شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 24 يناير 2021م15:09 بتوقيت القدس

معلّقات وبلا نفقة

كورونا تظلم النساء حتى في أروقة العدالة

25 نوفمبر 2020 - 10:49

غزة- ماجدة البلبيسي:

"لأكثر من عامين وأنا معلّقة لا أعرف نفسي متزوجة أم مطلّقة، مرة يقول طلّقني ومرات يقول لا، عامان وأنا أدور في المحاكم الشرعية من أجل النفقة، مرة يدفع ويتهرّب مرارًا، هكذا تمضي أيامي تحرق معها دمي وروحي".

بهذه الجملة لخّصت السيدة عايدة- اسم مستعار- التي لم تغادر العقد الثالث من عمرها بعد حكايتها مع المحاكم الشرعية، بعد أن استحالت الحياة مع زوجها نتيجة تدخّلات أسرته، لتأتي كورونا وتزيد الطين بلّة.

كوّرت كفيها وسحبت نفسًا عميقًا وتنهّدت شهيقًا وزفيرًا ثم قالت "يا رب"، وربتت على رأس طفليها ثم تسرد قصتها التي بدأت قبل خمس سنوات حين تزوجت من رجلٍ أحبا بعضهما وعاشت معه في بيت عائلته.

وتكمل: "سكنت مع عائلته الممتدة وصبرت على ضنك المعيشة، أنجبت طفلين، أهملنا، وطالما تركنا دون أبسط مقومات الحياة، كان يتناول الطعام عند أهله ويترك لنا الفتات رغم أن أسرته ميسورة الحال".

يعمل زوج عايدة سائقًا، تحمّلت هذا الحال كثيرًا وراجعته مرارًا، بل وكانت تُقابل باللوم كلما واجهته بمطالبها العادية جدًا، لم تتحمل أكثر، فحملت طفليها وذهبت إلى بيت ذويها رغم صعوبة الوضع المعيشي لوالديها المصابين بأمراض مزمنة وشقيقها الذي يعمل بالمياومة بينما أطفالها يحتاجون الكثير.

عايدة:طوال عامين لم أحظ بالنفقة إلا ثلاث مرات؛ رغم وجود قضية مرفوعة في المحكمة، متذرّعًا بأنه لا يعمل

تضيف: "طوال عامين لم أحظ بالنفقة إلا ثلاث مرات؛ رغم وجود قضية مرفوعة في المحكمة، متذرّعًا بأنه لا يعمل، وما هي إلا فترة حتى تزوج بأخرى، ثم جاءت جائحة كورونا وتعثّر عمل المحاكم طوق نجاة له كي يتهرّب أكثر وأعاني الأمرّين وأنا أطالب حقوقي الشرعية، حتى كسوة أطفاله لا يوفرها".

حالها لا يختلف عن الشابة ريهام – اسم مستعار- من حيث التنصّل من المسؤولية الأسرة وعدم الاكتراث، ولكن هذه المرة مع زوج يعمل في قطاعات مختلفة.

تقول ريهام: "تزوجنا قبل عشر سنوات وقدمت له كل الرعاية والاهتمام والحب، بعت مصاغي من أجله، ولم أتلقَ منه سوى الإهمال والعنف، لم أشعر يومًا بأن من يعاملني رجل ائتمنته على قلبي ومستقبلي، أنجبنا خمسة أطفال دفعوا ثمن إهماله لم يحظوا منه بحب ولا رعاية".

ريهام:صبرت على خيانته وإقامته لعلاقات وشاهدت ذلك بعيني وتغاضيت من أجل أبنائي 

دموعها سبقت كلماتها وهي تجاهد من أجل البوح بما يشتعل في قلبها، تسأل نفسها: "ما الذنب الذي ارتكبته كي يلقي بي بعد سنوات من رعايته و"خدمة" أهله الذين طالما حرضوه عليّ، صبرت على خيانته وإقامته لعلاقات وشاهدت ذلك بعيني وتغاضيت من أجل أبنائي معزّية نفسي بأن حاله سينصلح مستقبلًا".

قبل عدة شهور طردها من البيت بعد أن صفعها وهددها بالزواج من أخرى، ومنذ ذلك الحين لم تحظَ برؤية أطفالها الأربعة، حيث بقيت الرضيعة معها، رفعت قضية نفقة، ثم جاءت الجائحة ولم يُنفذ الحكم.

