شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 04 اعسطس 2021م02:34 بتوقيت القدس

تراجع في الحريات وإمعانٌ في الانتهاكات

2020 والمشهد الإعلامي.. كِماماتٌ "للكلمة" بمعيّة "كورونا"

30 ديسمبر 2020 - 13:59

شبكة نوى- فلسطينيات:

بعد عامٍ من العمل مع صحيفةٍ عربية كمراسل "فري لانسر"، فوجئ أحمد حسين وهو اسم مستعار لصحفي من قطاع غزة -فضل عدم ذكر اسمه- بقرار الاستغناء عنه، هو ومجموعة من المتعاونين مع الصحيفة، بسبب الأزمة المالية التي تمر بها، نتيجة تداعيات انتشار فايروس "كورونا".

يقول حسين: "رغم عملي في الصحيفة بنظام القطعة، إلا أنني كنت منتظمًا فيه، واجتهدتُ كثيرًا، أملًا في أن أحصل على عقد عمل ثابت"، إلا أن أزمة الجائحة التي انتشرت في العالم مطلع العام الجاري، بددت كل أحلامه، ففقد على إثرها الدخل شبه الثابت، الذي يعتمد عليه في تأمين احتياجات أسرته المعيشية داخل قطاع غزة.

رغم تفهّم أحمد لحقيقة الأزمة المالية التي تمر بها الصحيفة، إلا أنه كان يتوقع أن يتم تخفيض راتبه مثلًا، "لا أن يتم الاستغناء عنه بهذا الشكل الفج والصادم" وفق وصفه.

ورغم تفهم أحمد لحقيقة الأزمة المالية التي تمر بها الصحيفة، إلا أنه كان يتوقع أن يتم تخفيض راتبه مثلًا، "لا أن يتم الاستغناء عنه بهذا الشكل الفج والصادم" وفق وصفه.

حسين واحد من عشرات الصحفيين والصحفيات، لا سيما العاملين بشكل حر، الذين فقدوا مصادر دخلهم، أو تم تخفيض أجورهم نتيجة تعرض مؤسساتهم للإغلاق، أو لتقليص الميزانيات والمصروفات، جراء الأزمة المالية التي رافقت فترات الإغلاق منذ تفشي المرض.

وبرغم أن الإعلامية آيات عبد الله، بالكاد حصلت على فرصة عمل كمسؤولة علاقات عامة في إحدى مؤسسات رام الله، إلا أن المخاوف يوميًا تطاردها، وهي تتحرك من مكان سكنها في إحدى قرى مدينة نابلس إلى مقر عملها في المدينة المذكورة.

تقول لـ"نوى": "أداوم على مدار الأسبوع في فترة الإغلاق المتقطع، ولكنني ألاقي معاناةً مضاعفة، بسبب قلة وسائل المواصلات، وصدقًا، لا أستطيع بالراتب الذي أحصل عليه، الانتقال للسكن في المدينة حيث أعمل".

اضطرت آيات، للعمل في إذاعةٍ محلية كعملٍ إضافي، نظرًا لمحدودية الدخل الذي تحصله كل نهاية شهر، أضف إلى ذلك معايشتها القلق النفسي مع ارتفاع أعداد الإصابات بكورونا، وخشيتها من الإصابة بطريقةٍ أو بأخرى.

تضيف: "أحيانًا، أُفكّر في ترك العمل، ثم أتراجع بسبب احتياجي الكبير للدخل، نتيجة الظروف الصعبة التي نعيشها في الضفة الغربية"، متابعةً بقولها: "آمل أن ينتهي كابوس الفايروس بسرعة، وأن لا نفقد أحبةً أو أهلًا بسببه".

عدا عن فقد عددٍ كبير من الصحفيين لوظائفهم، وتقليص أجورهم، يعاني العديد منهم من ضغوطٍ نفسية، سواءً في مقرات العمل، أو وسط ظروف العمل من البيت وفقًا لما فرضته الجائحة.

الأمان الصحي، والنفسي، والوظيفي، ثالوث القلق الذي أصاب الصحفيات والصحفيين في ظل الجائحة، فعدا عن فقد عددٍ كبير منهم لوظائفهم، وتقليص أجورهم، يعاني العديد منهم من ضغوطٍ نفسيةٍ كبيرة، سواءً في مقرات العمل بمؤسساتهم، أو وسط ظروف العمل من البيت وفقًا لما فرضته الجائحة.

