شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 24 يناير 2021م14:06 بتوقيت القدس

ومصانع تعيد تدويره

حصار وفقر وكورونا.. ثلاثية تُفقد الذهب بريقه بغزة

28 ديسمبر 2020 - 18:41

غزة:

يبدو سوق الذهب الأثري وسط مدينة غزة شبه خاوٍ على عروشه، فحركة البيع في مجتمع بلغت نسبة الفقر فيه 54% مثل قطاع غزة ستكون حتمًا ضعيفة.

جولة في الممر الضيق لهذا السوق التاريخي المعروف باسم "القيسارية" والذي يعود تاريخه إلى عهد المماليك، بوسعك تلمّس حالة الضجر التي يعانيها باعة الذهب الواقفين أمام محالهم الصغيرة، فطالما كانوا ذوي دخل مرتفع والآن باتوا يعانون كما يعاني كل قطاع غزة المحاصر.

"الفقر من وجهة والحصار أيضًا، واقع انعكس بكل تأكيد على باعة الذهب، فمن سيشتري في ظل هذا الوضع، ألن يَعتبر الناس التزامات البيوت الأساسية أهم!!".يقول عادل طبازة صاحب أحد محلات الذهب في السوق.

"أسعار الذهب متذبذبة صعودًا وهبوطًا تمامًا مثل حال السياسة"، هكذا شبّه طبازة الحال، لافتًا إلى أن انخفاض أسعار الدولار إلى مستويات غير معهودة حاليًا ساهم في نزول سعر الذهب أيضًا.

حركة الشراء معدومة تقريبًا-حتى إن غالبية النساء اللواتي يملكن بعض القطع يقمن ببيعها بغرض توفير قوت بيوتهن، فيما ينشط طلب المقبلين على الزواج على الذهب المصنوع محلياً في القطاع بسبب جودته العالية وسعره الأقل.

رئيس نقابة صاغة الذهب في غزة محمود عطوة، ينطبق عليه تمامًا ما يعانيه زميله طبازة، ويرجع الكساد الذي يعانيه سوق غزة أولًا إلى الحصار الذي تفرضه سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وثانيًا الكساد العالمي لسوق الذهب، فهذا الوضع تسبب في استغناء الكثيرين عن الأيدي العاملة وتدني مستويات معيشة مَن يعمل في الذهب منهم.

ويعقّب:"حتى من يشتري الذهب في غزة، يضطر بعد بضعة شهور لبيعه وهو ما زال جديدًا، بالتالي يعرضه البائع كما هو دون تعديل".

واقع الحصار، وعدم قدرة الباعة على استيراد المصاغ الجديد ولا السبائك، دفعهم إلى إعادة تدوير ما يبيعه الناس، وهو ما خفّض سعر الذهب المُباع رغم تواصل تدني الأسعار وضعف إقبال المشترين.

نادر سلمان، صاحب أحد المصانع التي تعيد تدوير الذهب يقول لنوى :"إعادة تدوير الذهب ليس جديدًا على القطاع؛ بل هو موجود منذ أربع سنوات، سواء من خلال إعادة تدوير بعض القطع المكسورة والتي تُباع للمحلات التجارية أو عن طريق سبائك الذهب المستوردة".

ويضيف إن الإغلاق الذي فُرض حديثاً بسبب جائحة كورونا وعدم القدرة على الاستيراد دفعه للعودة من جديد إلى تشغيل مصنعه معتمداً على الخبرة التي اكتسبها من دول الخارج في صناعة الذهب كالأردن وتركيا.

في زيارة إلى مصنعه وسط مدينة غزة، سترى موقد نارٍ صغير تظن للوهلة الأولى أنه مكان لحفظ المعدّات، لكن ما إن تجول بعينيك في أرجاء المكان حتى تنتبه إلى تلك المعادن اللامعة بين أيدي المحترفين والتي يتم تشكيلها لتخرج قطع حليّ فاخرة، هذا هو باختصار مصنع الذهب الذي أعاده فيروس كورونا إلى الواجهة ليسد احتياجات السوق المحلي بإعادة التدوير.

هذا هو أول مصنع يعمل على إعادة التدير معتمدًا على خمس موديلات أساسية يتداولها السوق المحلي وبجودة تضاهي المستورد، يقول سلمان، ما جعل إقبال الناس عليها جيد كونه أرخص من المستورد بسبب السعر الذي يُضاف إلى الأخير والمعروف بـ"المصنعية" الملغاة من المحلي، إلا أن بعض الزبائن يفضلون المستورد ظنًا أنه أفضل رغم أنه أعلى سعرًا.    

