شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 16 يناير 2021م07:32 بتوقيت القدس

ركامها بعمر الحرب

شتاء قاتم في بيوت لم تكتمل بعد

23 نوفمبر 2020 - 18:32

خانيونس:

"حلّ فصل الشتاء مرة أخرى ولم يعيدوا إعمار بيوتنا التي تغرق بمياه الأمطار، هل يشعر أي مسؤول بما نعانيه بسبب الرطوبة وبقايا البيت المدمّر، هل يشعرون بخصوصيتنا المفقودة كنساء حيث نعيش كل هذا الوقت في بيت مشترك".

بهذه الكلمات الغاضبة استهلت السيدة إيمان البغدادي من مخيم البريج وسط قطاع غزة حديثها لنوى شاكية من تأخّر إعادة إعمار بيوتهم، رغم مرور 6 سنوات على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والتي قتل الاحتلال فيها أكثر من ألفي مواطنة ومواطن، ودمّر 147 ألف منزل، منها 70 ألفًا أضرار جزئية.

منزل إيمان -وهي أم لخمسة أبناء- كان واحدًا من البيوت التي تضررت بشكل بالغ، عقب الحرب قدّرت وكالة الغوث الأضرار ووعدت بالتعويض، ولجأ زوجها للاقتراض من أجل بناء ما يستطيع السكن فيه ولو مؤقتًا، مرت السنوات فلا الديون تسددت ولا التعويض أتى، وبات الزوج ملاحق للمدينين.

وتشتكي السيدة من الخصوصية المفقودة بسبب هذا الوضع، فهي الآن تعيش في الطابق الأرضي المشترك بعد أن كانت وحدها في الطابق العلوي، ولكل ابن من أبنائها غرفة خاصة تستطيع ترتيب وتنظيف البيت بشكل مريح، لكن الآن كل شيء مختلف.

تتهم إيمان الوكالة بالازدواجية والإهمال، بحقهم، فالضرر الذي لحق بعائلتها ليس ماديًا ونفسيًا واجتماعيًا فقط، بل حتى صحيًا، فالرطوبة الشديدة في الطابق العلوي تسببت في إصابتها بأزمة صدرية تتكلف أدوية شهرية قيمتها 300 شكيلًا لا تساهم الوكالة ولو بجزء بسيط منه.

إيمان: أكثر ما أعانيه صعوبة تنظيف المكان الذي تحوّل إلى مأوى للحشرات بعد أن تعفّنت الأغطية وتلف الأثاث

تقول :"لأننا لا نتلقى كوبونات من الوكالة؛ يعتبرونا غير مستحقين لأي مساعدة أخرى سواء صحية أو حتى تكلفة شادر نايلون نغطي فيه الطابق العلوي شتاءً، أكثر ما أعانيه صعوبة تنظيف المكان الذي تحوّل إلى مأوى للحشرات بعد أن تعفّنت الأغطية وتلف الأثاث، وكان خياري الوحيد هو المكوث هنا مع أبنائي وابنتي وزوجها في الطابق الأرضي".

فصل الشتاء الذي طالما أحبته لما ترى فيه من الخير بات مشكلة بالنسبة لها، ففيه تكثر معاناتها بسبب الطابق الذي ما زال مدمرًا، وبسبب ماس كهربائي نتيجة الركام، اضطرت مؤخرًا لفصل الكهرباء عنه.

تحكي إيمان بمرارة حسرتها على ضياع منزلها الذي عاشت فيه 15 عامًا، عقب معاناة استمرت 12 عامًا منذ زوجها وهي تعيش بالإيجار وتدّخر من راتب زوجها بغية شراء منزل يضمها وأسرتها، فهي جاهدت وناضلت حتى أنها كانت تساعد العمال في رفع الحجارة وأشرفت على كل جزء في البيت عند بنائه، إلا أن شقى العمر ضاع في لحظات.

زوجها أحمد البغدادي وهو موظف حكومي لا يتلقى سوى 25% من راتبه بسبب الخصومات المفروضة على الرواتب منذ ثلاثة سنوات ونصف، لهذا لم يعد بمقدوره متابعه الإنفاق على إعمار بيته.

يقول أحمد :"منذ 6 سنوات وأنا مع باقي أصحاب المنازل المدمرة نتابع مع وكالة الغوث، ولا جديد، عمّرنا بيوتنا بالديون وها نحن نعاني كلما جاء أصحاب الديون يطالبون بحقوقهم، وبت ملاحقًا بالكمبيالات والوكالات ما زالت تماطل".

أحمد:عمّرنا بيوتنا بالديون وها نحن نعاني كلما جاء أصحاب الديون يطالبون بحقوقهم

ويشتكي أحمد – وهو صحفي- من صعوبة فصل الشتاء عليهم، ففي كل عام يعانون دخول مياه الأمطار إلى الطابق الأرضي بسبب الدمار في الطابق العلوي، فيضطر إلى تغطيته "بشادر" من النايلون تكلفته 200 شيكل لا تتدخل وكالة الغوث حتى بهذه المساعدة البسيطة.

صباح اليوم، نظم العشرات من أصحاب المنازل المدمرة اعتصامًا في مدرسة خزاعة للبنين في بلدة خزاعة شرق محافظة خانيونس جنوب قطاع غزة، وهم يصرّون هذه المرّة على مواصلة الاعتصام حتى تستجيب وكالة الغوث لمطالبهم بعد سلسلة من الفعاليات تم تنظيمها خلال السنوات الماضية.

