شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 29 اكتوبر 2020م07:03 بتوقيت القدس

في اليوم العالمي للقضاء عليه..

غول "الفقر" يطارد نصف سكان غزة

17 اكتوبر 2020 - 17:33
صورة من الأرشيف
صورة من الأرشيف

شبكة نوى | قطاع غزّة:

كيف يمكن لربّ أسرةٍ مكوّنةٍ من 9 أفراد، هو معيلها الوحيد، ويتقاضى راتبًا شهريًا بقيمة (1200 شيكل) أن يعتقد أنه "من أبناء الطبقة الوسطى في المجتمع"؟

كيف يمكن له أن يصدّق ينظر إلى الواقع على أنه "طبيعي"، وأن يصدق بأن وضعه "جيد" مقارنةً بغيره، فقط لأنه يعيش بمنطقةٍ طحَنَ الاحتلال الإسرائيليُ سكّانها عن بكرة أبيهم، حتى بات ينطبق على من يملك قوت يومه المثل القائل "كذب الكذبة، وصدقها"، أحمد عليان هنا نموذجًا.

يقول الرجل لـ "نوى": "أعمل في أحد المصانع المحلية منذ حوالي 10 أعوام، بدأتُ براتبٍ قيمته 700 شيكل، ووصل قبل عامين إلى 1200 شيكل (أقل من 350 دولارًا)، كأعلى راتبٍ أتقاضاه منذ وُلدتُ قبل 39 عامًا، لعدد ساعاتٍ لا يقل عن 10 يوميًا".

ويضيف: "هذا الراتب هو الأعلى بين عمال المصنع، وأنا سعيد جدًا به في ظل الظروف المرعبة التي تمر بها غزة، إنه أفضل من أن أجلس في البيت، حتى لو كان على حساب صحتي".

الحصار الإسرائيلي، والهجمات الإسرائيلية المستمرة على القطاع، وإغلاق المعابر، والانهيار الاقتصادي، وتدهور الوضع الصحي، وتحديات التعليم، جعل أكثر من نصف سكان قطاع غزة، البالغ عددهم ما يزيد عن مليوني نسمة، يصنفون على أنهم فقراء.

لا يخفي أحمد شدّة تعبه، وأيضًا قلقه المستمر من إمكانية فقدان هذا العمل، مردفًا: "لا أتذمر من العمل إطلاقًا خشية طردي واستبدالي بآخرين، يمكنهم القبول براتب أقل، كل الناس محتاجة، ومئة واحد يتمنون مكاني".

في الحي الذي يسكنه أحمد، شرق مدينة غزة، يظن الناس –بحسب وصفه– أنه "جمع مال قارون" من عمله هذا، كونه لا يشكو، بل إنه يعمل بصمت برغم أن لديه ابنتين تدرسان في الجامعة، يقوم بجمع رسومهما شيكلًا فوق شيكل، ولو على حساب مستلزمات المنزل.

"ابن الكينج أبو رامي، وين يا حوت؟ قديش أبوك محوّش تحت البلاطة؟ متى أبوك بدو يبنيلك ويجوزك؟" عبارات يسمعها ابنه البالغ من العمر 17 عامًا بشكلٍ مستمر من أبناء حارته، الذين يقيّمون وضع والده "كونه ليس عاطلًا عن العمل" بـ "فوق الريح"! رغم حصول الأب على راتبٍ أقل من الحد الأدنى للأجور، "لكن ضيق الحال في القطاع، جعل الناس تكذب على نفسها وتصدّق الأمر" يعلق الفتى.

بحسب تقريرٍ أممي، صدر في الثامن والعشرين من يناير/ كانون الثاني للعام 2020م، فإن الحصار الإسرائيلي، والهجمات الإسرائيلية المستمرة على القطاع، وإغلاق المعابر، والانهيار الاقتصادي، وتدهور الوضع الصحي، وتحديات التعليم، جعل أكثر من نصف سكان قطاع غزة، البالغ عددهم ما يزيد عن مليوني نسمة، يصنفون على أنهم فقراء.

وبحسب التقرير، فإن 4 أشخاص من بين كل 5 يتلقون مساعدات مالية، وفي يوم السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، الذي يصادف "اليوم العالمي للقضاء على الفقر"، فإن نسبة الفقر في قطاع غزة وصلت إلى 54 في المئة.

أمينة حسن، أم لثلاث بنات وولدين، هي المعيلة الوحيدة لهم بعد وفاة الأب، وتعمل مُدرسةً ضمن حكومة غزة، وتعيش في بيت بالإيجار، بينما تتقاضى راتبًا قيمته 1800 شيقلًا شهريًا، لا يلبي احتياجات أسرتها، بل إنها تُجبر على الاستدانة أحيانًا.

تقول: "الحياة في قطاع غزّة ليست ترفًا لأي أسرة مهما كان مستواها، فالموظف والعامل بالتأكيد يعينون من أقاربهم من هم بحاجتهم، وبرغم تدهور الوضع المادي والحاجة لأقل القليل من الراتب، إلا أن المعظم هنا، لا يستطيعون إلا المساعدة، حتى ولو بالدَّيْن من أجل مساندة غيرهم".

وتزيد: "كل منزلٍ في غزة له قصة، كل راتبٍ فيه حصة لمن هو أفقر منا وقريب علينا، وكل محاولة لتحسين الدخل بالتأكيد تفشل بسبب إحكام حصار القطاع، الذي ضربته كورونا أخيرًا، وزادت أموره السيئة سوءًا".

وصلت نسبة انعدام الأمن الغذائي إلى 71 في المئة لدى الأسر، فيما تفرض إسرائيل منذ نحو 14 عامًا حصارًا مشددًا على غزة، ما أدى إلى زيادةٍ كبيرةٍ في نسب الفقر والبطالة في القطاع المكتظ بالسكان.

وفي القطاع المُحاصر، وصلت نسبة انعدام الأمن الغذائي إلى 71 في المئة لدى الأسر، فيما تفرض إسرائيل منذ نحو 14 عامًا حصارًا مشددًا على غزة، ما أدى إلى زيادةٍ كبيرةٍ في نسب الفقر والبطالة في القطاع المكتظ بالسكان.

"غولٌ يلاحقنا في المنزل، وفي الشارع، وفي الدكان، وفي الجامعة، والمدرسة، والسوق، وكل مكان أمشي فيه" هكذا يصف محمد إدريس الفقر، ثم يضيف: "طلبات أينما وليتُ وجهي، طلبات مستمرة ولا مال لدي، صرت أخجل من نفسي كلما طلب أطفالي بعض أنواع الفاكهة فأؤجلهم لحين الراتب، وأنا في حقيقة الأمر لا يتبقى من راتبي سوى 500 شيكل فقط!".

يتابع وليد الذي يعمل موظفاً في السلطة الفلسطينية: "في حال خرجتُ مع طفلي الأصغر (7 سنوات) وشاهدتُ عربة بيعٍ للخضار والفاكهة، فإنه يجبرني على العودة قبل وصولها، أو الخروج من طريقٍ أخرى كي لا أتعرّض لموقفٍ مثل "اشتري لنا من هذا يا بابا!".

وفي اليوم العالمي للقضاء على الفقر، فإن أقصى طموحات الأب هي توفير ما يطلبه أطفاله من بعض أصناف الطعام، "لا أريد عقارات ولا سيارات ولا أي شيء خيالي كهذا، أريد فقط أن أشتري ما تشتهيه نفس أبنائي، هل هذا كثير علينا يا الله؟" يتساءل.