إلا أن مهنة إعادة تصنيع الذهب تعاني عدة معوّقات أبرزها عدم توفر المواد الخام اللازمة مثل الأسيد والسيانيد والسيانور، وعدم توفر المخارط اللازمة والأفران ذات الحرارة العالية التي يرفض الاحتلال الإسرائيلي دخولها لقطاع غزة كما يقول سلمان، فالآلات تشكّل عائقًا بسبب عدم قدرتها على تنفيذ الشكل المطلوب، إلا أن براعة الحرفي تساهم في التغلب على المشكلة.

يتفق مازن مطير مع سابقه في أن المعوّقات التي تواجه إعادة التدوير؛ لكنه يحاول خلال العمل في مصنعه التغلب على تلك المشكلات مستخدماً تقنيات بسيطة كاللحام اليدوي بدلاً من تقنية الليزر، مضيفاً أن الإغلاق بسبب جائحة كورونا أعاد الحياة لهذه المصانع والتي كان عملها محدودًا بسبب تفضيل المواطنين للمستورد.

يضيف مطير إنه بعد عملية تدوير الذهب قد ينتج بقايا تُسمى "برادة الذهب"، يتم جمعها لتدخل في مراحل متعدد من الصهر وإعادة التشكيل واللحام وتُنتج قطعة جديدة، لافتًا إلى أن إقبال المواطنين حاليًا على شراء الذهب ضعيف جدًا بسبب الوضع الاقتصادي والحصار وجائحة كورونا، وكثيرًا ما تفضّل العرائس تأجيل شراء الذهب حتى ينخفض سعره أكثر.

في قطاع غزة، يوجد نحو (45) مصنعًا للذهب، أُغلقت غالبيتها لأن الطلب لا يتجاوز 10% من المُعتاد، وما بقي منهم حاليًا قلة ممن يمتلك أصحابها رأس المال لإعادة تشغيله وتزويد السوق المحلي باحتياجاته، يقول رئيس نقابة الصاغة محمود عطوة.

ولفت عطوة تعقيبًا على إعادة تدوير الذهب محليًا إلى أن سوق الذهب في الضفة الغربية يسبق قطاع غزة قليلًا في صناعة الذهب، إلا أن الإغلاق الأخير بين أن جودة الذهب المصنوع محليًا يكاد ينافس المستورد، وأن الحل الأمثل لإنعاش السوق وتخليصه من ركوده هو تصدير الذهب المصنوع محليًا للخارج.

الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر يرى أنه في ظل تفشي فايروس كورونا أصبح هم المواطن الأول تأمين احتياجاته الأساسية من المأكل والمشرب وليس جمعيها، مما شكّل ضربة كبرى لسوق الذهب المحلي، مردفاً أن منع الاحتلال الإسرائيلي تصدير الذهب إلى الضفة الغربية كان له دور أيضاً في الكساد الحالي، وازدياد العرض الكبير للذهب في المحالات التجارية دفع التجار للتلاعب بسعر الذهب عن سعر السوق العالمي لتوفير السيولة.

ويوضح أبو قمر أن سعر الدينار مربوط بالدولار فكل (70) دولارًا يقابها (100) دينار مما سبب مشكلة أخرى لتجّار الذهب، فاضطروا لتعويض تلك الخسارة من خلال رفع قيمة الذهب عن السعر العالمي لـ (4.76) بدلًا من (4.50)، مرجعاً مشكلة التلاعب بالأسعار لغياب دور سلطة النقد التي تقتصر وظيفتها على الدور التشريعي فقط دون ممارسة الدور الآخر من قِبل مباحث التموين والمتمثل بمراقبة السوق المحلي وفرض التعامل بسعر الشاشة العالمي.

ويضيف أبو قمر إن قطاع غزة منطقة صغيرة وشبه منعزلة عن العالم مما شجّع كبار التجار على فرض سيطرتهم على السوق المحلي والتلاعب بأسعار الذهب والعملات، مؤكدًا أن جودة الذهب المحلي تقدمت في السنوات الماضية، وهي تنافس المستورد من الخليج وتركيا، وإعادة التدوير محلياً ساهمت في توفير سعر المصنعية، ما جعل الذهب متوفر بجودة عالية وسعر أقلّ.

مصنع إعادة تدوير الذهب