شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 اكتوبر 2020م08:47 بتوقيت القدس

أجرة الرجال أعلى!

العاملات في موسمَي الزيتون والبلح.. حكاية شقاء

12 اكتوبر 2020 - 20:34

تنتظرُ الستينية أم كايد من مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، في كل عام، موسِمَي الزيتون والبلح على أحر من الجمر، فهما في نظرها "مواسم خير" رغم الشقاء الذي تكابده أثناء العمل فيهما.

على مدى ثلاثين عامًا تواصل أم كايد العمل في قطف الزيتون وجني البلح، في مهمةٍ قد تبدو سهلةً في نظر الكثيرين، لكنها في حقيقة الأمر شاقة ومتعبة.

تبدأ رحلتها مع شروق الشمس، وتنتهي وقتَ غروبها، وما بينهما تقضي اثنتا عشرة ساعةً متواصلةً من العمل في عزل البلح، وفرزه إلى أكوام: العفش على جهة، والرطب اليابس على جهة أخرى، أما رطب العجوة فتضعه في ناحيةٍ ثالثة، تمهيدًا لرصّهِ في الصناديق البلاستيكية أو الخشبية المفروشة بالورق مسبقًا.

تفترشُ أم كايد الأرض لساعاتٍ طويلة، بينما يداها تتعاملان مع حبات البلح بإتقانٍ كبير، تلملمها حينًا، وتعزلها عن بعضها البعض حينًا آخر، كل هذا سعيًا لتحصيل لقمة العيش، وتلبية احتياجات أسرتها التي تعاني من فقرٍ مدقع.

تقول: "أجري اليومي في جني البلح يبلغ خمسة وعشرين شيكلًا، مقابل ثلاثين أو خمسة وثلاثين شيكلًا يتقضاها الرجل على الرغم من المجهود المتساوي لكلينا"، متابعةً: "بل على العكس، إن عملي في التلقيط والفرز يحتاج إلى جهدٍ أكبر من ذاك الذي يبذله الرجل في حمل قطوف البلح، أو شد الحبل المتدلي من أعلى".

وتعقب: "الجلوس لساعات طويلة بظهرٍ منحنٍ، عملٌ لا يتحمله الرجل، ولكن قلة الحال هي التي تجعل الكثير من النساء يقبلن بالأجور الزهيدة مقارنةً مع ساعات العمل الطويلة".

وعن عملها في الزيتون، فتفضل أم كايد أن تأخذ أجرتها من الزيتون أو الزيت، حتى تغطي حاجة بيتها منهما.

وفي قرية أبو العجين شرق مدينة دير البلح في المحافظة الوسطى، تسابق أم عمر الزمن لتستطيع اللحاق برفيقاتها في العمل بموسم الزيتون.

تنهض مع  ساعات الفجر الأولى لتعد طعام الفطور لأطفالها الخمسة، قبل أن تذهب بهم عند والدتها لتعتني بهم أثناء غيابها، فأكبرهم يبلغ من العمر عشرُ سنوات وأصغرهم رضيع لم يتجاوز السنة.

أم عمر: العشرون شيكلاً التي أتقاضاها نظير عملي اليومي، الذي يمتد لأكثر من 11 ساعة متواصلة، هي بمثابة فرصة مواتية لتلبية طلبات صغاري

تقول أم عمر (29 عامًا): "أعمل في قطف الزيتون أنا وزوجي منذ خمس سنوات، لتحسين وضعنا الاقتصادي المتردي، رغم أن زوجهي حاصل على شهادة جامعية"، مضيفةً: "العشرون شيكلاً التي أتقاضاها نظير عملي اليومي، الذي يمتد لأكثر من 11 ساعة متواصلة، هي بمثابة فرصة مواتية لتلبية طلبات صغاري". فهذا الموسم –وفقًا لها- ينتظره كثيرون، ويتسابق البسطاء للحصول على فرصةٍ فيه.

