شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 28 يوليو 2021م22:59 بتوقيت القدس

ضعف التمويل قصة أخرى..

"جمعية كبار السن".. متنفّسُ الضِّيق تخنُقُهُ "كورونا"

19 ديسمبر 2020 - 19:44

غزة:

تبدو السبعينية أم أشرف البحطيطي في غاية الأسى، وهي تتحدث إلى "نوى" عن آخر نشاطٍ شاركت فيه داخل "جمعية كبار السن" بمدينة غزة، قبل تفشي فايروس "كورونا" داخل المجتمع، أواخر آب/ أغسطس الماضي.

تقول: "كنتُ في غاية السعادة وأنا أشارك زميلاتي في إعداد وجبات الطعام لمجموعةٍ من المسنين والمسنات هناك، كان نشاطًا ترفيهيًا أكثر من رائع، تبادلنا الحديث، وضحكنا، وأفشى كل واحدٍ منا همّه للآخر"، مستدركة: "بسبب الجائحة، توقفت الكثير من أنشطة الجمعية، أفتقد كثيرًا تلك الأيام، لقد كانت متنفسًا واسعًا لكل الضيق الذين نشعر به نحن كبار السن، والمتقاعدين عن العمل".

وجمعية كبار السن في مدينة غزة، نشأت تحت اسم (جمعية المسنين والعجزة)، وكانت إحدى أنشطة جمعيةٍ أخرى توفر بعض الدعم لها، لكنها الآن تحمل اسم "جمعية كبار السن"، لكنها تعاني من عدم وجود مشاريع خاصة، وتمول أنشطتها من خلال تبرعات محلية من مقتدرين، وبمبالغ محدودة.

بحماسةٍ، عادت الجدة تتحدث عن الأنشطة التي كانت الجمعية تنفذها، فتقول: "هي بيتنا الثاني، هنا نلتقي، نتبادل الأحاديث، ونحضر جلسات التثقيف، ونخرج في رحلات ترفيهية واجتماعية".

تضيف أم أشرف: "كان ينقصنا فيها وجود طبيبٍ يتابع أوضاعنا الصحية، خاصةً وأن غالبيتنا يعانون أمراضًا، كما نتمنى لو توفرت فيها الأدوية، وبدلات المواصلات، كون الغالبية منا لا يعملون".

تعاني أم أشرف كما الكثيرين والكثيرات من كبار السن، من أمراض الضغط، والرماتايد، والتهابات المفاصل، إضافةً إلى أنها واحدة من جريحات انتفاضة عام 1987م، وتحتاج إلى عدة أدوية، وهي تدرك تمامًا أهمية المتابعة الطبية لكبار السن.

يوافقها رأيها في الجمعية، الحاج أبو خليل النفار (75 عامًا)، ويؤكد أن مكانة الجمعية في قلبه كبيرة، كونه يتردد عليها منذ نحو 5 سنوات، "فمجرد التقائنا بمن هم في مثل أعمارنا، يشحننا بالطاقة والحيوية، هنا نتبادل جميعًا الأحاديث، ونستعيد ذكريات الماضي" يقول.

ووفقًا للنفار، هذه اللقاءات، ساهمت في استعادة العديد من المسنين لنشاطهم الحركي والعقلي، من خلال تبادل الخبرات والتجارب، وسرد الحكايا، والمشاركة في الأنشطة المختلفة، مستدركًا بالقول: "لكن ضيق المكان، وحاجته للصيانة، كان يسبب لنا أزمة، فكبار السن غالبيتهم يستخدمون العكاكيز، أو وسائل مساعدة أخرى، ومن الضروري أن يكون المكان مريحًا لنفسيتهم وحركتهم".

يشعر أبو خليل اليوم بالنقمة على "كورونا"، كونها أوصدت في وجهه المتنفس الذي كان ينطلق فيه إلى الحياة برفقة أصدقائه المسنين الملتحقين معه بها، يعلق بالقول: "تلقينا جلسةً تثقيفيةً حول الفايروس وكيفية الوقاية منه، ولكن بعد ذلك توقفت الأنشطة حتى الآن، نحن بانتظار أي اتصال آخر".

فاطمة أبو عمارة واحدة من النساء اللواتي شهدوا بداية نشأة الجمعية وتطورها، تقول لـ "نوى": "تعاني الجمعية الكثير من النقص في سد احتياجات كبار السن بسبب عدم وجود التمويل، وهذا ينعكس على الفئة المستهدفة، خاصةً بعد أن ازدادت أعدادهم، واحتياجاتهم".

أبو عمارة، هي ناظرة مدرسة، نصحتها بناتها للتوجه نحو العمل المجتمعي حين تقاعدت، فانضمت إلى جمعية كبار السن عام 2008م، وهناك بدأت كمشارِكة، ثم سرعان ما باشرت بإعطاء محاضرات تثقيفية ودينية، وعمل مسابقات وفعاليات تنشيطية، تمامًا كما كانت تفعل أيام المدرسة.

