شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 03 ديسمبر 2020م16:24 بتوقيت القدس

سرطان الرحم حين يُداهمُ "الفرحة".. هذه حكاية "إسلام"

25 اكتوبر 2020 - 22:51

رفح:

عندما بلغت إسلام أبو سمهدانة التاسعة عشرة من عمرها عام 2012م، أنجبت طفلها الأول فارس. لم تحلم السيدة بأكثر من أمومةٍ دافئة، ومشاعر حبٍ فيّاضة تُنسيها ضيق الحال الذي تعيشُه وعائلتها، ولكن أتت رياح الزمان بما لا يشتهيه ولا يتوقعه حلمها الصغير.

أتى صوتها هادئًا متقطعًا عبر الهاتف، وهي تروي لـ"نوى" واقع ثمانِي سنوات قضتها وهي تحارب "سرطان الرحم" الذي داهمها في سنٍ صغيرة، وقتل حلمها في مستقبلٍ أفضل وأمومة هانئة.

تحكي إسلام القصة من البداية فتقول: "لم أكمل تعليمي، أنهيت الصف الثاني الثانوي وتزوجت، أنجبت طفلي فارس وأنا بعمر 19 عامًا، ثم عانيتُ نزيفًا استمر أشهرًا، وتراجع بسببه وضعي الصحي".

ظنّ الجميع بدايةً أنا ما يجري مع إسلام هو بسبب النفاس، ولكن مع استمراره وتراجع وضعها الصحي، شخّصها طبيب بأنها مصابة "بحمل عنقودي"، خاصةً وأن بطنها كان آخذًا بالانتفاخ، وشكله كما الحمل تمامًا.

ظلت تتلقى العلاج لأشهر، لكنها لم تكن تصدّق التشخيص! وحدها ظلّت تشكّ في وضعها، وبعد مرور ثمانية أشهر من النزيف المستمر، حوّلها طبيبها إلى طبيبٍ آخر في مدينة غزة، وهنا كانت الصدمة.

إسلام: سألني الطبيب بتعرفي شو عندك؟ فأجبته فورًا: ورم

تقول: "سألني الطبيب بتعرفي شو عندك؟ فأجبته فورًا: أظنه ورم، كان معي زوجي الذي رفض هذا الظنّ، ولكن الطبيب أجابه بأن هز رأسه، وقال: بالفعل هي مصابة بورم في الرحم، وعليها إجراء عملية جراحية في غضون ثلاثة أيام فقط، عملية استئصالٍ للرحم، وأنا في هذه السن الصغيرة! هل لكم أن تتخيلوا؟".

أصيبَ الجميع بصدمة، إسلام صغيرة السن، أنجبت طفلًا لم تحظَ بفرصة احتضانه نظرًا لسوء وضعها الصحي. اضطرت إلى إرساله لأخواتها منذ بلغ من العمر شهرين، هما فقط ما حظي فيهما بفرصة الرضاعة، قبل أن يمنعها الأطباء من الإرضاع.

إسلام: حُرِمتُ الكثير من مشاعر الأمومة مع طفلي، المشاعر التي تنتظرها بشغفٍ وحب كل الأمهات

تقول: "حُرِمتُ الكثير من مشاعر الأمومة مع طفلي، المشاعر التي تنتظرها بشغفٍ وحب كل الأمهات، نحن نحمل ونلد من أجل حضن طفل يمنحنا الإحساس بأن العالم بكل قسوته جميل، أردت تجربة مشاعر الإرضاع التي فيها حب كبير، وهو بالطبع صحي أكثر للطفل، لكن ابني حُرِمَ من كل هذا".

وتضيف: "ما زلتُ أحمل لومًا للطبيب الذي عاين حالتي في البداية، هو الذي أعطاني إبرًا لمدة ثمانية شهور ظنًا منه أنني أعاني حملًا عنقوديًا، بينما كنت أنا أطالبُ بتحويلي للعلاج في الخارج"، تصمت قليلًا قبل أن تكمل: "لو أنه تدارك الأمر مبكرًا لاختلف الوضع".

اقرأ/ي أيضًا : مريضات سرطان الثدي بغزة و"كورونا".. الجُرعة المُرّة

هنا، يمكن القول إن إسلام عانت إلى جانب المرض وآلامه من غياب طفلها عنها لخمس سنوات، كان يزورها فقط في المستشفى، عالمُهُ القريب هو خالاته، وبقدر اطمئنانها على رعايتهن له، إلا أن لوعة الحرمان منه فاقت آلام المرض نفسه.

تردف: "مع بداية اكتشاف المرض ساندني الجميع، لم أنتبه حينها إلى أن استئصال الرحم يعني أنني لن أنجب ثانيةً، ولم أعِ أن تلقي العلاج الكيماوي مؤلمٌ إلى هذا الحد، وأنه يتسبب بتساقط الشعر، وتغيير كل ملامح الوجه".