وعن اختلاف الأجرة اليومية بينها وبين زوجها، تؤكد أن العُرف في هذا المجال يقول أن "أجرة المرأة تختلف عن أجرة الرجل، على الرغم من أن مجهودها لا يختلف كثيرًا عن مجهوده في العمل"، مردفةً بالقول: "جلوسي تحت الشجر لساعات طويلة من أجل تلقيط الزيتون مهمة صعبة لا يتقنها ولا يتحملها الرجال، بينما تُترك مهمة تسلق أغصان الشجر للرجال مقابل أجر يومي يفوق أجرة المرأة  بعشرين شيكل".

وتصف أم عمر عملها بـ"الصعب"، حيث تقوم بفرش الشوادر البلاستيكية تحت أشجار الزيتون، وتبدأ بتلقيط الأغصان القريبة منها، ومن ثم  تفترش الأرض لتنظيف وعزل الزيتون من الأوراق تمهيدًا لتعبئته في الأكياس. تضيف: "لا أتحرك من مكاني إلا للصلاة، أو لتناول الغداء، ويستمر عملي حتى ساعات المساء دون كلل أو ملل، وعن نفسي، أفضل العمل في الحقول القريبة من بيتي حتى أكون قريبة من أولادي".

وعلى مدار خمسة عشر عامًا متواصلة، تعمل الخمسينية أم ساهر من نفس المدينة أيضًا، في قطف الزيتون، "فهذا الموسم تنتظره هي وأبناؤها بفارغ الصبر، لتلبية طلبات البيت، وخاصةً ما يتعلق بتوفير الزيت والزيتون".

وتفضل السيدة الحصول على أجرها على هيئة زيتٍ أو زيتون، مقابل عملها في جني الثمار، فارتفاع سعرهما لا يمكنها من شراء أي منهما طوال الموسم.

وعن اختلاف الأجرة اليومية بين الرجل والمرأة تقول: "الحاجة للعمل هي التي تدفع النساء للقبول بأجور متدنية مقابل عملٍ شاقٍ ومضنٍ، لكن مثلي لا تستطيع الرفض في ظل شح مصادر العمل ومرض زوجي".

بدورها، تصف الثلاثيينة سناء من قرية الزاويدة -أم لخمسة أبناء- موسم البلح بأيام الفرج والخير، حيث تخرج للعمل في جنى البلح في المزارع القريبة من بيتها، مقابل خمسة وعشرين شيكلًا لليوم الواحد، لتعود إلى منزلها في آخر النهار، للبدء في عمل العجوة التي أحضرها أولادها من عملهم في مزارع أخرى.

وبعد تنشيفها لعدة أيام، وتحميصها في الفرن، تقطعها وتكورها الى أقراص كبيرة، ومن ثم تدهنها بزيت الزيتون لتجهيزها للبيع في محلات البقالة، أو للمعارف والجيران.   

ويعدُّ قطاعُ الزراعة، المشغل الرئيسي للنساء العاملات بنسبة 20%، ويحتل المرتبة الثانية في استيعاب النساء العاملات وفق دراسةٍ أعدها الباحث الحقوقي كارم نشوان حول واقع وحقوق المرأة المزارعة.

نشوان:لا يوجد قانون خاص بحماية حقوق المزارعين والمزارعات، حيث أن المشرع الفلسطيني اكتفى بسن قانون للزراعة دون الالتفات لحقوق من يقوم بها

ورغم توفر العمل للمرأة في المجال الزراعي إلا أن الباحث الحقوقي أكد في دراسته على وجود ضعف وهشاشة في تنظيم العاملات في القطاع الزراعي لأنفسهن، في إطار نقابة أو حركة اجتماعية للدفاع عن حقوقهن.

وبحسب نشوان، فإنه لا يوجد قانون خاص بحماية حقوق المزارعين والمزارعات، حيث أن المشرع الفلسطيني اكتفى بسن قانون للزراعة دون الالتفات لحقوق من يقوم بها، ويعمل ويسير عليها. ويؤكد أن قانون العمل يعاني قصورًا واضحًا من منظور حقوق النساء العاملات في الزراعة، موصيًا في دراسته بضرورة تحديد حاجات النساء الريفيات والعاملات في قطاع الزراعة، وبناء خطط التدخل والتمويل على هذه الحاجات، وكذلك تحديد الحد الأدنى لأجور العاملات في المجال الزراعي.