرارات التي تحجر على المرأة وتحط من قدرها وقيمتها بأنها "قرارات داعشية تعيدنا إلى عصر الجاهلية".

وقالت ثابت لـ "نوى": "هذه القرارات ليست من الإسلام، فالمرأة في عهد الرسول كانت تتمتع بكامل حقوقها، وتشارك في الحروب والتجارة وكثير من الأعمال والأنشطة التي كانت سائدة في ذلك الوقت".

وأضافت: "ليس مقبولاً أن يمنح أخ جاهل أو ظالم الولاية على المرأة سواء كانت أمه أو شقيقته، لمجرد أنه ذكر، ويحرمها من حقها في السفر للتعليم أو العلاج أو لأي سبب آخر ترى فيه طريقها نحو حياة أفضل".

وبرأي ثابت فإن التعميم القضائي للمجلس الأعلى للقضاء الشرعي يتعارض مع القانون الأساسي الفلسطيني، ومع القوانين والمواثيق الدولية.

ولأن التعميم يتعلق بالمرأة الفلسطينية، وبالمرأة في غزة تحديداً، فإن وقعه كان صادماً، "فالمرأة عندنا من أكثر النساء في المنطقة العربية، وربما في العالم، تعليماً وثقافة، وأثبتت كفاءتها في كل المجالات، وحتى في النضال ضد الاحتلال".

ودللت ثابت على حديثها ببيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني التي تشير إلى أن المرأة تشكل 49% من التعداد العام للسكان، من بينهن 94% متعلمات، وكثير منهن يحملن شهادات عليا ماجستير ودكتوراة.

وقالت: "في الوقت الذي نناضل فيه من أجل زيادة مكانة المرأة في المجلس التشريعي ومراكز صنع القرار، يخرج مثل هذا التعميم الجائر الذي يمنح الرجل صك غفران وضوءاَ أخضر ليتحكم في مصائر النساء".

  يُشار إلى أن رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي د.حسن الجوجو صرّح بعد موجة الانتقادات على التعميم القضائي، بأنه سيتم إعادة صياغته بما يراعي الملاحظات التي وردت.

صــــــــــورة
كاريكاتـــــير