شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 اكتوبر 2020م08:15 بتوقيت القدس

بعد 12 عامًا في سجون الاحتلال

عروسٌ تستقبل خطيبها "المُحرَّر" بالإضراب عن الطعام

18 اكتوبر 2020 - 20:04

المغازي:

"ها أنا ذا أستقبل خطيبي بالإضراب عن الطعام بدلًا من أن أستقبله بالورود"، قالتها فاتن إسماعيل، ثم انخرطت في البكاء.

دموعها أغرقت شاشة الهاتف المحمول، وهي تتابع انتظار الإفراج عن خطيبها الأسير أيمن حميدة (45 عامًا)، بعد 12 عامًا من الاعتقال داخل سجون الاحتلال، ومعاناة الإهمال الطبي.

رفعت فاتن (39 عامًا) رأسها، وبالكاد استجمعت أنفاسها لتضيف: "ها هو الاحتلال يحرمني ثانيةً من فرحة الوجود إلى جانبه في هذه اللحظة المفصلية، تمامًا كما حرمني من فرحة خطوبتي به".

تنظر فاتن بعمقٍ إلى صورة خطيبها المتربعة برفقٍ وعناية إلى جانب مقعدٍ في غرفة الضيوف،  حاولت مرارًا التماسك أثناء الكلام، لكن عبثًا كانت كل المحاولات في حضرة كل هذا الوجع.

الشابة المضربة عن الطعام منذ الخامس من تشرين أول/ أكتوبر الجاري، بدا على وجهها الشحوب، ووفقًا لها فإن رؤيتها بدأت تضعف، ولا يفارق رأسها الصداع المتواصل، تعقب: "هي رسالة لكل مسؤول فلسطيني، مفادها أن من حقي الالتقاء بخطيبي بعد سنواتٍ من الحرمان".

وفي التفاصيل: تقطن فاتن منطقة المغازي وسط قطاع غزة، بينما خطيبها أيمن هو من سكّان بلدة العيزية في مدينة القدس المحتلة، لكن كيف تمت خطبتهما؟

اعتادت الشابة فاتن المشاركة طواعية في كافة الفعاليات المعنية بالأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي منذ زمنٍ بعيد، لم تترك اعتصامًا للأسرى صباح كل يوم اثنين أمام مقر الصليب الأحمر بغزة إلا وشاركت فيه، دعمًا لصمودهم أمام قهر السجّان، ولطالما طبعت الصور والشعارات من مالها الخاص، وانتقلت بمفردها من النصيرات إلى غزة من أجل هذه المشاركات.

صدفة، أو لعله "حسن حظ" كما تفضل أن تصفه هي، حملت مرةً صورةً للأسير الفلسطيني أيمن حميدة دون قصد، لكن أيمن الذي كان يتابع الفعاليات على شاشة تلفزيون فلسطين، تنبّه للشابة التي كانت تحمل صورته، ومنذ ذلك اليوم، حجزت هي لصورته مكانًا في "بوستر"، فحجز لها مكانًا في قلبه.

لم يعرف اسمها، ولكن مع أول زيارةٍ لذويه، طلب منهم البحث عن تلك الفتاة الغزّية التي كانت تحمل صورته، فقد رأى فيها –وحدها- زوجة المستقبل عندما يعانق الحرية.

وقتٌ طويلٌ مرّ حتى تمكن أهله من التعرّف على الشابة التي حملت صورة ابنهم، لم يتمكنوا من الحضور إلى قطاع غزة لخطبتها بسبب الحصار الإسرائيلي، فتمت الخطبة عبر الهاتف.

تقول فاتن: "عندما اتصلوا ليطلبوني، فوجئت، فالأمر لم يخطر على بالي، حتى موضوع الزواج لم يكن في حساباتي، أختي تعاني من إعاقة، وأنا وهبت نفسي لرعايتها، ولكن حين تقدّم أهل أيمن، وأمام إصراره، كيف لي أن أرفض هذا الحب".

إذًا، هو القلب الذي دق في حضرة من كُسرت من أجله كل القرارات، ثلاثة شهورٍ قضتها فاتن وعائلتها وهم يتابعون أمر عقد القران، ما بين استلام توكيلٍ من العريس عن طريق الصليب الأحمر، ومن ثم البحث عن وكيلٍ قريبٍ له من قطاع غزة، وصولًا إلى تسجيل عقد الزواج في غزة، ومن ثم في محكمة أبو ديس، كلها كانت خطوات مرهقة، "ولكن الأمر يستحق" تستدرك.

