شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 24 يناير 2021م14:43 بتوقيت القدس

الحُبّ يُقتل على بوابة المعبر

13 يناير 2021 - 11:48

غزة:

تمام السابعة من صباح كل يوم في مدينة القاهرة، يخرج سعيد رفعت إلى ورشة تصليح السيارات التي يعمل بها، مصطحبًا صغيرتَه سما ذات الخمس سنوات، فوالدتُها عالقةٌ في قطاع غزّة منذ عامٍ كامل بسبب إغلاق معبر رفح.

لم تكن تعلم الغزيّة آية الأشقر، زوجةُ المصري سعيد، أن شوقَها لأهلِها سيجرفها إلى ما لم تحسب له حسابًا وفقَ حديثها – لشبكة نوى-.

وقالت:" ليتني بقيتُ في حضنِ عائلتي، وما دخلتُ غزّة، كنت أنوي المكوث شهرًا واحدًا على الأكثر، لكن ابنتي كبرت عامًا كاملًا وأنا بعيدة عنها، وحُرِمت من التعلم في رياض الأطفال، وتتناول الطعام مع والدِها من محلات الشارع برفقته".

وأضافت:" أنا بيتي بيتخرب بسبب إغلاق المعبر، ووارد جدًا إن جوزي يتجوز بواحدة تهتم بيه وببنته".

تشتتُ العائلة ليس باحتمال الزواج بأخرى وابتعاد آية عن زوجِها وابنتها فقط، تعبّر:" لقد اكتشفتً أنني حامل بعد دخولي غزة بأيام قليلة، ومنذ علمتُ بذلك بدأت أجهز أوراقي لمغادرة غزّة والعودة لعائلتي من جديد".

فلسطينيتي ذنبي

وتتأسف آية على حالِها وظروفها التي مرّت بها :" مرّت الأيامُ كالدهور ولم يصدر اسمي للسفر وحين تم الإعلان عنه كنت على سرير الولادة في غزة".

وتروي:" كثرة التفكير والشوق لزوجي وابنتي يمنعني من القدرة على الاعتناء بصغيرتي الرضيعة، ناهيك عن والدايّ اللذان لم يرُق لهما الحال واللذان ينظران الآن للموضوع من ناحية أخرى فيها الطلاق هو الحل- لا قدّر الله-".

وتبين:" صعوبة الحال الذي يمر به زوجي في اعتنائه بالصغيرة، واصطحابه لها إلى مكان عمله حتى آخر الليل أمرٌ يدفعه لِلَومي دومًا، ما ينعكس على علاقتنا، فالذنب ليس ذنبي، إنما ذنبي الوحيد أنني أعيش في قطاع غزّة".

وكانت آية قد تزوّجت من سعيد بعد معرفتها لعدة مواقف عظيمة قدّمها لأحد أقربائها الذين علقوا قبل عدة سنوات في مصر، وتلك المواقف لاتزال محفورةً بقلبها وهي التي تنام ليلها وقد رطبت دموعها وسادتَها - كما تقول - داعيةً الله أن يُفتح المعبر وتخرج لمصر فتلمّ شملَ عائلتِها. وتختم:" رجعوني لمصر ومش حرجع غزّة تاني... بنتي كل يوم تقتلني لما تسألني انتي مش عايزة تشوفيني ليه؟ فعمرها الصغير لا يستوعب كل هذل الظلم والقهر الذي يسببه لنا المعبر".

حلم العودة لمصر

أما أم علاء العالقة في غزّة فلم يعد أمر الزواج بأخرى مجرد احتمال وتوقعات إنما بات أمرًا واقعًا، تروي –لشبكة نوى- لقد تزوّج زوجي بامرأة لديها أولاد وخُرِب بيتي، فيا ليتني أعيد ترميم أواصر أسرتي الصغيرة، لقد باتت عودتي لمصر حلم لا يفارق ليلي ولا نهاري، أما التمام شملي فمرهونٌ بفتح المعبر، فأي قهرٍ هذا الذي أعيشه؟".

أم علاء:أخبروني  أن والدي يصارع الموت، وطلب رؤيتي، وكان كل تخطيطي أنني لن أبقى في غزّة أكثر من شهر واحد

وتروي أم علاء حكايتها فتقول:" أخبروني في غزّة أن والدي يصارع الموت، وقد طلب رؤيتي، وكان كل تخطيطي أنني لن أبقى في غزّة أكثر من شهر واحد".