تقول بحسرة بينما تحاول التماسك: "تدخل كثيرون للإصلاح لكنه يرفض ويصرّ على إذلالي ولا أعرف ما السبب، سمعت أنه عقد قرانه على أخرى، وما زلت أتردد على المحامية كي أحصل على حقي في مشاهدة أطفالي ونفقتي أنا وطفلتي".

قصتان من بين مئات القصص التي تتردد يوميًا على المحاكم الفلسطينية في قطاع غزة، تروي وجعًا مضاعفًا للنساء اللواتي تتزايد ضدهن ظاهرة العنف الأسري، وباتت تضجّ بها أدراج المؤسسات الحقوقية والنسوية خاصة بعد جائحة كورونا التي عصفت أيضًا بحقوقهن الشرعية وأعاقت وصولهن للعدالة، فكما أن طول أمد التقاضي هو ظاهرة موجودة؛ فإن جائحة كورونا وتعثّر عمل المحاكم التي تعمل حاليًا بنصف طاقتها أخّرت حتى الحقوق الاعتيادية للنساء.

التتر:المحاكم في قطاع غزة تعمل بنصف طاقتها منذ بدء جائحة كورونا نتيجة حالة الطوارئ والإجراءات الوقائية

"بالفعل، المحاكم في قطاع غزة تعمل بنصف طاقتها منذ بدء جائحة كورونا نتيجة حالة الطوارئ والإجراءات الوقائية، خشية انتشار الفيروس والعدوى بسبب الازدحام داخل المحاكم"، يقول القاضي الشرعي في محكمة الشجاعية د. عاطف التتر.

فالجائحة أثّرت على عمل المحاكم بشكل كبير، لكن قضايا النفقة والمشاهدة ما زال النظر فيها جارٍ حتى الآن وفقًا للتتر، ولكن تم إيقاف العمل بقضايا التفريق، فالمحكمة لا تستقبل يوميًا سوى ما بين 10-15 قضية، أي نصف العدد المعتاد، وهذا ما أحدث التكدّس في عدد القضايا التي أخذت حكمًا ولم يتم تطبيق الإجراءات التنفيذية نتيجة هذا الوضع.

ويؤكد التتر أن حقوق النساء محفوظة ولن تضيع، فالقضاء يدرك الضرر النفسي الواقع على النساء المعلقات نتيجة طول أمد التقاضي والبطء في التنفيذ، مضيفًا:" نعمل في حدود ما يفرضه علينا الواقع في ظل الجائحة".

البابا:هناك زيادة في عدد القضايا المرفوعة لدى العيادة القانونية مقارنة بالعام السابق

"لكن رغم ذلك هناك زيادة في عدد القضايا المرفوعة لدى العيادة القانونية مقارنة بالعام السابق"، تقول المحامية في مركز شؤون المرأة سهير البابا، حيث وصلت إلى (759) قضية جرى تنفيذ (200) منها فقط.

تضيف البابا إن جائحة كورونا أثّرت سلبًا على سرعة إنجاز القضايا، وهناك صعوبات في التنفيذ، وأرجعت ذلك إلى تأخير تبليغ المُدّعى عليهم من قبل المبلّغين، عدا عن الفارق الزمني الطويل بين عقد جلسة وأخرى ويصل لأسبوعين، إضافة إلى أن الموظف الموكل بالتبليغ في المحاكم الشرعية يقوم بتأجيل القضايا نتيجة لتكدّسها.

كما أن لإغلاق محكمة الشيخ رضوان عشرة أيام أثر سلبي على القضايا المرفوعة للتنفيذ والتي كانت على وشك أخذ الحكم، ليتم تأجيلها والبدء من جديد بتحديث التبليغات، ناهيك عن تقليص العمل لثلاثة أيام فقط أسبوعياً، وهذا أثّر سلبًا على حقوق النساء ووصولهن للعدالة وضاعف معاناتهن النفسية والاجتماعية.

يُشار إلى أن نسبة الزواج وصلت خلال العام الماضي 2019 الى 17270 حالة مقابل 3261 حالة طلاق، بنسبة 17.9% وفقًا لبيانات المجلس الأعلى للقضاء الشرعي.

وكان المجلس أعلن على صفحته الالكترونية استقبال المواطنين/ات في المحاكم الشرعية بدءًا من 24 تشرين ثاني الجاري، وتقديم طلبات الكترونية لحجز موعد لإنجاز المعاملات من خلال تعبئة النماذج، في خطوة لتخفيف الضغط على المحاكم وعملًا بإجراءات السلامة.