على الصحفيات تضاعفت الأعباء بشكل أكبر، وهذا ما أظهرته نتائج استطلاع رأي، أجرته مؤسسة "فلسطينيات"، ونشرت نتائجه في مؤتمرها "الإعلاميات يتحدثن" بنسخته الخامسة، الذي عُقِدَ في تشرين أول/ أكتوبر الماضي، حيث أن أكثر ﻣﻦ (60%) ﻣﻦ اﻟﺼﺤﻔﻴﺎت اﻟﻔﻠسطينيات ﺗﺄﺛﺮ دﺧﻠﻬﻦَّ اﻟﻤﺎﻟﻲ ﺳﻠﺒًﺎ ﺑﺴﺒﺐ ﺗﺪاﻋﻴﺎت ﻛﻮروﻧﺎ، فيما أبلغت ﻧﺤﻮ ( %35) ﻣﻨﻬﻦ، ﺑﻮﻗﻒ عملهن ﺑﺸﻜﻞ داﺋﻢ أو ﻣﺆﻗﺖ ﺧﻼل اﻟﺠﺎﺋﺤﺔ، فيما قالت نحو (68%): إنهن تعرضن لضغوطٍ نفسية، بسبب زيادة أعباء العمل من البيت، خلال فترة الإغلاق والطوارئ.

أكثر ﻣﻦ (60%) ﻣﻦ اﻟﺼﺤﻔﻴﺎت اﻟﻔﻠسطينيات ﺗﺄﺛﺮ دﺧﻠﻬﻦَّ اﻟﻤﺎﻟﻲ ﺳﻠﺒًﺎ ﺑﺴﺒﺐ ﺗﺪاﻋﻴﺎت ﻛﻮروﻧﺎ، فيما أبلغت ﻧﺤﻮ ( %35) ﻣﻨﻬﻦ، ﺑﻮﻗﻒ عملهن ﺑﺸﻜﻞ داﺋﻢ أو ﻣﺆﻗﺖ ﺧﻼل اﻟﺠﺎﺋﺤﺔ.

تلك النتائج التقت مع دراساتٍ أُخرى، أجرِيَت في عدد من الدول العربية والشرق الأوسط، ومنها دراسة أولية أجرتها مؤسسة "وان ايفرا" ضمن برنامج (النساء في الأخبار)، أظهرت أن (97%) من العاملات في مجال الإعلام، تأثرت حياتهن المهنية بشكل سلبي بسبب جائحة "كورونا".

"فايروس كورونا" كان أبرز ملامح العام 2020م، ليس فلسطينيًا فقط، وإنما على مستوى العالم، حين تصدر عناوين نشرات الأخبار، ومانشتات المواقع الإخبارية، حتى الآن، ودونما انقطاع، حتى رسم مشهدًا مختلفًا للتغطية الإعلامية في فلسطين، لخصت تفاصيله الإعلامية شيرين أبو عاقلة، في مقالها المنشور بموقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية خلال شهر يوليو الماضي، حين قالت: "كانت عشرات القصص تمر في ذهني كصحافية، اعتدت أن أكون في مركز الحدث أو في أقرب نقطة، لكنني صرت مجبرةً على المرور على بعضها سريعًا، وهذا لا يلبّي شغفي كصحافية لا تهمها المعلومة الخبرية فحسب، بل تسعى وراء تداعياتها على الإنسان أيضًا، في الوقت ذاته، كان هامش الحركة محدودًا، بما يضمن أمان الطاقم الصحافي".

أزمة كورونا وما رافقها من فرض حالة طوارئ وإجراءات، وضعت وسائل الإعلام الفلسطينية -حسب الصحفي غازي بني عودة- أمام تهديدين رئيسيين، الأول "مادي"، ويتعلق بقدرتها على الاستمرار، والثاني متصل بتعددية وسائل الإعلام، التي قد تؤدي المصاعب المالية الجدّية التي باتت تواجهها إلى إفلاسها وإغلاقها.

معظم وسائل الإعلام وتحديدا المستقلة –الخاصة، تعتمد في تمويلها على الإعلانات، لكن بسبب الإغلاق، أقدمت الشركات المعلنة على تجميد ما كانت تنشره من إعلانات.

"خاصة وأن معظم وسائل الإعلام وتحديدا المستقلة –الخاصة، تعتمد في تمويلها على الإعلانات، التي تقلصت، وربما اختفت بسبب الإغلاق، حيث أقدمت الشركات المعلنة على تجميد ما كانت تنشره من إعلانات أو أوقفتها" يضيف.

ويضرب بني عودة مثالًا، ما أشار إليه المدير التنفيذي لشبكة أجيال الإعلامية وليد نصار، في تقريرٍ أعده لمركز "مدى"، قال فيه "إن 42 معلنًا من أصل 64، سحبوا إعلاناتهم أو أوقفوها خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى، التي أعقبت إعلان حالة الطوارئ والإجراءات التي صاحبتها"، متابعًا بقوله: "هذا في الوقت الذي أكد فيه ايهاب الجريري، مدير عام إذاعة 24 أف أم -ومقرها مدينة رام الله - أن دخل الإذاعة هبط إلى نحو %60".