ناصر حمد، هو أحد المتضررين المحتجين، يقول :"حين قيّموا الأضرار بعد الحرب أخبروني أنهم خلال 20 يومًا سيرسلوا رسائل بالتعويضات، مرّت السنوات وما زلنا ننتظر، وكلما راجعناهم يقولون اصبروا".

ويحكي حمد معاناته مع تجار اشترى منهم الحديد والاسمنت وبعض المفروشات الضرورية، كلها ديون ما زالت تلاحقه، وقّع على كمبيالات بقيمة 20 ألف دولار يسددها عند التعويض، وهو مبلغ يفوق قدرة شخص يعمل بالمياومة، فما العمل!.

يضيف:"في الشتاء معاناتنا أصعب، فأنا لم أعد بناء بيتي بالكامل، بل أغلقت ما يكفي لستر عائلتي، أنا وزوجتي وأبنائي وبناتي، ما عاد بإمكاننا الصبر أكثر على البرد والاستعانة بالشوادر والنايلون كما كل عام لا تكفي لإغلاق آثار الدمار، فإلى متى".

إلى جواره يقف الستيني ناجي قديح الذي أثقل همه مواصلة ملاحقة أصحاب الديون له، فالرجل الذي أعاد إعمار أجزاء بسيطة من بيته كلفته 7000 شيكل، لا هي سترت البيت ولا تركته بلا ديون.

قديح:في الشتاء نعاني دخول المياه حتى نصف البيت، لا راحة لنا في الشتاء بسبب المطر والبرد الشديد

يقول:"هذا المبلغ فقط لتشطيب غرفتين من أجل البنات، أما البيت فما زلت أغطيه بالقماش والنايلون والستائر، وفي الشتاء نعاني دخول المياه حتى نصف البيت، لا راحة لنا في الشتاء بسبب المطر والبرد الشديد، ولا قدرة لزوجتي على الاهتمام بالبيت في ظل استمرار وضعه نصف مبنيّ".

يكمل:"أستخدم النايلون لمنع دخول الأمطار إلى البيت، ولكن لم يعد كافيًا، أنا رجل كبير أعاني وزوجتي أمراض مزمنة، فلا أنا أستطيع تحمّل البرد ولا قدرة لي على الإيجار".

منسق أعمال لجنة متضرري حرب 2014 في قطاع غزة صلاح النجار هو أيضًا أحد المتضررين، يقول إن الوكالة تماطل منذ 6 سنوات، والاعتصام داخل المدرسة مستمر حتى تحقيق مطالبنا العادلة.

فصل الشتاء تزداد فيه معاناة أصحاب المنازل المدمرة، فالمياه تدخل حتى نصف بيوتهم التي لم يُعاد إعمارها ويستعينون بالنايلون الذي لا يقيهم البرد ولا المطر ولا يحفظ خصوصية، يقول النجار، فإلى متى الصمت على ما يعانوه، حتى من اقترض منهم بات ملاحقًا بأوامر الحبس.

توقفت فعاليات اللجنة خلال الفترة الماضية بسبب حالة الطوارئ وأزمة كورونا، إلا أن التواصل مع الوكالة ظل مستمرًا عبر الهاتف كما يقول النجار، فهناك 55 ألف منزل مدمر جزئيًا لم يعاد إعماره، بينهم 50 ألفًا مبالغهم أقلّ من 5000دولار، وكل القضية تحلها 70 مليون دولار، فهل عجزت عنها وكالة الغوث.!

المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا عدنان أبو حسنة يقول لنوى إن أونروا تعاني ضائقة مالية حتى إنها لديها أزمة في دفع رواتب موظفيها وهي لم تتلقَ حتى الآن أي تمويل متعلق بإعادة الإعمار رغم أنها تقدمت للمانحين بالعديد من المشاريع سواء للتدمير البسيط أو الجزئي.

أبو حسنة:الدول المانحة وبسبب أزمة كورونا باتت تنكفئ على نفسها وتركز على أوضاعها الداخلية، ناهيك عن تعدد الملفات المهمة في المنطقة

ويضيف إن ما نحتاجه هو 70 مليون دولار لإنهاء هذا الملف، لكن هذا يتوقّف على تبرعات المانحين، فحجم ما تلقته من تبرعات هذا العام هو الأقل منذ عام 2012، حيث هو أقل من العام الماضي بمبلغ 70 ميلون دولار، وأقل من عام 2018 بمبلغ 300 مليون دولار.

فالدول المانحة وبسبب أزمة كورونا باتت تنكفئ على نفسها وتركز على أوضاعها الداخلية، ناهيك عن تعدد الملفات المهمة في المنطقة وخاصة ملف اللاجئين في سوريا والعراق واليمن، يقول أبو حسنة.

لكن برنامج الطوارئ ليس أساسيًا بالنسبة للوكالة التي تضع في مقدمة عملها برنامجي التعليم والصحة، ولكن حال وصول تبرعات لصندوق الطوارئ سيتم توزيعها على المتضررين فورًا، معربًا عن أمله أن يتحسن الحال بعد وصول الإدارة الأمريكية الجديدة.

اعتصام بعض المتضررين في مدرسة خزاعة صباح اليوم

منزل المواطن أحمد البغدادي في البريج والذي تعرض لضرر بالغ وتبدو آثار القصف ظاهرة

المواطن ناجي قديح، الصور نقلًا عن فيديو لمؤسسة حقوقية