شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 26 نوفمبر 2020م06:21 بتوقيت القدس

تعمل فنية مختبر

آلاء فتحي: ارتجفت عندما أعلنت أول عيّنة مصابة بالكورونا

16 نوفمبر 2020 - 19:09

 رام الله:

"كنت أعتقد أنها حالة طارئة لشهر أو شهرين ثم نعود إلى حياتنا المعتادة، لكن ها نحن ندخل الشهر العاشر ولم أستطع التكيّف ويبدو أن القادم أسوأ"، تقول آلاء فتحي فنية المختبر في وزارة الصحة الفلسطينية؛ والتي انقلبت حياتها تمامًا إثر انتشار فيروس كورونا في فلسطين.

تعمل آلاء فتحي "29 عامًا"، في مختبرات فحص الكورونا بوزارة الصحة الفلسطينية في مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، هي أول من قرأت كلمة "positive"" إيجابي" عند تسجيل أول إصابة بكورونا في فلسطين في الرابع من آذار/مارس الفائت، والتي كانت من ضمن عينات المصابين في فندق " آنجل" بمدينة بيت لحم من المخالطين للوفد السياحي اليوناني الذي تبين إصابة أحد أفراده بعد عودته من فلسطين.

خوف الاقتراب من المختبر أو حتى العاملين فيه يمكنك أن تشعره ببساطة من ردّة فعل المحيطين، لدى سؤالنا موظفة عن مكان المختبر لمقابلة آلاء؛ أشارت بيدها إلى الطابق الثاني لكنها عقّبت إنها لا تفضّل الذهاب إلى هناك.

"كورونا بدأ للجميع عند الإعلان عن أول إصابات، لكنه بالنسبة لنا في المختبر هو بدأ منذ مطلع عام 2020"، تقول آلاء، فيوميًا كانت تصلهم عينات لأشخاص خالطوا سياحًا في مدينة بيت لحم، وكان العمل يستمر حتى أوقات متأخرة من الليل حتى قبل إعلان حالة الطوارئ في فلسطين.

تسكن آلاء أصلًا مدينة نابلس التي تبعد 52 كيلو مترًا إلى الشمال من مدينة رام الله حيث مقر وزارة الصحة الفلسطينية، وتعود إلى بيتها في ساعات متأخرة من الليل، أمرٌ يبدو مقبولًا جدًا لعائلتها الصغيرة ووالدها الذي يعمل طبيبًا ويدرك طبيعة مهنتها، لكنه ليس كذلك أبدًا بالنسبة لمحيطها الاجتماعي.

"زاد ضغط العمل في المختبر عند الكشف عن أول حالة كورونا، ومع إعلان حالة الطوارئ في فلسطين عملنا لثلاثة أيام متواصلة دون العودة للبيت، وفي اليوم الرابع ذهبت لإحضار بعض الاحتياجات وعدت إلى رام الله لخوض تجربة جديدة أصبحت فرضًا عليّ"، تقول آلاء.

حينها كان المختبر المركزي لوزارة الصحة هو الوحيد الذي يقوم بالفحص، ومع تزايد أعداد العينات وتواصل إغلاق سلطات الاحتلال الإسرائيلي الطرق بين مدن الضفة الغربية، علم مكتب وزيرة الصحة على تأمين العاملات والعاملين بمبيت قرب المختبر، تجربة العيش بعيدًا عن العائلة كانت جديدة بالنسبة لآلاء, لكنه واجبها المهني والإنساني.

تقول :"كل مرة كنت أعود فيها إلى غرفتي في الفندق أشعر أنها باردة جدًا وموحشة، ليس سهلًا البقاء وحدي بعيدًا عن العائلة".

التعامل مع العينات أيضًا أمرٌ غاية في الصعوبة، فكل مع فحص تتضرع إلى الله ألا ترى كلمة إيجابي (أي مصاب)، قلبها يخفق خوفًا من نتائج العينات، خاصة تلك القادمة من نابلس.

تخفي ابتسامة باهتة وهي تضيف: “أتذكر أول عينة حملتها كنت أرتجف وكادت تقع من يدي، وحتى الآن أعيش الخوف مع كل نتيجة إيجابية وكأنها تذكرني أن هذا الكابوس مستمر".

علّ ما يخفف الضغط عنها وجود بروتوكول عمل واضح واكبت إعداده منذ ما قبل إعلان حالة الطوارئ، فالعمل الآن منظم وفقًا لتلك الخطة ولا يوجد تخبّط في المختبر.

ثلاثة شهور متواصلة انقطعت فيها آلاء عن عائلتها منذ مارس حتى منتصف شهر رمضان حيث زارتهم ليوم واحد، ولم تكن عودتها إلى البيت سهلة خوفًا من نقل عدوى محتملة لذويها، فهي لم تخالط أيٌ منهم ولم تحظَ حتى بحضن والديها أو مصافحتهم أو الجلوس معهم على مائدة الطعام، وسرعان ما عادت إلى عملها.

خلال عيدي الفطر والأضحى؛ عادت آلاء عن عائلتها وقضتهما في المختبر، تتذكر العيد الأخير بقولها:"كان العيد صعبًا للغاية؛ انهرت تمامًا وبكيت بشكل هستيري".

تكمل:" انقلبت حياتي تمامًا، كل شيء تغير؛ نومي وسريري ومحيطي، أعاني من الأرق، وإن تمكنت من النوم لدقائق أظلّ واعية، ولو تحدث أحد أسمعه وأرد عليه".

فترات النوم المتقطّعة التي تحظى بها آلاء ليست منفصلة عن واقع في المختبر؛ بل هي امتداد للكوابيس التي تلاحقها حول العينات والإصابات خاصة مع ارتفاع الأعداد في مدينتها خلال الأيام، (منذ بداية شهر تشرين ثاني/ نوفمبر الحالي) حيث وصل معدّل الإصابات اليومي 150 حالة وصٌنفت منطقة حمراء.

وعن حياتها الاجتماعية، تقول: "لا حياة اجتماعية لي الآن؛ فمنذ إعلان الطوارئ شُلت بالكامل"، لم تتسوق نهائيًا ولا تزور أي من أقاربها، فوقتها القصير المتاح تمنحه لعائلتها فقط.

وما يجعل الأمر أكثر صعوبة عليها هو حالة التنمّر التي تتعرض لها من محيطها الاجتماعي والطبي، ولطالما ترددت على مسامعها كلمات آذتها مثل جملة "هذه الكورونا بحالها"، تقول:" كنت أشعر أنني منبوذة رغم عدم تسجيل حالات إصابة بين العاملين في المختبرات".

وتعتقد الشابة التي ما زالت تمتلئ نشاطًا رغم كل شيء إن هذه التجربة لن تتكرر في حياتها، معقّبة: "لا يوجد أصعب من هذا الخوف والقلق.

وتؤكد: "هي تجربة مهمة في حياتي، تعلمت أن أقدّر الحياة العادية التي كنت أعيشها والآن محرومة من تفاصيلها، لم أكن منتبهة لقيمتها، أشتاق إلى لمّة العائلة يوم الجمعة، العودة للبيت وتناول الطعام معهم، أن أحضن أبي وأمي وأشقائي بعد كل هذا الغياب".

كان حديث آلاء موجعًا حتى أنها بكت في ختامه، وحين سألناها إن كانت بحاجة إلى دعم نفسي ردّت دون تردد: "بالتأكيد، أي نشاط بسيط أقوم به خارج عملي يساعدني كثيرًا، حتى هذا الحديث القصير معكم".