شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 اكتوبر 2020م09:06 بتوقيت القدس

بماذا يمر ماهر الأخرس الآن؟

إضراب الأسرى.. جِياع الحرية زادُهم "أمل"

14 اكتوبر 2020 - 11:43

غزة:

"هي تجربةٌ تأكل الروح والجسد، آلامٌ على مدار الساعة، والمعاناة بسببها تستمر لسنوات"، تقول الأسيرة الفلسطينية المحررة هناء شلبي لـ "نوى" واصفةً تجربة الإضراب عن الطعام، التي خاضتها داخل سجون الاحتلال لمدة 47 يومًا عام 2012م.

ترسم على وجهها ابتسامةً خفيفة، ثم تستدرك باندفاع: "لكنها تبقى خطوة نضالية في وجه الاحتلال الإسرائيلي، بواسطتها تمكنا من الضغط من أجل تحقيق مطالبنا المشروعة".

في ذلك العام، انتهت التجربة، ورضخ الاحتلال، لكن هناء بدأت حياةً جديدة قررتها تلك التجربة القاسية، التي يعيشها ذاتها اليوم –مع فرق المدة- الأسير ماهر الأخرس.

يمضي الأسير الأخرس يومه الثمانين مضربًا في وجه إدارة السجون احتجاجًا على اعتقاله الإداري، حيث تم نقله إلى مستشفى "كابلان" منذ بداية الشهر الحالي في وضعٍ صحيٍ سيء "فيما التحق بالإضراب 30 أسيرًا من أسرى سجن "عوفر" تضامنًا معه، لكن.. كيف يبدو شكل التجربة عن قرب؟

شلبي:نخوض الإضراب لهدف مطلبي، بالنسبة لي كنت أحتجّ على اعتقالي الإداري الذي سبقه اعتقالٌ لمدة ثلاث سنوات

تقول المحررة شلبي التي أبعدها الاحتلال من مدينة جنين مسقط رأسها، إلى قطاع غزة، حيث تزوجت وأنجبت طفلين: "نخوض الإضراب لهدف مطلبي، بالنسبة لي كنت أحتجّ على اعتقالي الإداري الذي سبقه اعتقالٌ لمدة ثلاث سنوات، فكان سؤالي الواضح: لماذا أُعتقلُ من جديد؟".

أرادت هناء وضع الاحتلال تحت الأمر الواقع بإضرابها، وهي تدرك سلفًا صعوبة القرار، مرّ اليوم الأول عليها دون مشاكل، كأنه صيام عادي مع بعض الصداع، ولكن الإغماءات المتكررة بدأت مع اليوم الثاني مباشرة، رافقها صداعٌ شديد، وآلامٌ في الجسد.

يومًا بعد يوم، يزداد الألم وتزداد الأعراض صعوبة –وفقًا لشلبي- جفاف الحلق والشفاه حتى مع شرب المياه، ناهيك عن الضغط النفسي الذي يمارسه الاحتلال، من خلال مواصلة التحقيق والتعذيب، وصولًا إلى آلام الأسنان والمعدة والصدر، مع صعوبةٍ في التنفس، وآلامٍ شديدة في المعدة، وفي العظام، وعدم قدرة على المشي، وضعفٍ في التركيز، والذاكرة، والإبصار، والسمع، وتساقط في الشعر.

تضيف: "كنت أشعر بأن جسدي غير قادر على حملي، فقدان القدرة على المشي يبدأ مع الأسبوع الأول، بالإضافة إلى انخفاضٍ سريعٍ في الوزن، فقدت 15 كيلو في أول أسبوعين، ثم أصبح فقدان الوزن أبطأ، لأن الجسم فقد كل مقومات قدرته"، موضحةً أنها عندما بدأت الإضراب كان وزنها يبلغ 72 كيلوجرامًا، هبط إلى 45 كيلوجرامًا مع انتهائه.

ما زاد الوضع قسوة هو انتهاكات الاحتلال أثناء مرحلة الإضراب، فتجدهم يتعمّدون وضع الطعام ذا الرائحة القوية، مثل اللحوم المشوية والحمضيات بالقرب من سريره.

"الرائحة مؤذية جدًا للأسير المضرب، ليس فقط كونها تستفز شعوره بالجوع، بل لأنها تدفعه للتقيؤ بينما المعدة فارغة، فيصبح هذا الشعور معاناة إضافية، تزيد من الآلام الناتجة عن تعرض الأسير المضرب للضرب أثناء التحقيق" تكمل.

أما عملية فك الإضراب، فهي أقسى من الإضراب ذاته (والحديث لشلبي) فجسد الأسير لم يعد يتقبل الطعام الذي انقطع عنه لعشرات الأيام، "وصحيح أنه تمت الاستجابة لمطالبي بالتحرر، لكنني ما زلت أعاني حتى الآن من وضع صحي ونفسي سيء نتيجة هذه التجربة".

تقول: "ثماني سنوات مرت، وما زلت أتلقى علاجًا لهشاشة العظام الناتجة عن الإضراب، وعلاجًا للمعدة والأمعاء، والصداع أحيانًا، تساقطَ شعري، وقد احتاج علاجه إلى سنوات، لكنني حتى اللحظة أعاني من مشكلات في البصر والتركيز والذاكرة".

هي تجربةٌ قاسية لا يذهب إليها الأسرى إلا بسبب واقعٍ مر، لا حلّ له سوى هذه الخطوة، لكن شلبي تؤكد أهمية التضامن مع الأسرى والأسيرات حين يخوضون الإضراب "فهذا يرفع من معنوياتهم جدًا".