ورغم أن عام 2020م، كان استثنائيًا جراء تفشي الفايروس، إلا أن انتهاكات الاحتلال بحق الصحفيين والصحفيات لم تتوقف، بل كانت هذه فرصة استغلها الاحتلال للتنكيل بالصحفيين أكثر، وهو ما أكده تقرير لجنة دعم الصحفيين، المتخصصة في مراقبة الحريات الإعلامية، والانتهاكات الإسرائيلية في فلسطين.

الاحتلال ارتكب أكثر من 400 اعتداءً بحق الصحفيين خلال عام 2020م، تنوعت ما بين استهداف مباشر بالرصاص، والقنابل السامة، والضرب، والاعتقال، والمنع من التغطية، وإغلاق المؤسسات الإعلامية.

يشير التقرير، إلى أن الاحتلال ارتكب أكثر من 400 اعتداءً بحق الصحفيين خلال عام 2020م، تنوعت ما بين الاستهداف المباشر بالرصاص، والقنابل السامة، والضرب، والاعتقال، والمنع من التغطية، وإغلاق المؤسسات الإعلامية، ومحاربة المحتوى الفلسطيني على مواقع التواصل الاجتماعي، عدا عن التهديد ومداهمة منازل الصحفيين، وتحطيم معداتهم، والتنكيل بهم، وتعذيبهم خلال التحقيق معهم في سجون الاحتلال، حيث ارتفع عددهم إلى 26 صحفيًا حُكم على بعضهم بالسجن الفعلي لعدة سنوات، وعلى آخرين منهم بالاعتقال الإداري إلى "إشعارٍ آخر".

أما على الصعيد الفلسطيني، فقد استغلت الاجهزها لامنيه في قطاع غزة والضفة الغربية على حد سواء، حالة الطوارئ التي أعلنت في فلسطين مطلع آذار/ مارس الماضي، مع بداية تفشي الفايروس، واستمرت الانتهاكات التي طالت حرية الرأي والتعبير والحقوق الرقمية، رغم إقرار مراكز تُعنى بالحريات الإعلامية بانخفاضها عن الأعوام السابقة.

وقد رصد المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية "مدى"، خلال النصف الأول من العام 2020م، نحو (47) انتهاكًا ارتكبتها جهات فلسطينية مختلفة في الضفة وقطاع غزة، عازيًا ما أسماه "التراجع في عددها" إلى حالة الشلل شبه التام، التي سادت الأراضي الفلسطينية بسبب الإغلاق الذي فرض ضمن إجراءات مكافحة "كورونا" منذ مطلع مارس.

وثقت مؤسسات حقوقية، استدعاء الأجهزة الأمنية بالضفة والقطاع، واحتجاز، وتوقيف، العشرات من النشطاء ومن بينهم صحفيين على خلفية "النشر والتعبير وتداول المعلومات"

كما وثقت مؤسسات حقوقية، استدعاء الأجهزة الأمنية بالضفة والقطاع، واحتجاز، وتوقيف، العشرات من النشطاء ومن بينهم صحفيين على خلفية "النشر والتعبير وتداول المعلومات أو انتقادهم للأداء الرسمي عبر منشورات على صفحات التواصل الاجتماعي".

وعلى المستوى الدولي تراجع تصنيف فلسطين في المؤشرات العالمية، فأصبحت في المرتبة (137)، بمؤشر حرية الصحافة للعام 2020م، بسبب تراجع الحريات فيها. وهي بالمناسبة نفس المرتبة التي صُنِّفَت بها العام الماضي.

أما مهنيًا، فقد تراجع الدور المهني للصحفي الفلسطيني في نقل المعلومات، حيث انتشرت الشائعات والأخبار الكاذبة في بداية ظهور الجائحة، ما أدى إلى حالة من التخبط في التغطية، كما هو الحال في العالم الذي يتعامل لأول مرة مع وضعٍ كوضع "كورونا".

وفي فلسطين على وجه الخصوص، حيث تغيب الصحافة الصحية المتخصصة، أثرت الجائحة على أولويات التغطيات الإعلامية، فكانت الرواية الرسمية تتصدر وسائل الإعلام، وغابت خلال النصف الأول من العام التغطيات للعديد من القضايا، إذ خصص الإعلام الجزء الأكبر من مساحاته لنقل تبعات المرض، ونقل الأخبار الرسمية، ونجح في الدعاية لاتباع إجراءات الوقاية، كالتباعد الاجتماعي، وحظر الاختلاط واتباع القواعد الصحية عند الدخول والخروج من المنزل.

