شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 18 يناير 2022م22:22 بتوقيت القدس

"التطبيع" يُعدِمُ "الخَيار العربي" كحلٍ لأزمة "السلطة" المالية

26 اكتوبر 2020 - 13:47

غزة/شبكة نوى-فلسطينيات:

تعاني السلطة الفلسطينية من أزمة مالية حادة بسبب تراجع مدخولاتها، نتيجة قرارات اتخذتها بشأن علاقتها مع "إسرائيل" والولايات المتحدة، كردٍ على ما وصفته بـ"مخططات تصفية القضية الفلسطينية".

ومنذ خمسة شهور، وجرّاء توقفها تمامًا عن استلام أموال المقاصة (الضرائب)، وجدت السلطة نفسها عاجزةً عن الإيفاء بالتزاماتها المالية الشهرية، وأبرزها رواتب الموظفين.

وأموال المقاصة، هي الضرائب التي تجبيها "إسرائيل" عن البضائع الواردة لأراضي السلطة الفلسطينية، وتحصل نظير ذلك على 3% منها كعمولة، بموجب "اتفاق باريس الاقتصادي"، وتشكل هذه الضرائب أكثر من 60% من إجمالي مدخولات الموازنة العامة للسلطة.

وعندما اتخذت السلطة هذه القرارات التي أثرت عليها اقتصاديًا وماليًا، لم تكن قد حضّرت البديل، وفشلت في إقناع الدول العربية في تفعيل "شبكة الأمان العربية"، التي أقرتها قمة الكويت في العام 2000l، لحماية السلطة من الابتزاز المالي، واعتمدت بدلًا عن ذلك على شعارات الرهان على صبر الموظفين، بحسب خبراء ومراقبين.

 الرهان لم يدم طويلًا، بعدما أعلن معلمون في عددٍ من مدارس الضفة الغربية الإضراب عن العمل، احتجاجًا على عدم تسلم رواتبهم كاملة منذ آيار.

هذا الرهان يبدو أنه لم يدم طويلًا، بعدما أعلن معلمون في عددٍ من مدارس الضفة الغربية الإضراب عن العمل، في الأسابيع القليلة الماضية، احتجاجًا على عدم تسلم رواتبهم كاملة منذ شهر آيار (مايو) الماضي.

شرارة الاحتجاجات

وحتى وإن كان حراك المعلمين على نطاقٍ ضيق، فإنه يطرح سؤالًا أمام السلطة حول الخيارات المتاحة لمنع انفجار الأوضاع الداخلية، في ظل أزمة مالية واقتصادية خانقة.

موظفون -فضلوا عدم الكشف عن هويتهم- أكدوا لـ"نوى" أن ما يمنعهم عن المشاركة في أي احتجاجات، هو خشيتهم من "عقاب السلطة"، وحفاظًا على ما تبقى من رواتب شهرية.

ورفض مدرسٌ ناشط في "حراك المعلمين الموحد"، تعامل السلطة مع الأزمة المالية، ومحاولة وضع الموظف أمام خيارين "الراتب أو الوطن"، وقال: "نريد وطنًا حرًا ونريد حياةً كريمة"، متسائلًا: لماذا وضع الموظف أمام هذا الخيار الصعب؟ أليس من حقه العيش بكرامة، كما من حقه النضال من أجل حرية وطنه من الاحتلال؟".

وكان هذا المدرس، يشير بكلامه إلى تصريحٍ لرئيس الحكومة محمد اشتيه في شهر أيلول (سبتمبر) من العام الماضي، قال فيه مخاطبًا الموظفين: "بدكم وطن أكثر أو مصاري أكثر؟"، في معرض حديثه عن الأزمة المالية للسلطة، وضررها البالغ على قطاع الموظفين العموميين.

وبعد نحو عامٍ على هذا التصريح، قال اشتيه في كلمة مسجلة، أوائل الشهر الماضي: "إننا في الربع ساعة الأخيرة من الأزمات المالية والاقتصادية التي نعيشها".

وراجت تكهنات كثيرة حول الجديد في أزمات السلطة، وحديثٍ عن وساطات دولية مع "إسرائيل"، من أجل استئناف استلام السلطة لأموال المقاصة.

ضغوط سياسية ومالية

واشتدت أزمة السلطة المالية، إثر إعلان الرئيس محمود عباس في 19 من آيار (مايو) الماضي، التحلل من جميع الاتفاقيات الموقعة مع "إسرائيل" والولايات المتحدة، ومن الالتزامات المترتبة عليها، ردًا على مخططات الضم الإسرائيلية لأجزاءٍ من الضفة الغربية المحتلة.

وكان لهذا الإعلان أثره الكبير على الواقع المالي للسلطة، الذي يتضرر به بشكل بالغ صغار الموظفين.

وتبلغ فاتورة الرواتب الشهرية نحو 550 مليون شيكل، لنحو 136 ألف موظف في الضفة الغربية وقطاع غزة، ويرتفع هذا المبلغ إلى 850 مليون شيكل، إذا أضيفت إليه مخصصات مالية أخرى تتعلق برواتب الوزراء والنواب السابقين، ومخصصات الشؤون الاجتماعية، ومخصصات ذوي الأسرى والشهداء، بحسب أرقام وبيانات صادرة عن مؤسسات مالية فلسطينية.

"متوسط نفقات الحكومة الشهرية في الوضع الطبيعي يصل إلى نحو مليار و150 مليون شيكل، حيث يضاف إلى رواتب الموظفين مستحقات القطاع الخاص ونفقات أخرى.