الأسير المحرر رامي عنبر، ابن مدينة دير البلح، رأى النور بعد عتمة سجون الاحتلال، في يونيو/ حزيران من العام الحالي، واحتضن ابنته ريم بعد 18 عامًا من الاعتقال، خاض خلالها الإضراب عن الطعام ثلاث مرات، لأسبابٍ مطلبية.

ثلاثة إضرابات جماعية لأهداف مطلبية تتعلق بتحسين ظروف الاعتقال وظروف زيارة الأهل، أولها عام 2004م، واستمرت مدة 30 يومًا، وثانيها عام 2012م مدة 40 يومًا، وثالثها عام 2017م وكانت للمطالبة بإنهاء العزل الإنفرادي لعددٍ من الأسرى.

"الإضراب عن الطعام ليس ترفًا، بل هو تجربة قاسية لها ما بعدها" يعلق عنبر، ويتابع: "كان لزامًا على الأسرى خوض هذا النضال (..) الأيام الثلاثة الأولى هي الأقسى، كون الساعة البيولوجية للجسم تستثار مع مواعيد تناول الطعام، وهذه الأيام يشعر خلالها الأسير بآلام شديدة".

عنبر:يحاول السجان كسر إرادة الأسير المضرب من خلال الدخول إلى غرفته بالطعام، لكن الأسرى المضربين ينظرون إلى هذه المسألة على أنها "غباء"

ويضيف: "يعاني الأسير المضرب من قرحةٍ في المعدة، والتهاباتٍ أحيانًا، ويصاب بالتقيؤ وآلام العظام، وضغوطاتٍ نفسية تزداد يوميًا، صحيحٌ أن الأسير لديه الثقة بربه وإرادته، لكن التجربة قاسية حقًا".

يحاول السجان كسر إرادة الأسير المضرب من خلال الدخول إلى غرفته بالطعام، لكن الأسرى المضربين ينظرون إلى هذه المسألة على أنها "غباء" وفق تعبير عنبر، "وأسلوب استفزازي مفهوم، لكنها مؤذية جدًا لمشاعر الأسير".

لا يتوقع الأسرى من الجنود أقل من ذلك فهم يقتحمون غرف الأسرى، ويصادرون ملابسهم وأغطيتهم وكل أشياءهم، وربما لا يتركون لهم سوى البرش (أي السرير).

يفقد الأسير وزنه بشكل سريع، يقول عنبر: "كنا نرى هياكل عظمية لمن أصبحت أوزانهم 45 كيلو فقط، في الخارج يعدّون الوقت بالأيام، بينما كل ثانية تمر على الأسير المضرب، تأكل من روحه وجسده وقوته".

يعقب: "أفضل وسيلةٍ لإسناد الأسرى في هذه الحالة، هي إبقاء قضيتهم حية، ومواصلة التحركات الرسمية والشعبية من أجلهم، وهذا ما يحتاجه منا الأسير ماهر الأخرس الآن".

تنقسم إضرابات الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال إلى قسمين، أولها الجماعية، وتهدف إلى تحسين ظروف الاعتقال، وثانيها الفردية، وهدفها التصدي لظاهرة الاعتقال الإداري، وقد بدأها الأسير المحرر خضر عدنان بإضرابٍ استمر 66 يومًا، سجل به رقمًا قياسيًا للمرة الأولى، تم كسره عدة مرات من أسرى تبعوه في الخطوة.

حاليًا ماهر الأخرس تجاوز إضرابه الـ 78 يومًا، بينما سبقه المحرر سامر العيساوي، الذي أضرب مدة 270 يومًا.

الفليت:هناك قانونٌ لدى إدارة مصلحة سجون الاحتلال، ينص على منع الأسير من الموت عند إضرابه عن الطعام

ويتحدث الأسير المحرر أحمد الفليت، مدير مركز نفحة للدراسات الإسرائيلية، أن الأسرى أرادوا من الإضرابات الفردية وقف سياسة الاعتقال الإداري، إلا أنها ما زالت مستمرة، والأعداد متفاوتة بسبب الاعتقالات المتواصلة، "لكن اللافت أن الأسرى يكسرون أرقامًا فلكية بالإضراب، فالعيساوي استمر 270 يومًا، بينما علميًا يستطيع الإنسان الصمود دون طعام 70 يومًا فقط، وأسبوع فقط دون ماء، فكيف يصمدون؟" يتساءل.

التفسير كما يوضحه الفليت، هو أن هناك قانونٌ لدى إدارة مصلحة سجون الاحتلال، ينص على منع الأسير من الموت عند إضرابه عن الطعام، بالتالي يتم تشكيل لجنة متابعة طبية من مصلحة السجون، مهمتها إبقائه على قيد الحياة بأي وسيلة.

في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان يُدخل الطعام إلى معدة الأسير عن طريق الأنف من خلال أنبوب، وهذا الإجراء خطير، فأي مقاومة من طرف الأسير نتيجتها موته، بسبب دخول الطعام إلى الرئة، وقد توفي بسببها عدد من الأسرى، لاحقًا تم استبدالها بالمحاليل، والفيتامينات التي توضع في الماء، ولهذا يبقى المضربون على قيد الحياة.

ونوه الفليت إلى عدم وجود قوانين داخل السجون تحمي الأسرى، فالاحتلال لا يعترف باتفاقيات جنيف الثالثة والرابعة الخاصة بالأسرى، بالتالي، يتم تطبيق قانون مصلحة السجون الذي يضعهم تحت مسمى أسير أمني، وهي قوانين فضفاضة تتحكم فيها مصلحة السجون ذاتها، مضيفًا: "إن الأسرى أثناء الإضراب يتعرضون للقمع والتنكيل من خلال 7 وحدات، تعمل على مدار الساعة، وتصادر كل مقتنيات الأسرى".