كان العالم قاسيًا جدًا بالنسبة لإسلام، فهي رغم الدعم المعنوي الذي تلقّته بدايةً من عائلتها، إلا أنها مع مرحلة العلاج الكيماوي كانت وحدها، وحدها عليها مواجهة هذا التحوّل في حياتها، وهذه الآلام الناتجة عن دخول جرعات الكيماوي كما النار إلى جسدها، ووحدها تواجه سقوط شعرها وتغيّر ملامح وجهها، حتى اعتزلت الجميع.

إسلام:الوضع الاقتصادي الصعب زاد الحال سوءًا، كان زوجي يبحث عن أي فرصة عمل من أجل توفير نفقات العلاج وتكلفة المواصلات

عن هذه المرحلة تكمل: "الوضع الاقتصادي الصعب زاد الحال سوءًا، كان زوجي يبحث عن أي فرصة عمل من أجل توفير نفقات العلاج وتكلفة المواصلات، لم يرفض أي عمل، بل إنه كان يبيع الخردة، كل ما كان يهمه أن يجد ما يوفر به تكاليف المواصلات من بيتنا في رفح حتى المستشفى الأوروبي".

رغم كل شيء، هذه التجربة القاسية غيّرت شخصية إسلام بشكل جذري، فهي أيقنت أنه لن يدعمها سوى ذاتها، هي فقط من تستطيع تقوية نفسها، تعلق: "كنتُ سابقًا أعيش الحياة ببساطة وضعف، أما مع مواجهتي للمرض أصبحت أكثر قوة، لأنه كان عليّ المواجهة، ولن يواجه المرض معي أحد، أنا التي أعاني وأنا التي أتلقى العلاج".

وتكمل: "لكن تأخرت في الانضمام إلى الجمعيات النسوية المهتمة بمريضات السرطان، عام 2017م انضممت إلى جمعية (ساهم) في رفح، تلقيت فيها دورات دعم نفسي ومهارات تطوير الذات، واكتشفت كم هو مهم الاندماج مع نساءٍ لهن نفس التجربة، لأن هذا يقوّي العزيمة، نحن أكثر شعورًا بما نعانيه، ربما لو كان الانضمام مبكرًا لكان وضعي أفضل".

أنهت إسلام المراحل الأساسية لعلاجها عام 2017م، حين كان طفلها فارس يبلغ خمس سنوات، هنا استعادته إلى حضنها، ولكن كان عليها أن تشرح له بشكلٍ يناسب عمره، طبيعة مرضها، وأن تجيبه كذلك على الكثير من الأسئلة.

تعقّب: "فارس الآن في الثالث الابتدائي، أقضي وقتي في رعايته وتدريسه، هو يفهم ما أقول حين أشرح له طبيعة مرضي، لكنه كثيرًا ما يسألني عن رغبته في وجود أخٍ له مثل غيره من الأطفال، وأنا شرحت له بأن هذا غير ممكن، وبالتدريج فهم الأمر، بل وأصبح هو بنفسه يرد بأن أمي لن تنجب غيري".

تهمس إسلام في أذن "نوى" بأمنيتها "المستحيلة" التي تراودها أحيانًا، ورغبتها مجددًا بتجربة مشاعر الأمومة، إلا أنها تدرك أن عليها المواصلة قوية ومتماسكة، ليس فقط من أجلها، بل من أجل محيطها الذي احتوته بحبها له، بل إنها أصبحت للساكنين فيه مصدر قوة لا ينضب.

إسلام:التجربة علمتني أن أبتعد عن كل العوامل السلبية، لست مستعدة لنزول مناعتي بسبب من يعطوني الطاقة السلبية

تكمل: "التجربة علمتني أن أبتعد عن كل العوامل السلبية، لست مستعدة لنزول مناعتي بسبب من يعطوني الطاقة السلبية، أنا أريد أن أبقى إيجابيةً هكذا، حتى في زمن الكورونا، أنا أخرج من البيت للمشي وتغيير الجو، أحدد من علاقاتي حفاظًا على صحتي، ولا أتعامل إلا مع من يمنحني طاقة إيجابية".

لكن أجمل ما ترى إسلام أنها تقدمه اليوم للعالم، هو الطاقة الإيجابية التي تمنحها للمصابات الجدد بالسرطان، تقول: "نعم، أهتم بالتعامل مع مريضات السرطان الجديدات، لا أتركهن يخُضن التجربة وحدهن كما حدث معي، أُطمئِنُ النساء بأن المرض بكل صعوبته قابلٌ للشفاء، وأن عليهن مواصلة العلاج بروحٍ معنويةٍ عالية، فلا أحد غيركِ عزيزتي المرأة قادرٌ على دعمك".

تخطط إسلام حاليًا للعودة إلى التعليم، والحصول على الثانوية العامة، ومن ثم دراسة إدارة الأعمال، هو طموحُ أخفته بين طيات التجربة، إذ أيقنت مرةً واحدة، بأن أحدًا لا يسند الفتاة إلا ظهرها هي.

اخبار ذات صلة