حينها –والحديث لأم عبد الله- كانت الجمعية تتبع لجمعية أخرى، وبعد توقف الدعم والانتقال إلى المقر الجديد، أصبح على الإدارة الجديدة للجمعية، البحث الدائم عن متبرعين، "توالى المدراء والمديرات في محاولة لحل الأزمة المالية، لكن دون جدوى" تضيف.

وتكمل: "كان عدد الملتحقين بالجمعية لا يزيد عن 40 مسنًا ومسنة، لكن العدد أخذ بالزيادة حتى تجاوز الـ (540) شخصًا، كلهم لديهم احتياجات صحية واجتماعية ونفسية، منهم من يتردد على الجمعية للمشاركة في الأنشطة، ومنهم من يسجل اسمه بغرض الحصول على بعض المساعدات الصحية، حسب وضعه الصحي".

ترجع ملكية المقر الحالي للجمعية، لسيدة متوفاة اسمها سعاد الأعظمي، تركته وقفًا لكبار السن، إلا أن القائمين عليها، يدفعون ما يقارب 5000 دولار شهريًا، يتم جمعها من متبرعين وشخصيات، "لكن يبقى الأهم بالنسبة لكبار السن، هو وجود داعمين يقدمون لهم هذه الاحتياجات، من خلال مشاريع".

المديرة التنفيذية الحالية للجمعية نادية الهشيم، حضرت إلى الجمعية في يومٍ ماطرٍ بهدف الاطمئنان على المكان، وإنجاز بعض المهمات ومقابلة "نوى" أيضًا، تبدو شديدة النشاط وهي تعرّف بزوايا المقر "هنا غرفة الاجتماعات، هنا قاعة التدريب والمحاضرات، وهنا قاعة تعليم الكبار، ودروس محو الأمية".

تقول السيدة نادية: "نطمح أن نقدّم كل الخدمات لكبار السن، لكن شحّ التبرعات جعل ما نقدمه فعليًا، هو بعض الأنشطة، والوجبات، والكراسي المتحركة، والبامبرز، وأكياس البول، فهي مهمة ولازمة للكبار، الذين نوصل بعضها إلى بيوتهم بأنفسنا".

للأسف المشاريع متوقفة حاليًا، حسب الهشيم، "حتى حين نتقدم بمشاريع إلى مؤسسات خارجية، يأتينا الرد بما معناه أنهم يستهدفون كبار السن من خلال العائلة" تتابع، مردفةً بالقول: "بينما احتياجات الكبار كثيرة، ومختلفة، خاصةً في قطاع غزة، ولهذا بقينا مهمشين لولا بعض التبرعات المحلية".

قبل عام 2012م، كان الوضع الاقتصادي في قطاع غزة أفضل، وحجم التبرعات كبيرًا –تؤكد الهشيم- والجمعية ضمّت حينها طابقًا للمبيت، تم إغلاقه بعد توقّف الدعم، وتحويله إلى مكان لتنفيذ أنشطة داخلية وخارجية متفرقة، "أما الأكثر توفّرًا حاليًا هي الأنشطة الترفيهية، بفعل شراكة الجمعية مع جامعات ومبادرات ومتطوعين، ممن ينفذون أنشطة هنا".

الارتباط بين كبار السن والمكان روحي، هم يأتون إلى الجمعية للحديث والالتقاء، يحبّون الاستماع للراديو، وكثيرًا ما يختلفون في الرأي، ثم يسارعون بعمل "براد الشاي" وشربه تحت شجرة، يتعاملون مع المكان كنادٍ، يحبّون إعداد الطعام بأنفسهم واختيار أصنافه، ويفرحون حين يتطوعون ببعض المهام، مثل تسجيل الأسماء، وتحضير الكشوفات، أما الجمعية فتترك لهم حرية ممارسة ما يحبّون.

قبل ثلاث سنوات، سعَت الجمعية لإعداد مشروع قانون "رعاية كبار السن" على غرار فئاتٍ أخرى، وقد تم عقد العديد من الاجتماعات مع جهات مختلفة، بحضور كبار السن أنفسهم، ورُفع القانون إلى وزارة التنمية الاجتماعية في رام الله، وهناك توقف.

لكن يبقى الطموح والهدف الأساسي للجمعية، وفق المديرة التنفيذية، هو تلبية كافة احتياجات كبار السن في قطاع غزة، فلا يشعرون بحاجتهم إلى أحد، "ومن المهم وجود مشاريع تخصهم وحدهم، وتأخذ كافة احتياجاتهم المباشرة بالحسبان" تختم.