شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 16 يناير 2021م08:23 بتوقيت القدس

أفضل شخصية نسوية لعام 2020

د.أبو دقة تحكي عن النضال والعودة والعمل النسوي

09 يناير 2021 - 17:09

خانيونس:

"اللقب كان بالنسبة لي مفاجأة أفخر بها فقد جاء من الجزائر بلد المليون شهيد، وأعتبره تكريم لنضال كل امرأة فلسطينية"، بهذه الكلمات عبّرت المناضلة الفلسطينية د.مريم أبو دقة عن سعادتها بحصولها على لقب أفضل شخصية نسوية عربية لعام 2020 من الاتحاد النسائي الجزائري.

في التفاصيل توضح إنها دُعيت للمشاركة في ندوة دولية للاتحاد النسائي الجزائري حول "الثورة الجزائرية ودور المرأة" عبر تطبيق زوم، بمشاركة نسويات من دول عربية وأجنبية وخلالها تم تكريمها بالإضافة إلى سيدة فلسطينية أخرى من القاهرة.

تضيف أبو دقة:"هذا الوسام يحمّلني مسؤولية أكبر في الاتجاه العربي والدولي ومن الجيد الانتباه لنضالات النساء محليًا وعربيًا وهو مقدّر شعبيًا بالتأكيد"، وبعيدًا عن أي انتماء حزبي؛ فإن مشاركة المرأة الفلسطينية يجب أن تظلّ مفخرة لنا جميعًا.

التكريم جاء تتويجًا لمجمل مساهمات الدكتورة أبو دقة في العمال الفدائي والاجتماعي خلال تاريخها النضالي الممتدة على مدار 50 عامًا، وهي مناسبة للحديث عن أبرز محطات حياتها.

وُلدت مريم أبو دقة عام 1952م في بلدة عبسان أقصى شرق محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، بعد أربعة أعوام من النكبة، لتفتح عيونها على وطن سليب وقضية وطنية معقدّة، ما شكّل دافعًا للانخراط في العمل الوطني منذ كانت في الصف الثالث الإعدادي.

وتحكي عن بداياتها:"كان عملنا الفدائي في بدايته صعبًا على الجميع، يتوجّب علينا محاربة الاحتلال وتقاليد لا تقبل مشاركة الفتيات وكان علينا أن نتحمّل وزر المرحلة، ومن تخوضه لا تجني حينها سلطة ولا مال بل إنها تدفع الثمن من هدم المنازل والاعتقالات والإبعاد وكل هذا عشته، وأعتبره وسام على صدري، ثم العودة بعد ثلاثين عامًا والبدء من جديد ولكن في أرض الوطن".

كانت من أوائل من خاضوا العمل الفدائي حين التحقت بمجموعات جيفارا غزة محمد الأسود ضمن مجموعاته العسكرية، واعتقلت أثناء امتحانات المرحلة الإعدادية عام 1968، بعد عام من سقوط قطاع غزة في قبضة الاحتلال الإسرائيلي فيما بات يُعرف "بعام النكسة".

تضيف :"مارست النضال العسكري منذ بدايته كفدائية صغيرة عام 1968 واعتقلت بعدها بعام في سجن صغير بعبسان وتم توجيه خمس تهم لي من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وأُبعدت عن الوطن وأنا بعمر 17 عامًا لم أشاهد أمي سوى بعدها بــ25 عامًا".

تعود بذاكرتها إلى ذلك الحين عندما سألها المحقق الإسرائيلي "كم عملية نفذتِ" فردّت عليه ساخرة :"أي عمليات، أنا لم أدخل أي مستشفى".

تجربة الاعتقال بكل قسوتها قوّتها وصلّبت عودها منذ الصغر خاصة وأن مَثلها الأعلى حينها كانت المناضلتين الأسيرتين فاطمة برناوي وعبلة طه، لتأتي تجربة الإبعاد مأساة أخرى تضاف إلى الصبية التي لم تخطو مرحلة الشباب بعد.

في الأردن، كانت المحطة الثانية للعمل الفدائي عقب تلقّيها العديد من الدورات العسكرية وتقلّدها المناصب حتى أصبحت قائد فصيل في الجبهة الشعبية لتحرر فلسطين، لاحقًا سافرت إلى عدة دول ناضلت من أجل القضية من خلالها، وانخرطت في العمل الطلابي ثم النقابي.

تكمل: "حملت القضية النسوية أيضًا، فقد شاركت في تأسيس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، وجعلت أطروحة الماجستير التي حصلت عليها من بلغاريا حول تطور الوعي السياسي للمرأة الفلسطينية منذ عام 1970-1990 وحصلت على الدكتوراه من ذات الجامعة كمنحة بسبب تميّز رسالة الماجستير، وكانت حول تحرر المرأة والعادات والتقاليد في الثقافة العربية، ولاحقًا حصلت على عضوية شرف من الاتحاد النسائي البلغاري تكريمًا للدور الذي أقوم به".

التجربة الأصعب بالنسبة لها كانت التواصل مع أهلها في قطاع غزة، فهم تعرّضوا للاعتقال من قبل الاحتلال الإسرائيلي وتم هدم منزلهم، أما محاولة الاتصال بهم فكانت أصعب المهام، فوسائل الاتصال لم تكن متاحة كما هو الآن والهاتف لا يتوفر في كل بيت.

"مهما تحدّثت عن هذه المرحلة لن يكون كافيًا، عشرون عامًا بالتمام والكمال كي أتمكن من إجراء أول اتصال مع والدتي، كل محاولات كانت تفشل، أما إمكانية نقل والدتي إلى بيت به هاتف فكانت مغامرة، فمجرد ذكر اسمي يعرّض أهل البيت للاعتقال"، تقول.

