شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 اكتوبر 2020م08:40 بتوقيت القدس

"كمشة حُب" غيّرت حياة "منى"

10 اكتوبر 2020 - 22:44

شبكة نوى، فلسطينيات: كلماتٌ كما الرصاص كانت تخترق جسد منى الصغير كلما قررت أن تخرج من البيت برفقة والدتها: "الله يجبرك"، "الله يصبرك"، "إيش يا زعرة". هذه الكلماتُ كانت تنطلق صوب مسامعها بمنتهى السلاسة، دون أن يدرك أحد ما يمكن أن تفعله في قلب "طفلة".

منى الحاج ابنة مدينة جنين، اليوم كبُرت بعقلها وطموحها وقلبها الواسع، وأضحت على أعتاب الثلاثين. عبر الهاتف، قررت أن تروي حكاية المشوار الذي بدأته من الصفر تحت لقب "قصيرة قامة" –كما تصف- حتى تمكنت من تحقيق "بعض ما تصبو إليه".

في التفاصيل: ولدت منى لأبوين طبيعيين، لم يشعر أبواها في بداية الأمر بأي اختلافٍ بينها وبين أشقائها، لكن بعد مرور الأشهر تباعًا، وتأخرها عن كل مرحلةٍ من المراحل الطبيعية، بدأوا يبحثون عن السبب، خاصةً وأن أمها لاحظت أن عظامها لم تكن قوية بما يكفي، وكـانت كمن لا يمتلك مفاصل في جسده، هنا بدأت جولة من العلاج الطبيعي والمساج "لكن شيئًا لم يتغير.

بعد أن أيقن الأبوان الأمر، تقول منى: "شعرا بالحزن لبعض الوقت، لكنهم تقبلوا الأمر الواقع، واقتنعوا أن هذا قدر الله، أحبوني كما أنا، فأحببت نفسي في كنفهم، وهنا يكمن الفرق".

تتابع، وكأنما كانت تبتسم: "حين يحبك من حولك، تغلفك الطاقة الإيجابية، ويتضاءل إحساسك بالاختلاف، وهذا ما كان، أنا لم أشعر يومًا بأنني مختلفة، وكنت سبّاقةً في كل الأنشطة المدرسية الرياضية والفنية، رغم محاولات مُدرّسة الرياضة إقصائي عن ذلك خوفًا علي".

وتردف بالقول: "بعض الذكريات لا يُمكن أن تُنسى، لا زلت أذكرُ اليوم الأول لي في المدرسة، أخذتني مديرة المدرسة إلى المنصة وتحدثت للطالبات عني، وأعلنت لهم أنني أصبحت طالبة في الصف الأول، كنتُ قد تأخرت عامًا كاملًا، ودخلتُ في الفصل الدراسي الثاني، لكنني واجهت كل التحديات بحبي لنفسي، وحب الآخرين لي".

وحتى أنهت مرحلة المدرسة، لم يكن الطريق ورديًا، لكن إيمانها بذاتها كانت دافعها الدائم للنجاح، فانخرطت في دراسة تصميم الأزياء، تلبيةً لموهبةٍ وشغف ورغبة وحاجة.

تشرح بالقول: "ربما لا يخفى على أحد، أن قصار القامة يعانون في وقتٍ معين، من عدم تلبية الملابس المتواجدة في السوق لاحتياجاتهم، وهذا يدفع معظمنا إلى البحث في ملابس الأطفال، التي لا تتناسب مع مرحلة العمر التي يمكن أن نكون قد وصلنا إليها، لا من ناحية التصميم، ولا من ناحية القماش، فقررتُ طرق هذا الباب كي أتمكن من ارتداء ما يليق بي، ويلبي احتياجي هذا".

وقد نجحت، تعلق منى: "لا أجد وصفًا لإحساسي في المرة الأولى التي ارتديت فيها ملابس من تصميمي وحياكتي من الألف إلى الياء".

تميزت منى خلال سنوات دراستها بتصميم الأنشطة المدرسية بنفسها، دون العناء بالبحث عمن ينفذ لها تلك الوسائل التعليمية والأنشطة المدرسية، وهو ما دفعها لافتتاح مشروعها الخاص (كمشة حب)، بعد سنوات من البحث عن عمل، فشلت خلالها في الحصول ولو على فرصة واحدة.

عن تجربة البحث عن عمل تقول: "ما يزيد عن مئة طلب وظيفة، تقدمت به بعد أن أنهيت دبلوم تصميم الأزياء، وامتلكت بالإضافة إليه دبلومًا آخر في المحاسبة، وفي كل مرة كان يقابل طلبي للوظيفة بالرفض بعبارة (أنتِ غير لائقة)، وربما كنت دائمًا أعرف ذلك مسبقًا، لأنني أدرك كيف ينظر أرباب العمل لذوات الإعاقة، وهو ما كان بالفعل يشعرني بالعجز والقهر والغضب".

وتواصل: "ربما في تلك الأوقات، كنت أشعر بأنني مختلفة، وكنت لبعض الوقت أشعر برفض هذا الواقع الذي يقف حائلًا بيني وبين تحقيق  ذاتي، ثم لا ألبث  أن أعود أكثر قوة من قبل، وتزداد ثقتي بأن القادم أجمل".

أخيرًا وبعد سنواتٍ من البحث ومحطاتٍ كثيرة من اليأس مرّت بها منى، حصلت على وظيفةٍ في نادي جنين الرياضي كمنسقة أنشطة، بالإضافة لعملها في مشروعها الخاص "كمشة حب"، الذي يهتم بكل ما يتعلق بتجهيز المناسبات.

أما المفاجأة، فقريبًا ستقدم منى حلقاتٍ تلفزيونية ضمن برنامجٍ محلي، بينما لا زال طموحها وفق ما تصف "نهرًا لا ينضب".

تعقب: "أنا راضية لما وصلت إليه، وأيقنُ تمامًا أن إيماني بذاتي ورضاي بقدري وحبي لمن حولي، كانوا سفرائي في كل طريقٍ سلكته"، داعيةً كل ذوي وذوات الإعاقة، إلى الخروج من عباءة الأهل، ومحاولة البحث عن الذات، دون انتظار الحماية أو المساعدة من أحد، لأن السقوط والفشل "وهذا يقين" غالبًا ما يكون بدايةً لصقل الذات واكتشافها.

اخبار ذات صلة