ويقول أستاذ العلوم المالية والاقتصادية في كلية الدراسات العليا في الجامعة العربية الأميركية، الدكتور نصر عبد الكريم: "إن متوسط نفقات الحكومة الشهرية في الوضع الطبيعي يصل إلى نحو مليار و150 مليون شيكل، حيث يضاف إلى رواتب الموظفين مستحقات القطاع الخاص ونفقات أخرى".

وعلى مدار سنوات طويلة، كانت أموال المقاصة تقدر بنحو 650 مليون شيكل، غير أنها تراجعت بشكلٍ ملحوظ في الشهور الأخيرة، جراء جائحة "كورونا" التي أثرت سلبًا على حركة التجارة والاستيراد.

ويستبعد عبد الكريم تجاوز السلطة لأزمتها المالية في المدى المنظور، حتى لو كانت هناك وساطات قد تقود إلى حل مسألة أموال المقاصة، كون السلطة تعاني أساسًا من عجز في موازنتها العامة يقدر بنحو 1.4 مليار شيكل، جراء تراجع المنح الخارجية، وزيادة النفقات الصحية بسبب جائحة "كورونا"، وتراجع الإيرادات الضريبية بسبب تراجع الاستهلاك المحلي.

تطبيع وضغوط أميركية

ويعتقد عبد الكريم أن شبكة الأمان المالية العربية، التي أقرها العرب لمثل هذه اللحظات التي تعيشها السلطة "قد ماتت ودفنت"، قائلًا: "الدول العربية لم تعد تفكر جماعيًا، وكل دولة مشغولة بملفاتها الداخلية، ومنذ انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أربعة أعوام، فإن هناك ضغوطًا هائلة تُمارسُ على الأنظمة العربية، وقد نجحت إلى حد كبير، وهذا يتضح من الهرولة نحو التطبيع، وتراجع الدعم السياسي والمالي للسلطة".

ومنذ آذار (مارس) الماضي، لم تتلق خزانة السلطة أي مساعدة مالية عربية، بفعل ضغوط أميركية على الدول النفطية الغنية.

واشنطن تمارس هذه الضغوط على العرب لإجبار السلطة على التنازل عن ثوابتها، ودفعها للقبول بخطة ترامب المعروفة باسم "صفقة القرن".

يضيف عبد الكريم: "إن واشنطن تمارس هذه الضغوط على العرب لإجبار السلطة على التنازل عن ثوابتها، ودفعها للقبول بخطة ترامب المعروفة باسم "صفقة القرن"، وهذا ما تدرك السلطة أنه انتحار سياسي".

وبرأيه فإن واقع الحال قد يتغير في حال فشل ترامب في الفوز بفترة رئاسية ثانية، وجاء الديمقراطي جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة مكانه، فإنه لن يكون بهذا القدر من السوء والانحياز لـ"إسرائيل".

لكن في حال بقاء ترامب رئيسًا، والحديث لعبد الكريم، فإن مزيدًا من الانهيارات ستحدث في الجدار العربي، وقد تنهار الجامعة العربية نفسها كليًا، بانسحاب دول عربية منها والتوقف عن تمويلها.

ووفقًا لعبد الكريم، فإنه لا خيارات مالية متاحة أمام السلطة، فالتمويل العربي متوقف، وهناك تراجع واضح وحاد في التمويل الأوروبي والدولي، وحتى خيار الاقتراض من البنوك المحلية قد بلغ سقفه الأعلى، وتم استنفاذه، ولم يعد متاحًا الاعتماد عليه.

عبد الكريم وغيره كثيرون لا يستبعدون أن تؤدي الأزمة المالية الحادة إلى انفجار الأوضاع الداخلية، سواء في وجه السلطة أو "إسرائيل".

الوحدة هي الخيار

وتتفق الكاتبة والمحللة السياسية تمارا حداد مع عبد الكريم فيما ذهب إليه، حول أن الاعتماد على العرب لم يعد خيارًا في ظل الهيمنة الأميركية.

وقالت: "الأمر ليس مقتصرًا على شبكة الأمان المالية، ولكن هناك تطورات خطيرة تحدث على حساب القضية الفلسطينية، وأكثرها خطورةً، التطبيع وانفراط عقد القومية العربية واعتبار فلسطين القضية المركزية للعرب".

وبرأي حدّاد فإن السلطة تواجه ضغوطًا هائلة، لكن لن يسمح العالم بانهيارها، على اعتبار أن استمرار بقاء السلطة من الناحية الوظيفية الأمنية بمثابة عنصر استقرار في المنطقة.

مواجهة السلطة لهذه الضغوط يتحقق بالمصالحة الوطنية، ووحدة حقيقية ينتج عنها جبهة وطنية موحدة يكون باستطاعتها مجابهة التحديات.

وبالنسبة لحداد فإن مواجهة السلطة لهذه الضغوط يتحقق بالمصالحة الوطنية، ووحدة حقيقية ينتج عنها جبهة وطنية موحدة يكون باستطاعتها مجابهة التحديات، إضافة إلى التوجه للمحاكم الدولية، للتحرر من اتفاقية باريس المجحفة، التي منحت إسرائيل السيطرة المالية والاقتصادية.

وبدون ذلك، والحديث لحدّاد، فإن الأزمة المالية الحالية قد تولد فوضى وأزمات داخلية، ستضرب النسيج المجتمعي، وتنعكس على الحالة الأمنية الداخلية.