شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 اكتوبر 2020م08:48 بتوقيت القدس

الصورة النمطية موغلة..

زيارة الأخصائي النفسي "سرٌ" يُدفن مع صاحبه بغزة!

13 اكتوبر 2020 - 10:55

غزة:

حين فقد الشاب الفلسطيني محمود الرزي (36 عامًا) عمله، ووقع تحت وطأة أعباء الحياة ومتطلباتها، أثقلت الضغوط النفسية كاهله، فبات شديد العصبية والقلق والتوتر، استسلم طويلًا لهذه الحالة، لكنه قرر أخيرًا الانتفاض على نفسه، وهزيمة ضعفه، فتوجه إلى أخصائيٍ نفسي.

لم يلجأ محمود إلى هذه الخطوة "الجريئة" في مجتمعٍ يرى أن التوجه إلى عيادات الطب النفسي، أمرٌ ينتقص من قيمة الشخص، والنظرة إلى عقله وتفكيره، إلا بعد أن وصل إلى أعلى درجات القهر "مرحلة أنني لا أريد رؤية أحد"، إذ لم يكن سهلًا على شابٍ عمل مصورًا لأكثر من 15 عامًا أن يغدو جليس الجدران، لا عمل ولا دخل له.

يقول لـ "نوى": "تعبت كثيرًا وأنا أقاوم بمفردي دون جدوى، حاولت إقناع ذاتي أنها مرحلة وسوف تمرّ، لكن طعم الواقع كان مرًا إلى حدٍ لا يستطيع أحد احتماله".

محمود: اكتشفتُ أننا لا نعلم شيئًا عن علم النفس، ووجدت أن لدى الأخصائي القدرة لإيصالي إلى مرحلة الثقة

ذهب محمود إلى أخصائي نفسي بعد أن اقتنع بأن لكل تخصص غاية، ومثلما عمل هو مصورًا لخدمة رسالة وطنية، ولإيصال أصوات المطحونين تحت خط الفقر، "بالتأكيد فإن الطبيب النفسي وُجِدَ لأجل مهمةٍ قوية، مفادها تفسير وتقويم السلوك الإنساني، والوصول بصاحبه إلى بر الأمان".

يضيف محمود: "ترددت في البداية، وعندما وصلت عيادة الأخصائي شعرت بالراحة، صرّحت بأشياء ما كنت لأصرّح بها لأحد، اكتشفتُ أننا لا نعلم شيئًا عن علم النفس، ووجدت أن لدى الأخصائي القدرة لإيصالي إلى مرحلة الثقة بنفسي وبمحيطي"، يصمت قليلًا قبل أن يعلق مبتسمًا: "كانت تجربةً ناجحة".

"لكن الناس لا يعون أهمية هذه الخطوة، فالنظرة إلى من يلجأ لعيادات الطب النفسي ما زالت نمطية" يضيف، مردفًا: "نحتاج إلى حملة توعية واسعة عبر وسائل الإعلام، عن نفسي، استطعتُ التأثير في محيطي، وبعض من أعرفهم خاض التجربة فعلًا، وكانت وجهة نظره نفس وجهة نظري".

لكن هل بالفعل لدى الجميع القابلية لزيارة الأخصائي النفسية أو الأخصائية النفسية، حال شعروا بالضغوطات؟ "نوى" استطلعت آراء بعض الشباب، وهذه كانت النتيجة:

الشابة إسلام يوسف من مدينة رفح، لا تؤيد الذهاب إلى الأخصائية النفسية مهما حدث، فهي تعتقد أنها سوف تتعرض للنقد من محيطها الاجتماعي، الذي سيأخذ عنها صورة تقول إنها "مريضة نفسيًا".

ورغم نفيها أن يكون "المرض النفسي" وصمةً سلبية، إلا أنها تظن أن المجتمع لن ينظر للأمر بشكل عادي، سواء لمن يذهب إلى زيارة طبيب نفسي أو حتى أخصائي، وربما لو كانت الأمور أسهل، لفكرت في الأمر.

