شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 25 اكتوبر 2021م23:05 بتوقيت القدس

4 شهداء و(700) مريض وإهمال وتعذيب..

الأسرى 2020م.. و"زائرٌ ثقيلٌ" يقتحم الزنازين الرطبة

24 ديسمبر 2020 - 11:55

غزة:

منشورٌ صغير، لخّص مشاعر تلك "النخزة" التي ما فتئت تضرب عصب القلب، في صدر كل أم أسير تنتظر تاريخ اللقاء. قالت فيه والدة الأسيرة الفلسطينية شروق دويات: "7/10/2031م، تاريخٌ مؤلم، وقت تحكيه بيحكولك هانت، يا ترى راح ييجي هاليوم وأنا على قيد الحياة؟".

الصبية المقدسية التي قضت محكمة الاحتلال بسجنها 16 عامًا حينما كانت تبلغ السابعة عشرة فقط، ستخرج لأمها في ذلك التاريخ بعمر (34 عامًا)، بعد أن توقف الزمن في زنزانةٍ رطبة، لا أتمّت فيها عهد الطفولة، ولا عاشت عمر الشباب.

شروق، هي واحدةٌ من 42 أسيرة فلسطينية، هنَّ جزء من 5000 آلاف أسير، بينهم 200 طفلٍ وطفلة، "وهذا العدد لا يشمل أولئك الذين يعتقلون ويفرج عنهم بشكل شبه يومي في الضفة الغربية والقدس".

عام 2020م، كان قاسيًا حتى الثمالة، على أسرى وأسيرات فلسطين، إذ فقدت الحركة الأسيرة خلاله أربعة شهداء نتيجة سياسة الإهمال الطبي، عوضًا عن جائحة فايروس "كورونا"، الذي بلغ عدد الإصابات به بين الأسرى 120 إصابة، كانت إحداها –في تموز- لكمال أبو وعر (46 عامًا)، الذي كان مصابًا بسرطان الحلق، فاستشهد على إثر ذلك بعد معاناةٍ من مضاعفات المرض في تشرين ثاني/ نوفمبر المنصرم.

أبو وعر المعتقل منذ عام 2003م، ويقضي حكمًا بالسجن 6 مؤبدات، كان يمني نفسه بالإفراج عنه يومًا في إحدى صفقات التبادل، إلا أنه لم يكن يعلم أنه سيصبح الشهيد رقم (266) في تاريخ الحركة الأسيرة منذ عام 1967م.

نور الدين جبر (23 عامًا) من رام الله، أيضًا، استشهد قبل أبو وعر في نيسان/ أبريل الماضي، نتيجة فقدانه الوعي في حمام غرفته بسجن النقب، ومماطلة إدارة السجون في نقله إلى المستشفى.

لاحقًا، تبعه نحو السماء الأسير سعدي الغرابلي (75عامًا)، المعتقل منذ عام 1994م، وهو من حي الشجاعية في قطاع غزة، في حين كان سبتمبر موعدًا آخر للفقد داخل سجون الاحتلال، عندما فقدت الحركة الأسيرة (داوود الخطيب).

الأسير الخطيب (45 عامًا) الذي ترجع أصوله إلى مدينة بيت لحم، فارق الحياة نتيجة جلطة قلبية، إذ كان يعاني من مرض القلب، وسبق أن أجريت له عملية جراحية عام 2017م، وأيضًا عانى هو الآخر من سياسة الإهمال الطبي، لا سيما في ظل تفشي الجائحة.

قضية الإهمال الطبي، كانت حديث أسرى محررين في حواراتٍ سابقة أجرتها معهم "نوى"، حين فتح ارتقاء عدد منهم جروحًا عميقةً في النفس، دفعتهم إلى الصدح بصوت المغيبين خلف القضبان، وحقوقهم التي يمعن الاحتلال في سلبها أكثر فأكثر.

اقرأ/ي أيضًا: الإهمال الطبي بحق الأسرى جريمة الاحتلال الكاملة

إياد الجرجاوي الذي أصيب بالسرطان داخل سجون الاحتلال، وتم الإفراج عنه في آيار/ مايو لعام 2020م، ذلك بعد انتهاء محكوميته البالغة 9 سنوات، قال: "الإهمال الطبي هو سياسة متبّعة، خاصة بالنسبة لأصحاب الأحكام العالية، مثل كمال أبو وعر، الذي خضع لعدة جلسات علاج كيماوي، عقب الضجة الإعلامية التي ثارت حوله قبل ثلاث سنوات".

