شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 26 نوفمبر 2020م05:53 بتوقيت القدس

نساء الأغوار: همّنا أكبر من كورونا

16 نوفمبر 2020 - 13:04

الأغوار:

بعد يومين من هدم الاحتلال الإسرائيلي بيتها في خربة "حمصة الفوقا" بالأغوار الفلسطينية، كانت ليلى أبو كباش تعد طعام الغداء لعائلتها على موقد من حجارة أشعلت تحته خشبًا من أثاثها المدمّر.

تزامن انشغال أبو كباش مع وصولنا عصرًا إلى حمصة والتي تشهد نكبة جديدة، وأردنا التعرف على واقع النساء وتأثير جائحة كورونا (كوفيد- 19) عليهن.

تقول ليلى أبو كباش:"بتنا يومين في العراء، والأطفال لم يتناولوا إلا طعامًا معلّبًا وصلنا كمساعدات".

كانت تعد "المعكرونة" بطريقه مختصرة، واكتفت بتحميصها بقليل من الزيت وإضافة المياه وصلصة الطماطم، "ليست الطريقة المعتادة"، قالت، "لا نعيش حياة عادية لنطبخ بطريقة عادية".

ليلى، أو "أم سليمان" كما تفضل مخاطبتها (48 عامًا)، واحدة من 73 فلسطينية وفلسطيني فقدوا منازلهم (الثلاثاء 3 نوفمبر/تشرين ثاني 2020) في أوسع عملية هدم تشهدها منطقة الأغوار خلال السنوات العشر الماضية، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا".

وهدمت جرافات الاحتلال أكثر من 76 منشأة من منازل وحظائر ومراحيض وألواح شمسية يستخدمها السكان لتوليد الكهرباء في الخربة الواقعة قرب مدينة طوباس بالضفة الغربية.

"عشرات الجنود الآليات العسكرية حاصرت التجمّع واقتحموا منازلنا وطردونا، خلال نصف ساعة فقط أصبحنا نعيش على ركام"، تقول أبو كباش.

الركام فعلًا هو المشهد العام في حمصة الآن؛ خزانات المياه محطمة، وبقايا الأثاث والفراش والملابس في كل مكان، وحتى الطابون الوحيد في التجمّع هُدم على ناره، (فرن بدائي لإعداد الخبز، مصنوع يدويًا من الطين).

الأمطار الغزيرة التي هطلت زادت معاناة الأهالي، تقول ليلى :"لم نجد سوى قطع من النايلون نغطي بها رؤوسنا والمطر يهطل بشدة طوال الليل".

لكن أبو كباش ضحكت بمرارة لدى سؤالها عن تأثير فيروس كورونا على التجمّع وردّت بسخرية:":"همّنا أكبر من كورونا ومن كل الأمراض".

إجراءات خاصة

ومنذ اكتشاف أولى الإصابات بفايروس كورونا في فلسطين مطلع آذار/مارس الفائت، يقول أهالي الأغوار إنهم لم يحظوا بالاهتمام الرسمي المطلوب صحّيًا مثل مراكز المدن الفلسطينية، وهو ما حمّلهم أعباءً مضاعفةً باتخاذ إجراءات وقاية ذاتية خشية انتشار الفايروس في ظل افتقار تجمعاتهم للمراكز الصحية.

فالأهالي لا يخرجون من التجمّعات لتجنّب المخالطة بمن هم خارج التجمع إلا للضرورة، تقول أبو كباش، لكن يظل التخوّف من نقل الجنود الاحتلال الفيروس للأهالي خلال الاقتحامات اليومية لمساكنهم.

في خربة حمصة، كان الأثر الأكبر لهذه الإجراءات كان على الفتيات اللواتي حُرمن الذهاب للمدرسة، كما هو الحال مع آية ابنه ليلى الوحيدة، والتي تركت مدرستها بسبب اضطرارها للسفر اليومي إلى بلدات بعيدة للالتحاق بتعليمها.

تقول ليلى:" لا يمكن المخاطرة بإرسالها إلى المدرسة والإصابة بالعدوى فنحن هنا بلا خدمات صحية ولا مراكز حجر إذا أصيب أحدنا، بالإضافة إلى تواجد المستوطنين الكثيف على الطرق".

تأثير كورونا ليس فقط على الفتيات؛ بل أيضًا كان سيئًا على النساء الحوامل، كما تقول المواطنة أنصار أبو إسماعيل "27 عامًا".

رُزقت أنصار بطفلتها هديل في آب/أغسطس الماضي، وتزامن موعد ولادتها القيصرية مع اكتشاف إصابات بفايروس كورونا في مستشفى طوباس الأٌقرب على تجمعها، ما دفعها للانتقال للإقامة عند والديها في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية، قبل أسبوعين من موعد الإنجاب لضمان وصولها إلى أقرب مركز توليد آمن.

تقول أنصار:" أقرب مستشفى على خربة حمصة تبعد ساعة بالمركبة، وليس مضمونًا أن تكون الطريق مفتوحة طوال الوقت".

خربة حمصة واحدة من عشرات التجمعات الفلسطينية المهمشة في الأغوار، والتي تقع ضمن مناطق (ج) حسب تصنيفات اتفاق أوسلو، أي تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي بالكامل، وهو ما جعل سكانها يعانون من ظروف احتلالية ومعيشية صعبة للغاية، خاصة في ظل اتهامات محلية بالتقصير الرسمي الفلسطيني تجاه هذه المناطق.