حينها كان الاحتلال ما زال يتواجد في قطاع غزة ويسيطر على كل مكان فيه، كانت تحتاج للتنسيق بين عام وعامين كي تصل إلى أي شخص في الخارج ينقل رسالة شفوية لأهلها، وعليه ادعاء أنه جاء لخِطبة إحدى فتيات البيت، فمعرفة أنه قادم من طرفها هي تهمة من وجهة نظر الاحتلال الإسرائيلي.

تكمل :"تمكّنت من إجراء أول اتصال مع أمي أيام حرب الخليج أي بعد عشرين عامًا من الإبعاد، لم تعرف صوتي وكان هذا مؤلم بالنسبة لي، ولكني أوفيت ندرًا كنت قد قطعته أنني عندما أكلمها وتعرفني سوف أرقص في الشارع، وحينها كانت معي مترجمة بلغارية وانهارت بالبكاء حين رأت المشهد".

بعد خمس سنوات من الاتصال التقت د.مريم بوالدتها للمرة الأولى، كان ذلك في القاهرة حين خرجت والدتها بحجة العلاج، واحتاجت لأسبوعين من البحث عنها، لكن تعقّب بألم :"لم تعرفني في البداية، 25 عامًا كانت كافية ليتغير شكلي تمامًا، خضت فيها معارك عسكرية ونضال اجتماعي، تغيّرت، حتمًا تغيّرت، وهي أيضًا كبرت وظهرت عليها علامات العُمر، أما شقيقاتي اللواتي تركتهن طفلات فكانوا معها في السيارة ولم أعرفن، كانت ملامحهن صغيرة جدًا والآن هنّ أمامي بعمر الثلاثينات".

تجارب حفرت في نفسها الكثير، وحين عادت إلى فلسطين في التسعينات بموجب تصريح زيارة وكان عليها المغادرة، لكنها رفضت الخروج وأصرت على البقاء تحت خوف عدم قدرتها الحصول على هوية فلسطينية فهي كانت ممنوعة أمنيًا، ولكن حصلت على عضوية المجلس الوطني ولاحقًا أصبح لديها هوية.

إلا أن طريق النضال وإن تغيرت آلياته يظلّ منهجًا، فهي من المعارضة الوطنية التي لطالما حملت النقد اللاذع واللسان الواضح الصريح، تقول :"بوصلتي مصلحة الشعب والفقراء وهم رصيدي في هذا الكون، أن أنتقد لا يعني أنني لا أحبهم بل أريد لهم أن يكونوا أفضل"، تكمل :"أنا لا أعرف الطبطبة على الخطأ، ولا أنتقد الإنسان شخصيًا، أنا أنتقد فعله وسلوكه فقط، صحيح للنقد ثمن وأن قبلت بهذا".

قبل حدوث الانقسام الفلسطيني كانت أول من قرأت المشهد وسعت للوقوف في وجه المناوشات التي كانت تحدث في الشارع بين الحزبين الكبيرين الذين تسببا لاحقًا في الانقسام، أسست حراك فلسطين أكبر من الجميع وأقامت خيمة اعتصام في ساحة الجندي المجهول قبالة المجلس التشريعي الفلسطيني، ولكن كان ما كان من انقسام.

تقول :"تمنيت لو استمعوا لي حينها لما وصلنا إلى هذا الحال، أعتز بأنني أول من رفعت شعار فلسطين أكبر من الجميع، أنا عملت وسوف أستمر في إعادة بناء الثقافة الوطنية بعيدًا عن حصة كل طرف، فلسطين هي حصتنا جميعًا والاحتلال حين يستهدفنا لا يميّز".

لاحقًا، أسست جمعية الدراسات النسوية، وعلى رأس أولوياتها تقديم الرعاية للمناضلات القديمات وتمكين النساء الفقيرات، تقول :"حزنت حين عدت وسألت على مناضلات خاضوا مرحلة العمل الفدائي الأولى فوجدتهنّ متقدمات في العمل ولا يهتم بهن أحد، ما تقدمه الجمعية هو نوع من الحماية لهن وإعادة الاعتبار لمراحل النضال الأولى".

أما رسالة الجمعية وهدفها فهو تقديم العون للنساء الفقيرات والمهمشات، ففي بلدنا الفقر مؤنث،  تضيف:"نحن مرتاحون لإعادة بناء نساء يحاول المجتمع تحطيمهن نتيجة الاحتلال والحصار والانقسام أيضًا، فالمرأة القوية تعني وطن قوي، وتمكين النساء هو مفتاح لدفعهن للمشاركة السياسية، فشريكة النضال يجب أن تكون شريكة أيضًا في القرار".

وعزت ضعف المشاركة السياسية للنساء إلى أنه :" في مرحلة الهبوط والهزائم، فالنساء هن الحلقة الأضعف اللواتي يتم الاستقواء عليهن لذلك نركّز على دعم النساء لندعم المجتمع وهذا انحياز لفكرة العدالة الاجتماعية".

وترى المخرج من حالة الترهّل السياسي التي نعيشها عبر تنفيذ قرارات المجلسين الوطني والمركزي ومخرجات اجتماع الأمناء العامون للفصائل الفلسطينية، فمنظمة التحرير هي الهدف بالنهاية، إلا أنها وعلى مستوى العمل المجتمعي تطمح إلى مواصلة دعم وتمكين النساء وإقرار القوانين التي تضمن العدالة الاجتماعية وتحديدًا قانون حماية الأسرة والقرار 1325 وهو ما تسعى للعمل عليه في المرحلة الحالية.