أما المحرر إبراهيم البيطار، الذي عانى من نفس السياسة، أضاف: "حين يذهب الأسير إلى عيادة السجن، يهمل الطبيب هناك تشخيصه، بل يتركه حتى يستفحل فيه المرض، فيتحول إلى مرض مزمن، مبينًا أنه (الأسير) إذا احتاج مضادًا حيويًا –وهذا أقل الأمثلة- يعطيه جرعةً أقل من المطلوبة، فمهمة العلاج هناك "إبقاء الأسير حيًا، وليعاني ما يعاني" وفق تعبيره.

قبل ثلاثة أعوام، عانى البيطار –الذي أفرج عنه في آذار/مارس 2020م- من التهابٍ في الأمعاء، وظلّ لعامين يطالب مصلحة السجون بالعلاج، حتى أثيرت ضجة إعلامية، اضطرت بعدها لعلاجه.

ويقول: "كل الأسرى يعانون إما من أمراض بسيطة أو مزمنة، وغالبيتهم لديهم أمراض باطنية بسبب ظروف الاعتقال غير الصحية داخل الغرف الصغيرة المزدحمة"، ملفتًا إلى حجم الضرر النفسي الذي يقع على عاتق أهالي الأسرى نتيجة غياب المعلومات عن الحالة الصحية لأبنائهم داخل سجون الاحتلال "وهنا لا بد من ضغط مؤسسات حقوق الإنسان، باتجاه إدخال طواقم طبية مخصصة لفحص الأسرى بشكلٍ دوري".

وفقًا لتقديرات وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا"، بلغَ عدد الأسرى المرضى نحو (700) أسير، بينهم (314) ممن يعانون أمراضًا خطيرة، مثل السرطان، والقلب، والسكري، وأمراض الأوعية الدموية، والكلى وغيرها.

95% يتعرضون للتعذيب

وللتعذيب في سجون الاحتلال قصةٌ أخرى، تروي فصولها الأسيرة المحررة ميس أبو غوش، التي خرجت لتتنفس الحرية في الثلاثين من تشرين ثاني/ نوفمبر الماضي، بعد قضائها 15 شهرًا خلف القضبان، عانت خلالها مرارة التعذيب الجسدي والنفسي في مركز تحقيق "المسكوبية" بالقدس المحتلة.

وتحكي ميس كيف كانت السجانة تتلذذ بتعذيبها: "قالت لي: رح نعملك عرس هون، لأنك مش رح تتزوجي، رح تطلعي مشلولة أو مجنونة".

اقرأ/ي أيضًا: الأسيرة ميس أبو غوش تعاني جراء التعذيب والإهمال الطبي

وفي المعتقل، تعرضت على مدار ثلاثة أيامٍ للشبح على الحائط، وعلى طريقة الموزة، والقرفصاء، وهي معصوبة العينين بقطعة سوداء، لم ترفعها السجانة إلا لصفعها على خدها الأيسر، بدلًا من الأيمن، ناهيك عن الشتائم والألفاظ المهينة.

وعانت ميس من الضرب القاسي، والتهديد بالإبعاد عن الجامعة واعتقال أفراد أسرتها، ولاحقًا اعتقال شقيقها تنفيذًا للتهديد، "ولم يتوقف التحقيق العسكري، حتى بسبب معاناتها من الدورة الشهرية، والآلام الشديدة التي أصابتها في الرحم والظهر".

أبو غوش، حملت وهي تودّع صاحبات الأسر والعذاب، رسائل على ألسنتهن قلن فيها: "إنهن يتعرضن لتعذيبٍ وتحقيقٍ قاسٍ، وظروف اعتقال سيئة (..) التحقيق مثلًا يجري في غرفٍ تدخُلُها مياه الصرف الصحي، ذات جدران أسمنتية خشنة".

وفي اليوم العالمي لمناهضة التعذيب الموافق 26 حزيران/ يونيو من كل عام، أصدر نادي الأسير الفلسطيني بيانًا، قال فيه: "إن 95% من الأسرى الفلسطينيين، يتعرضون للتعذيب منذ لحظة اعتقالهم، وقس على ذلك طوال فترة التحقيق".

ويشمل مصطلح "التعذيب"، كل ما يتعرضون له خلال التحقيق، بالإضافة إلى السياسات التنكيلية داخل السجون، وأبرزها العزل الانفرادي، والاحتجاز في ظروف قاسية غير صحية، وعمليات القمع الممنهجة، ونقلهم من السجون عبر ما تسمى "البوسطة" التي تشكّل رحل عذاب أخرى، والقتل البطيء عبر الإهمال الطبي.