وتضيف:" الشهر امتدّ ليصير عامًا ونصف، وأنا ما أزال أقبع في سجن غزّة، لا أعرف للنوم طعمًا ولا للراحة، زوجي وابني ذي العشر سنواتٍ في مصر، وأنا وابني الأصغر الذي أصبح بعمر الثلاث سنوات في قطاع غزة، كلما رأى صورة والدي شدّني وطلب مني أن نذهب إليه".

وتتبع:" انتُزِع الكثير من الحب بسبب كثرة مشاكلي مع زوجي وكثرة اللوم، أما أهلي فقد قرروا أن لا يعيدون ابني معي إذا ما افتتُح المعبر وتمكنتُ من الخروج، فهم لا يعلمون ما الذي يمكن أن يحدث وتلك المرأة تسكن في بيتي مع أولادها فيما ابني بِكري ضائعٌ بينهم".

وتعبر:" إنني أعيش في دوامةٍ من الأسى والحزن، ألعن المعبر كل يوم ".

أنا زهقت..

أما نادية خليل ففتاةٌ بعمر 21، تربت في المساجد وحفظت كتاب الله، إنه من يصبرها على معاناتها اليوم وعُسر أيامها في ظل عدم قدرتِها على الخروج إلى الأردن والزواج من خطيبها الأردني.

اختارها لأنها صاحبة دين وصديقة أخته، تحكي – لشبكة نوى- "لم أحب أحدًا بقدر ما أحببته، إنه مخلص وقد طلب يدي على سنة الله ورسوله، لكن أهلي رفضوا رفضًا تامًا، لتلك الأسباب التي أعيشها اليوم، وحينما بات الخطاب يتقدمون إلي وأنا أرفض الخروج إليهم وافقوا على خطبتي بعد أن حمّلوني مسئولية اختياري وكان ذلك بعد عامين من معرفتي له".

نادية:كان كل هاجسي ألا أجد خطيبي يشعر بالملل من تلك الحالة، لكن ذلك مستحيل، فالبعيد عن العين بعيد عن القلب

وتقول:" كان كل تفكيري الخروج عن طريق معبر إيرز، وحين بات التنسيق متوقفًا ولا مجال للخروج، حوّلت كل تفكيري إلى معبر رفح والخروج للأردن عن طريق مصر، وكلا المعبرين لم أنجح في عبورِهما".

وتضيف:" كان كل هاجسي ألا أجد خطيبي يشعر بالملل من تلك الحالة، لكن ذلك مستحيل، فالبعيد عن العين بعيد عن القلب، أظن أن ما خفت منه قد حدث".

ذات مرة وحين أخبرت نادية خطيبها بحزنٍ أن كل التنسيقات متوقفة أجابها بأن تكمل حياتها في غزّة إن شاءت وأن تنظر للموضوع بما يناسبها وما فيه مصلحتها.

تعلق:" انهرت حينها واسودّت الدنيا في عينيّ، أصبت بحالةٍ من الاكتئاب، فأنا كالمُعلّقة، أما هو فكل أصدقائه يستغربون من بقائه معي في ظل ظروف المعبر الصعبة، وينصحونه بالعودة لرشده".

ومن أقسى الكلمات على قلبها حين تخبره باستمرار الإغلاق حينما يقول لها خطيبُها:" أنا زهقت.." فيكون ردّها :"أنا شو ذنبي.. شو طالع بإيدي".

أما ياسمين بهلول ذات الست والعشرين عامًا والعالقة في مصر، فمريضة سرطان الغدة الدرقية اضطرت للخروج للعلاج في مصر بعد رفض قبول تحويلها إلى الخليل وبعد سريان المرض في رئتيها.

تروي –لشبكة نوى-:" بعد معاناةٍ تمكنت من الخروج لمصر متأخرةً، من أجل أخذ اليود المُشع، وتركت خلفي ثلاث طفلات، ويفترض أنني عدتُ لغزّة لولا إغلاق المعبر".

وتقول:" ها أنا منذ شهر ونصف عالقة في مصر، أنتظر صاحب البيت ليأخذ إيجار السكن، نفذ المال الذي جئنا به من الديون، فزوجي يعمل بالنظام اليومي، وفي ظل كورونا توقف عن العمل".

لجأت ياسمين إلى السفارة الفلسطينية في مصر فلم يتقبلها أحد، يخبرونها أن تتواصل معهم عبر الواتس، وبعد معاناة يصرفون لها 1000 جنيه أي ما يقارب 200 شيكل فقط -وفق قولها- ليزيد العناء عناء جديدًا وقهرًا، ما بين المرض والاشتياق وعدم توفر المال والأدهى لعنة إغلاق المعبر.