وهُدمت خربة الحمصة الفوقا أكثر من مرة في السابق، ولكنها المرة الأولى كما يقول السكان، التي يجري الهدم دون إنذار سابق، بعد رفض الاحتلال الاستئناف الذي تقدمت به العائلات لمنع ترحيلها من المنطقة التي يسكنوها منذ عشرات السنين.

آثار اقتصادية

ومع خطورة تفشي فيروس كورونا إلى جانب هجمات وسياسات الاحتلال الإسرائيلي، تتحمل النساء في هذه التجمعات العبء الأكبر، فعلى مدار أيام تقوم النسوة بجمع ما بقي صالحًا للاستخدام من أغراض مساكنهن المدمرة، وعليهن في الوقت ذاته الاهتمام بأطفالهن، وإعداد الطعام، وغسل الملابس، وتوفير المياه للتنظيف والشرب، والعناية بالمواشي مصدر رزق العائلات هنا.

وإن كانت التدابير التي أخذها السكان حالت دون إصابتهم بالفايروس مباشرة، إلا أن انتشاره في الأراضي الفلسطينية خلّف آثارًا اقتصاديةً سيئة على سكان الأغوار، كما تقول ريما أبو صقر (28 عامًا) من خربة مكحول في الأغوار الشمالية.

فالإغلاق الشامل ومنع الحركة بين المدن تزامن مع موسم بيع المواشي ومنتجاتها، وهو ما تسبب لأهالي الأغوار بخسارة كبيرة.

تقول أبو صقر:" يبدأ إنتاج الجبن مثلًا في شهري نيسان وأيار ونقوم ببيعه لكل مناطق الضفة، وفي هذا الوقت يصل سعر الكيلو 20 شيكلًا (حوالي 6 دولار)، لكن بسبب الإغلاق وضَعف الطلب اضطررنا لبيع الكيلو بسبعة شواكل ( دولارين)".

واشتكت أبو صقر أيضًا من ضعف التدخلات الحكومية أو الأهلية لمساعدتهم في تسويق ونقل منتجاتهم للمراكز، تقول: "في الأوقات العادية نحن منسيون، ومع انشغال العالم بالفيروس كورونا زاد تهميشنا".

اقرأ/ي أيضًا: "طلبة الأغوار" والطريق إلى المدرسة.. مستوطنون وألغام!

ويحوّل الاحتلال خربة مكحول إلى منطقة عسكرية مغلقة ويقيم على أراضيها الزراعية والرعوية، مستوطنتي "روعي" و"حمدات" بالإضافة إلى ما يسمى معسكر "سعوراه".

وريما أبو صقر أم لخمسة أطفال أصغرهم أنجبته أثناء إغلاق كورونا، وبتفاصيل موجعة تتذكر اضطرارها إلى السفر إلى أقرب مدينة وهي "طوباس" والتي لا يوجد بها سوى مستشفى واحد حيث أكتشف إصابة أحد المرضى بالفايروس.

تقول: "عشت أيامًا مرعبة، الإصابة بالفايروس يعني نشره في كل الخِربة التي لا يوجد فيها مراكز صحية أو أماكن للحجر".

وعود بلا تنفيذ

الناشطة النسوية فريال صوافطة، من بلدة بردلة في الأغوار، قالت إن تأثير الجائحة على النساء هنا مضاعف، مشيرة إلى تدخلات متواضعة قامت بها الجمعية النسوية في المنطقة، للتشبيك مع مؤسسات للإرشاد والتوجيه والتثقيف عن بُعد.

وتحدثت صوافطة عن ارتفاع حالات العنف ضد النساء والمشاكل الاجتماعية بسبب الضغوط النفسية والأعباء الكبيرة التي وقعت على عاتق النساء في الأغوار.

تقول:" توقعنا اهتمامًا مضاعفًا بالأغوار مع انتشار الوباء، وخاصة فيما يتعلق بالخدمات الصحية، ولكن على العكس تمامًا".

وفي بردلة، يوجد عيادة صحية واحدة تخدم التجمع السكاني إلى جانب تجمعات كردلة وعين البيضاء، ولا يوجد طبيب مناوب في هذه العيادة، ويتوجه الأهالي عند الضرورة إلى مستشفى طوباس الذي يبعد ساعة كاملة.

وتحدثت الناشطة عن احتياجات متعددة للنساء في الأغوار، كمعالجة الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي سببتها الجائحة، وضرورة تنفيذ وعود المسؤولين التي تُعلن بالجملة بلا تنفيذ على أرض الواقع.

جانب من آثار تشريد عشرات الفلسطينيين وتدمير منازلهم في حمصة الفوقا

لجأ أهالي حمصة الفوقا للسكن في خيام بعد تدمير الاحتلال منازلهم

معاناة مضاعفة لنساء الأغوار بعد تدمير الاحتلال لمنازلهن

سيدة من خربة حمصة الفوقا تصنع الغداء لعائلتها بعد تدمير الاحتلال منازل الخربة

اسماعيل وشقيقته الرضيعة هديل بعد تدمير الاحتلال منزلهم

الطفلة هديل من حمصة الفوقا

اخبار ذات صلة