أما فترة التحقيق، فخلالها يُكثف المحققون التعذيب الجسدي والنفسي، لإجبار الأسرى على الإدلاء باعترافات معينة، وأبرز الوسائل المتبعة: الحرمان من النوم عبر جلسات تحقيق تصل إلى 20 ساعة، وشد القيود لمنع الدورة الدموية من الوصول إلى اليدين، وتغطية الوجه بكيسٍ ذو رائحة نتنة، والشبح والضرب والصفع المتواصل، والإساءات اللفظية، والركل والإذلال.

كورونا

نعود إلى "كورونا"، فحتى يومنا هذا، أصيب نحو 120 أسيرًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي بالفايروس بسبب تقصير مصلحة السجون في توفير الإجراءات الوقائية، ومستلزمات الوقاية والحماية، ورفع المناعة.

هذا ما حدث مع الأسير المحرر نور الدين صرصور، ابن مدينة رام الله بالضفة الغربية، الذي اعتقلته قوات الاحتلال في آذار/ مارس لأيامٍ فقط، ثم أفرجت عنه فجأة، بعد اكتشافها انتقال عدوى الفايروس له، "ودون أن يبلغوه بذلك"!

اقرأ/ي أيضًا:  المحرر "صرصور".. هكذا يُضحّي الاحتلال بحياة الأسرى

في يوم الأسير الفلسطيني 17/4 من عام 2020م، شارك نور الدين في موجةٍ مفتوحة لفضائيات فلسطينية، قال خلالها: "السرعة في إجراءات الإفراج عني أثارت شكوكي واستغرابي، لقد اتخذوا كافة التدابير الوقائية المشددة أثناء تعاملهم معي".

الشاب الذي خضع لتحقيقٍ قاسٍ، توقّع أن تطول فترة اعتقاله، لكنه خرج بعد ثلاثة أيامٍ فقط "ودون أي تعليق"، متهمًا سلطات الاحتلال بتعمد ذلك، ليخالط أكبر عددٍ من الأسرى بأريحية، وأهله كذلك بعد أن يتحرر.

مصلحة السجون الإسرائيلية منعت ذوي الأسرى من زيارتهم بحجة كورونا، وعانى الأسرى كذلك من نقص في الاحتياجات الغذائية المتوفرة لدى الكانتين في السجون "المقصف" ونقص في الملابس والأغطية واحتياجات الوقاية.

وفي مقابلةٍ مع "نوى"، حذرت أماني سراحنة، الناطقة الإعلامية باسم نادي الأسير، من خطورةٍ متفاقمة، ما زال يتعرضُ لها الأسرى داخل سجون الاحتلال، لا سيما وأن إدارة مصلحة السجون تحصر الرواية في عدد الإصابات وحسب، بالتزامن مع إهمالها تزويد الأسرى بالمعقمات والأغذية التي تعزز المناعة.

فالاحتلال -وفقًا لسراحنة- بات يستخدم "كورونا"، كأحد أشكال التعذيب بحق الأسرى، للضغط عليهم وترهيبهم، "وحتى مراكز الحجر، هي في الحقيقية زنازين غير صحية، وبينما يهمل الاحتلال الإجراءات الوقائية، تستمر إجراءات القمع والاقتحامات المختلفة" تقول.

الأسير الفلسطيني المحرر رامي عنبر، عايَشَ التجربة هناك. رأى النور هذا العام بعد 18 عامًا في سجون الاحتلال، وشهد على الإهمال الطبي في عام "كورونا".

يقول: "أي إجراءاتٍ تُتخذُ في السجن، لا يمكن أن تكون كافية للوقاية، فالتنقلات بين السجون تتم بشكل مستمر، وأغلب الأسرى الجدد وتحديدًا في عوفر، يختلطون بالأسرى السابقين، وهذا تسبب في إصاباتٍ كثيرة"، مؤكدًا افتقار السجون بالمعظم إلى المعقمات، ومواد التنظيف، والكمامات، "ما يتم توزيعه هو قطعة قماش وحيدة لا تحمي من شيء".

الإضراب عن الطعام

إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام في سجون الاحتلال، واحدة من القضايا التي عادت إلى الواجهة عام 2020م، إثر الإضراب الذي خاضه الأسير الفلسطيني ماهر الأخرس (49 عامًا) مدة 103 أيام، رفضًا لاعتقاله الإداري، ومطالبةً بالحرية الفورية.

