شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 01 مارس 2021م09:04 بتوقيت القدس

نساء المخيم يداوين المرض بالحُب

08 فبراير 2021 - 10:46

غزة- شبكة نوى :

سارت فاطمة المدهون بين أزقة مخيم جباليا تسندها جدرانُه الرطِبة في الشوارع الضيقة، ثم دخلت بيتها ذي الأربع والستين مترًا، وألقت بجسدها على السرير ونامت ليلتها ودموعها تبلّل الوسادة، فقد أخبرها الطبيب أنها مصابة بفيروس كورونا.

قبل أن تغفو فاطمة أخبرت والدتَها أن تُحذّر صغارَها الأربعة من الاقتراب منها أو حتى دخول الغرفة لئلا تنقل إليهم العدوى، لتفاجَأ بهم صباح اليوم التالي ينامون في حضنِها. 

تضحك فاطمة التي شفيت من المرض وتروي –لشبكة نوى-:" أفقتُ فوجدتُ كل واحد منهم يلف ذراعه على جسدي، لقد فُجِعتُ بالمشهد المفاجئ، وحين طلبتُ منهم الخروج فورًا رفضوا مبررين أنه لا يهمهم أن يُصابوا بالفايروس ما دامت أمهم مصابة".

وتوضح:" لم أكن أريد لأولادي أن يتعرضوا لأي أذى، أما أنا فإصابتي بكورونا لن تكون أصعب من إصابتي بمرض القلب والسكر والضغط وتجمع المياه على الرئتين وغيرها".

طلاق ومرض

فاطمة ذات الواحد والثلاثين عامًا عانت من كل هذه الأمراض بعد تعرّضها للطلاق قبل أربع سنوات، لقد عاشت حياةً قاسية وظروفًا صعبة حتى انتهى الأمر بطلاقِها والعيش مع أهلها برفقة أطفالها. تعلق:" ما شفت يوم هَنِيّ".

لكن عسر الحياةِ في ظل ضيق المنزل وسوء الوضع المادي لأهلها يلقي بظلاله على فاطمة التي لا تتوقّف عن العمل في البيت كي لا يكون وجودُها عالةً على الأسرة.

تعبر:" تنشب بين أولادي الكثير من الخلافات مثل كل الأطفال، لكن ذلك في ظل البيت الضيق يزيد الحال سوءً لدى الكبار وإن خرجوا للشارع أخشى عليهم من المخاطر والمشاكل".

بعد نوم الأطفال وهدوئهم تربت أم فاطمة على كتف ابنتها وتطبطب عليها حين تشعر بهمّها وحزنها فتملأ قلب فاطمة بالحب الذي ينسيها حزنها ومرضها وكوم الأدوية الذي يجاورها. 

تبين:" الحب يتغلب على المرض فأنا مهما كبرت، أشعر بطمأنينة وراحة كبيرة حين تضع أمي يدها على كتفي".

وحين تشعر فاطمة بعظيم الحب الذي يكنّه أطفالها الأربعة لها يشع بصيص النور من عينيها، فيما حين تعِدُها صغيرتها حلا ذات التسع سنوات والمتفوقة بمدرستها بأنها ستكبر وتصبح محامية لتأخذ لها حقّها وتمسك لها دمعتها فإنها تغرق بالأمل وتقول: "الحمد لله على كل حال".

حَمْدٌ وابتسامة

أما أم عبد الله أبو نحل، فلا تغادرها الابتسامة ولا الحمد، وسرعان ما يُبشُّ وجهُها حين تقابل الناس، لتنشر بينهم طاقةً إيجابية تنعكس على مباسمهم.

التقيتها في المخيم في بيتها البسيط المنظّم والواقع بين أزقة شوارع المخيم وقد تجهّزت لاستقبال زوجها "أبو عبدالله" الصائم وجهّزت طعام الإفطار، حيث اعتاد صيام يوميّ الاثنين والخميس، وبالعادة تشاركه أم عبدالله الصيام عسى الله أن ينجيها من ذلك الورم الملتصق برقبتها.

تروي "لشبكة نوى":" أصبتُ بورمٍ في الغدة الدرقية، وبفضل الله كان حميدًا وتمت إزالتُه، بعملية جراحية أجراها لي وفدٌ طبي أجنبي قدِم إلى غزّة".

لكن أم عبد الله اليوم تعاني من ورمٍ آخر في الجانب الآخر من الرقبة، إلا أنها لم تذهب للمختبر الخاص لأخذ عينة والفحص عمّا إن كان الورم حميدًا أم خبيثًا، وفق ما طلب منها الطبيب محذراً إياها من التأخر، الأمر كله متوقفٌ على "200 شيكلًا" لإجراء الفحص، لكنها لا تملك.

توضح:" مرت أسابيع وشهور، دون أن أتقدّم للفحص، وإذا توفّر لي مبلغ من المال من الشئون الاجتماعية أو غيره جعلت الأولوية لسداد ديوننا من السوبر ماركيت ومحل الخضار فأنا لا أحتمل أن يدقّ بابي أحدٌ يطلب دينه حتى إن كان على حساب صحتي، فالكرامة أعظم".

أم عبد الله وإن كانت تتمنى أن تتعالج اليوم قبل الغد وأن تطمئن على حالها، وحال الورم في رقبتِها إلا أنها في كل الأوقات تترك الأمر لله وتصنع أجواءً مليئة بالحب والسعادة وسط عائلتها التي باتت صغيرة بعد تزويج بناتها وبقاء "مرح" الابنة الصغرى فقط.

 تعلق:" لو حزنت وابتأست فإنني لن أقدّم أو أؤخر شيئًا، وكما يقول المثل لو جريت جري وحوش غير رزقك ما بتحوش، فإن أراد الله أن يرزقني المال ويشفيني من مرضي فإن قدره نافذٌ في أي لحظة شاء". 

 تستقبل أم عبدالله بناتها المتزوجات وأزواجهن بابتسامة وحفاوة، فيقابلونها بنفس الابتسامة، على ما يبدو فإن بناتها اكتسبن البشاشة من والدتهنّ، فإذا ما أردنَ تنظيم حفل عيد ميلادٍ لأحد أطفالهنّ جئنَ إليها بكل مستلزمات عيد الميلاد ونظمن كل الأمور وصنعنَ الحب وسط الشموع، دون أن يرهقنها في شيء، وإذا ما قرّرن المبيت ابتكرنَ أجواءً من المرح مليئة بالحكايات والضحكات، وأحضرنَ المشروبات والتسالي والمكسرات، إنه بيت مزروع بالأمل.

صــــــــــورة
كاريكاتـــــير