أمّا على صعيد التحقيقات، والقصص الصحافية المكتوبة والمصورة، التي تفسر ما يحدث، فكانت محدودةً أو ربما غائبة، ولا تتناسب مع التفاعل والتعاضد المجتمعي والتطوع والدعم، ولا مع معاناة الناس الذين انقطعت موارد عيشهم، ولا مع جيش العاطلين عن العمل، وخصوصًا في قطاع غزة.

على صعيد التحقيقات، والقصص الصحافية المكتوبة والمصورة، فكانت محدودةً أو ربما غائبة، ولا تتناسب مع التفاعل المجتمعي والتطوع والدعم، ولا مع معاناة الناس الذين انقطعت موارد عيشهم.

كما غيبت الجائحة التغطيات للقضايا السياسية والمجتمعية، رغم زيادة منسوب العنف ضد النساء بشكلٍ مضاعف –على سبيل المثال- جيث رصدت تقارير صحفية تسجيل ما يزيد على (30) حالة قتلٍ للنساء، خلال العام الحالي في فلسطين، خاصة في ظل الإجراءات التي أقرتها الحكومة الفلسطينية للتعامل مع فايروس "كورونا"، التي تسببت بارتفاع البطالة، وزيادة نسبة الفقر، وحرمان النساء من العمل.

تداعيات "كورونا" انعكست سلبًا كذلك، على كافة الجهود التي بذلها العاملون في المجال الصحفي، بالتعاون مع الكتل والأطر الصحفية، والمؤسسات الصحفية المعنية، وعلى رأسها "فلسطينيات"، لإصلاح أوضاع نقابة الصحفيين خلال العام 2019م.

ورغم امتداد الجهود مع بداية عام 2020م، لتوحيد النقابة، ودفعها لممارسة العملية الديمقراطية المتمثلة في انتخابات مجلس إدارتها، لتصبح مخوّلةً بأداء دورها كدرع حماية للصحافيين الذين لا يجدون من يدافع عن حقوقهم، وفق ما أكدته صحافياتٍ شاركن في استطلاع "فلسطينيات" من أولئك اللاتي تعرضن لانتهاكاتٍ في حقوقهن الصحفية والمالية، بسبب حالة الطوارئ.

وأرجعت الصحفيات المشاركات في الاستطلاع، عدم تقديم شكاوى للنقابة، لعدم ثقتهن بها، نتيجة تراجع دورها النقابي كما ذكرن، ما يعني ضرورة وضع ملف إصلاح نقابة الصحفيين على أجندة العام المقبل، دون تلكّؤ أو تجاهل، مع الأخذ بعين الاعتبار، التحولات المهمة التي نتجت عن الجائحة على المستوى الوظيفي والمهني والنفسي، لا سيما في ظل مطالباتٍ متزايدة بالعمل على تأسيس صناديق مالية، لدعم الصحفيات والصحفيين، وتفعيل أنظمةٍ للتأمينات الاجتماعية، والدعم النفسي والمهني.

"ينتظر المؤسسات الإعلامية الفلسطينية مستقبلًا قاسيًا، حيث باتت العديد منها، مهددة بالإغلاق، أو بتقليصٍ حاد في أعمالها، وطواقمها، أو رواتبهم، إذا لم تجد المساندة التي تُمكّنها من الاستمرار".

عودة إلى الصحفي غازي بني عودة، الذي أعرب عن "عدم تفاؤله" بمستقبل الصحافة الفلسطينية في ظل أزمة "كورونا"، بناءً على معطيات الواقع، ويقول: "ينتظر المؤسسات الإعلامية الفلسطينية مستقبلًا قاسيًا، حيث باتت العديد منها، مهددة بالإغلاق، أو بتقليصٍ حاد في أعمالها، وطواقمها، أو رواتبهم، إذا لم تجد المساندة التي تُمكّنها من الاستمرار".

ويشير إلى أن خروج تلك الوسائل من المشهد، سينعكس على المحتوى الإعلامي المقدم للجمهور الفلسطيني، ويضرب التعددية الإعلامية في فلسطين، ما يعني غياب المساءلة والنقد عن أجندة وسائل الإعلام، وترسيخ اللون الواحد (الرسمي) للإعلام، الأمر الذي ينذر (والحديث له) بتقييدٍ أكبر للحريات الإعلامية، وحرمان الجمهور من حقه في المعرفة والمشاركة والتأثير في القضايا والسياسات العامة.

كاريكاتـــــير