إسلام:كنت أشعر بالصداع والتوتر والغضب الدائم، أحيانًا كنت ألوم ذاتي لدرجة اعتقادي بأنني سبب المشكلة، وهنا تنبّهت لحاجتي لزيارة أخصائية، ولكن تراجعت

مرارًا تعرضت إسلام لضغوطات ناتجة عن خلافات أسرية، بسبب سكنها في بيت العائلة مع زوجها وأطفالها الأربعة، تقول: "تعلمون ما يحدث في العائلات الممتدة من مشكلاتٍ مستمرة، وهذا ما جعلني أشعر بالصداع والتوتر والغضب الدائم، أحيانًا كنت ألوم ذاتي لدرجة اعتقادي بأنني سبب المشكلة، وهنا تنبّهت لحاجتي لزيارة أخصائية، ولكن تراجعت".

وتوضح أنها في حال تعرضت لمشكلات أسرية، تلجأ إلى أخواتها، فهن سند بالنسبة لها، وحاليًا سهّلت وسائل التواصل الاجتماعي تواصلها اليومي معهن، لذا تجد مجالًا دائمًا للفضفضة.

لكن يمر الإنسان أحيانًا بضغوط نفسية، سواءً في البيت أو بيئة العمل، أو نتيجةً لفقدان عزيز، ما يدفعه إلى زيارة الأخصائي كما يرى الشاب حامد الطلّاع.

يعيش الشاب العشريني حاليًا في بلجيكا بعد أن هاجر من غزة، لقد تعرض لمرحلة إحباطٍ فظيعة حين مر بتجربة الهجرة، وما تخللها من خوف من المجهول، وحتى عندما حصل على الفيزا شعر باليأس، وعانى قلة النوم في وقتٍ كان فيه بحاجةٍ إلى الإنجاز، أما بعد السفر، فكان هناك قلق من نوع آخر، حين لم يجد ما يتوقع في إيطاليا، فتركها وذهب إلى بلجيكا، وتأخر في حصوله على الإقامة فلم يعد يقوى على المشي نتيجة وضعه النفسي الصعب. يعقب: "صحيح أن السبب إصابة سابقة، ولكن ظهرت الآن وتمكنت مني بسبب وضعي النفسي".

حامد:هنا في بلجيكا، يتدخل الأخصائي النفسي في معظم البروتوكولات العلاجية، ولا يخجل من هذا أحد هنا، لأن ثقافة المجتمع تختلف

ويتابع: "حين بدأتُ العلاج استخدم الطبيب معي أساليب نفسية، وبعد حصولي على الإقامة بدأ التوتر يتلاشى، وشعرتُ بالراحة النفسية، وزال الألم بعد أسبوعين، فلم أعد بحاجة لعملية جراحية في مكان الإصابة!".

يكمل:" هنا في بلجيكا، يتدخل الأخصائي النفسي في معظم البروتوكولات العلاجية، ولا يخجل من هذا أحد هنا، لأن ثقافة المجتمع تختلف، هم يرون أن الأخصائي النفسي كأي طبيب، والناس يتحدثون أنهم ذهبوا إلى أخصائي نفسي دون أي شعور بالتردد أو الخجل".

أما الشاب فتحي أحمد من النصيرات، فيرفض فكرة الذهاب إلى الأخصائي النفسي بالمطلق، معللًا ذلك بقوله: "علاوةً على النظرة الاجتماعية السلبية، فهناك أيضًا أسباب أخرى متعلقة بأنني لا أحب البوح بأسراري لأحد لا أعرفه".