وتضيف: "منذ ذلك اليوم، بدأت باتخاذ كل الإجراءات من أجل أن أحظى بزيارته، وتوجهت إلى الصليب الأحمر، ولكن الاحتلال الإسرائيلي في كل مرةٍ كان يقابل طلبي بالرفض، رغم أن القانون الدولي يسمح للأسير بأن يحظى بفرصة (تلبيس الدبل) مع خطيبته".

ومثلما حُرمت فاتن من ارتداء دبلتها، أيضًا لم تتمكن طوال عامين من زيارته، أو حتى الحديث معه عبر الهاتف، فقط والدته هي من كانت تزوره، وتحمل لها رسائله وتحياته وحبّه العميق، أما هي فقد أمضت وقتها كله في التنقّل ما بين وزارة الشؤون المدنية، ومسؤولي الفصائل والمؤسسات من أجل مساعدتها في الانتقال إلى الضفة الغربية، قبل الإفراج عنه، كي تكون موجودةً معه في هذه اللحظة، ولكن دون جدوى.

"كل ملابسي وجهاز العروس انتقل إلى بيت أهله في العيزرية من خلال معارفنا وأصدقائنا الذين كانوا يذهبون إلى الضفة أو القدس، حتى ثوب الزفاف التراثي الأحمر المطرّز بالخيط الفلاحي، الذي طلب بنفسه أن أرتديه في هذا اليوم، وصل إلى هناك، أم أنا فلا"، تقول فاتن بحرقة.

صوتها بالكاد كانَ يُسمع، الإضراب عن الطعام منذ ما يقارب الأسبوعين أنهك قواها، تردف: "من يتصور أن عروسًا، وعلى مدار عامين، تختار أثاث بيتها عبر الكاميرا، كان أهله يذهبون إلى محلات الأثاث بعد أن يخبروني كي أكون موجودةً عبر الإنترنت، ثم نفتح الكاميرا، وأتابع ما هو موجود، اخترتُ بنفسي غرفة نومي، وغرفة الضيوف، وحتى أدوات المطبخ كلها، اخترتها عن بُعد، كل شيءٍ أصبح الآن جاهزًا لم يتبقَ إلا أنا".

كانت فاتن تدرك منذ البداية صعوبة الارتباط بأسيرٍ محرر، ومن الضفة الغربية تحديدًا، ناهيك عن أن الشاب الذي بدأت سلسلة اعتقالاته منذ كان في العشرين من عمره، وبلغ عمره الآن 45 عامًا، تعرّض خلال السنوات الماضية لعدة أمراض بسبب الأسر، وسياسة الإهمال الطبي، التي ينتهجها الاحتلال بحق الأسرى، ما يعني شعورها المستمر بضرورة أن تكون موجودة إلى جانبه أكثر.

تبكي فاتن مرة أخرى بينما تعود لمتابعة شاشة هاتفها، وتقول: "كان يفترض أن يتم فرحنا اليوم، في صالة اسمها "روتانا" في العيزرية حيث مكان سكنه، لكنني الآن سأتابع الاحتفال به بمفرده عبر الكاميرا".

مسحت بيديها على صورةٍ تجمعهما سويًا وهي تقول: "هذه الصورة تم تركيبها عبر الفوتشوب، تمنيت لمدة عامين فرصة التقاط صورة لنا معًا، وما زلت، تمنيت لو ألبسني خاتم الخطوبة، وها أنا ذا أتمنى أن يبدله بنفسه إلى خاتم زفاف، الاحتلال كسر فرحتي بكل شيء".

تعود لتكمل: "ماذا لو كنت ابنة مسؤول؟ هل كان سيسمح بأن أخوض إضرابًا عن الطعام من أجل مطلب إنساني؟ ذات مرةٍ كنت في الشؤون المدنية، وبدلًا من رفع معنوياتي وإعطائي دفعة أمل، قالوا لي: "تطلقي أحسن لك" هل هذا رد يناسب الحديث إلى خطيبة أسير قضى ريعان شبابه في سجون الاحتلال؟!".

وتصرّ فاتن على مواصلة الإضراب عن الطعام حتى تحقيق مطلبها العادل، بتمكينها من الانتقال إلى الضفة الغربية لإتمام مراسم زفافها، هي رسالة وجهتها للقيادة الفلسطينية، وللرئيس محمود عباس ملخصها: إكرام الأسرى يكون بلمّ شملهم مع أحبتهم جميعًا.

تركت كل الحديث، وعادت من جديد تتابع مراسم الإفراج، وتبكي على فرحة لم تكتمل.