اقرأ/ي أيضًا:إضراب الأسرى.. جِياع الحرية زادُهم "أمل"

لاحقًا، انضم إليه نحو 30 أسيرًا متضامنًا، حتى تم الإفراج عنه، ليعود الحديث عن واحدةٍ من أقسى الوسائل النضالية، التي تخوضها الحركة الأسيرة، رفضًا لانتهاكاتٍ يتعرضون لها تصيب حقوقهم الإنسانية في مقتل.

"هي تجربةٌ تأكل الروح والجسد، آلامٌ على مدار الساعة، والمعاناة بسببها تستمر لسنوات"، تقول الأسيرة الفلسطينية المحررة هناء شلبي لـ "نوى" واصفةً تجربة الإضراب عن الطعام، تلك التي خاضتها داخل سجون الاحتلال لمدة 47 يومًا عام 2012م، "إلا أنها خطوة نضالية في وجه الاحتلال للضغط من أجل تحقيق مطالب مشروعة" تستدرك.

وتصف التجربة بالقول: "مرّ اليوم الأول دون مشاكل، كأنه صيام عادي مع بعض الصداع، ولكن الإغماءات المتكررة بدأت مع اليوم الثاني مباشرة، رافقها صداعٌ شديد، وآلامٌ في الجسد".

يومًا بعد يوم، يزداد الألم وتزداد الأعراض صعوبة –وفقًا لشلبي- جفاف الحلق والشفاه حتى مع شرب المياه، ناهيك عن الضغط النفسي الذي يمارسه الاحتلال، من خلال مواصلة التحقيق والتعذيب، وصولًا إلى آلام الأسنان والمعدة والصدر، مع صعوبةٍ في التنفس، وآلامٍ شديدة في المعدة، وفي العظام، وعدم القدرة على المشي، وضعفٍ في التركيز، والذاكرة، والإبصار، والسمع، وتساقطٍ في الشَّعر.

تضيف: "كنت أشعر بأن جسدي غير قادر على حملي، فقدان القدرة على المشي يبدأ مع الأسبوع الأول، بالإضافة إلى انخفاضٍ سريعٍ في الوزن، فقدت 15 كيلو في أول أسبوعين، ثم أصبح فقدان الوزن أبطأ، لأن الجسم فقد كل مقومات قدرته"، موضحةً أنها عندما بدأت الإضراب، كان وزنها يبلغ 72 كيلوجرامًا، هبط إلى 45 كيلوجرامًا مع انتهائه.

ما زاد الوضع قسوة، هو انتهاكات الاحتلال أثناء مرحلة الإضراب، فتجد جنوده يتعمّدون وضع الطعام ذا الرائحة القوية، مثل اللحوم المشوية والحمضيات بالقرب من سرير الأسير المضرب.

"الرائحة مؤذية جدًا، ليس فقط كونها تستفز شعوره بالجوع، بل لأنها تدفعه للتقيؤ بينما المعدة فارغة، فيصبح هذا الشعور معاناة إضافية، تزيد من الآلام الناتجة عن تعرض الأسير المضرب للضرب أثناء التحقيق" تكمل.

أما عملية فك الإضراب، فهي أقسى من الإضراب ذاته –تقول شلبي- فجسدُ الأسير لا يتقبل الطعام الذي انقطع عنه لعشرات الأيام، بهذه السهولة التي يمكن تخيلها.

وتكمل: "صحيحٌ أنه تمت الاستجابة لمطالبي بالتحرر، لكنني ما زلت أعاني حتى الآن من وضعٍ صحيٍ ونفسيٍ سيء نتيجة هذه التجربة"، بل إنها تتلقى –حتى اليوم- علاجًا لهشاشة العظام والمعدة والأمعاء، والصداع أحيانًا، وتساقط الشعر، ومشكلاتٍ في البصر، والذاكرة، والتركيز.

لعل هذا الحصاد، لما مر به الأسرى خلال عام "الوباء"، بمعية ما لاقوه من ظلم الاحتلال وسياساته اللا إنسانية، يبقى توثيقًا للتاريخ، ووصمةً تدلُّ على كل الساكتين عن "كلمة حق" تجاه من تذوب أيام عمرهم قهرًا ومرضًا وتعذيبًا وإهمالًا، خلف قضبان المحتل.

صورة لقطعة قماش قدمها الاحتلال للأسرى بدلًا عن الكمامة

اخبار ذات صلة