فتحي:نحن نعيش في مجتمعٍ واحد، ونعاني مثل بعضنا، والأخصائي سيكون مثلي تمامًا، لا أعتقد أن بإمكانيته إضافة أي شيء لي

ويضيف: "نحن نعيش في مجتمعٍ واحد، ونعاني مثل بعضنا، والأخصائي سيكون مثلي تمامًا، لا أعتقد أن بإمكانيته إضافة أي شيء لي، ناهيك عن أنني لا أضمن مبدأ السرية، فهو في النهاية ليس قريبي".

ويؤكد فتحي أنه حين يتعرض لضغط نفسيٍ أيًا كان نوعه، يذهب إلى والدته التي يعدُّها مخزن أسراره ومخفف الآلام عنه، إذ لا يؤمن مطلقًا بضرورة التوجه للأخصائيين، "بل إن من يجد نفسه متعبًا، بإمكانه الشكوى لصديق مقرّب أو حتى الذهاب إلى البحر، فهو يعطي طاقة إيجابية مهمة" يردف.

ختام: الأخصائي يستخدم طرقًا وأسسًا وتقنيات وإجراءات بالتعاون مع طبيب نفسي، وأخصائي اجتماعي

تختلف معه في الرأي الشابة ختام موسى، التي تؤيد التوجه لعيادات العلاج النفسي، مستدركةً بالقول: "إذا اقتضت الحاجة وشعرت بأني بحاجة ليد معاونة، فالأخصائي يستخدم طرقًا وأسسًا وتقنيات وإجراءات بالتعاون مع طبيب نفسي، وأخصائي اجتماعي، داخل نطاق مؤسساتي، بهدف تشخيص الحالة، والتنبؤ باحتمالات تطور المشكلة، ومدى الاستجابة لمختلف أساليب العلاج للوصول إلى توافق اجتماعي ذاتي".

لكنها ترفض التصريح بأنها توجهت إلى أخصائية، حال فعلت، ولكن بكل تأكيد سوف تنصح الناس بضرورة التوجه، فالشابة التي تعمل أصلًا أخصائية اجتماعية، تدرك تمامًا طبيعة دور الأخصائي النفسي كما تدرك أهمية تدخله.

بدورها، تقول الأخصائية النفسية سناء لبد: "إن الناس يخشون التوجه للأخصائي النفسي أو الأخصائية، لأن هناك نظرة غير صحيحة عن عملهم، فهم يظنون أنهم يتعاملون مع المختلين عقليًا، وهذا زاد من سلبية النظرة، كذلك صورة الأخصائي النفسي التي يعرضها الإعلام أيضًا في المسلسلات والأفلام، عززت هذه النظرة السلبية".

لبّد:ثقافة المجتمع لا تتقبل توجه الشخص للأخصائي أو الأخصائية، وأحيانًا تتأزم الحالة، وتكون بحاجة ماسّة للتدخّل، ولكن لا ينصحه أحد بذلك

وتضيف: "إن ثقافة المجتمع لا تتقبل توجه الشخص للأخصائي أو الأخصائية، وأحيانًا تتأزم الحالة، وتكون بحاجة ماسّة للتدخّل، ولكن لا ينصحه أحد بذلك، وعادةً فإن محيطه الاجتماعي يزرع بداخله الرهبة، فيحجم عن عرض مشكلته".

ويعتمد طبيعة عمل الأخصائي النفسي على السرية المطلقة، وفقًأ للبد، "لكن المجتمع ما زال ينظر بشكل سلبي، لمن يحتاج إلى التدخل النفسي، وهذا ما يدفع بالكثيرين أحيانًا إلى التوجه لعياداتنا دون أن يخبروا أحدًا من محيطهم خشية تعرضهم للنقد" تستدرك.

وتختم: "بكل الأحوال، الأمر بحاجة إلى تعديل منظور الناس لدور الأخصائي والأخصائية، وتعريفهم بطبيعة عملهم، وهذا دور الإعلام الذي يجب أن يؤديه لخدمتنا نحن كأخصائيين، ولخدمة من يحتاجون إلى دعمنا من الواقعين تحت الضغوط".