شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 29 اكتوبر 2020م07:14 بتوقيت القدس

الانتخابات الأميركية... هل من مفاجآت!

03 اكتوبر 2020 - 11:06

شبكة نوى، فلسطينيات: استيقظ الأميركيون والعالم بأسره، أمس، على خبر صاعق عن إصابة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وزوجته بفيروس كورونا. وما زال الوقت مبكراً لإصدار أحكام سريعة، ولكن من المؤكد أن هذا الحدث سيترك آثاره القوية وبشكل قد يكون حاسماً على الانتخابات الرئاسية التي ستجري في الثالث من الشهر القادم.
وبعيداً عن سيناريوهات تفترض الأسوأ، فمن المؤكد حدوث اضطراب في الحملة الانتخابية بما فيها المناظرات المقررة والجولات المخطط لها، كما أنه من المؤكد أن فيروس كورونا الذي حاول ترامب جاهداً إقصاءه عن الحملة الانتخابية سيكون محورها الأساسي.
وقبل الخبر الصاعقة كان العد التنازلي للانتخابات الأميركية قد بدأ، وسط حالة تخبط واستقطاب عالية تسيطر على المشهد الأميركي، انعكست بوضوح خلال المناظرة الرئاسية الأولى قبل أيام. وشكلت شخصية ترامب المثيرة للجدل مصدراً لتلك الحالة، خصوصاً بعد تلميحه أكثر من مرة، وآخرها في مناظرة الثلاثاء الماضي، إلى عدم نيته تسليم السلطة في حال خسارته في الانتخابات بحجة التزوير فيها. وأثار هذا الموقف مخاوف الأميركيين من وقوع حرب أهلية، فقد تنبأ توماس فريدمان، الصحافي الأميركي الشهير، بأن بلاده قد تكون مقبلة على حرب أهلية. ولكن الحرب الأهلية ليست بالضرورة ما قد ينتظر الولايات المتحدة الآن، إذ صدر العديد من التصريحات الرافضة لموقف ترامب من قبل أقطاب الحزب الجمهوري. كما أن النظام الأميركي قد تجاوز في الماضي خلافات حول نتائج الانتخابات بين مرشحين للرئاسة عبر القضاء.
يعتبر تلميح ترامب بعدم التسليم بنتائج الانتخابات في حال خسارته لها حدثاً شاذاً وغريباً في مجتمع ديمقراطي يعتمد عملية الانتقال السلمي للحكم منذ عقود عديدة. إلا أن ذلك الموقف لترامب يأتي في سياق سلسلة من المواقف والسياسات التي وصمت حقبته، وانعكست في حالة الاستقطاب والانقسام الكبير الذي أصاب المجتمع الأميركي ما بين البيض والملونين، والمحافظين والليبراليين، والجمهوريين والديمقراطيين. وعلى ما يبدو أن ذلك الموقف جاء نتيجة قلقه من أن تأتي نتائج الانتخابات لغير صالحه، بعد أن أكدت استطلاعات الرأي الأخيرة تراجع نسبة تأييده ضمن قطاعات رئيسة في المجتمع الأميركي، بما فيها الجماعات الصهيونية المسيحية (الإفنجليلكلز)، والتي ضمنت له النجاح في الانتخابات السابقة.
وانخفضت شعبية ترامب في استطلاعات الرأي الأخيرة مقارنة بانتخابات عام ٢٠١٦، بين كبار السن ومحدودي الدخل والسود والملونين، كما تراجعت نسبة تأييده من قبل شريحة الشباب من الإفنجليكلز والأرثوذكس البيض. جاء ذلك التراجع في ظل انتقاد واسع لأدائه في التعامل مع جائحة "كورونا" وارتفاع معدلات البطالة وتصاعد موجة العنف العرقي.
فقد وجد أداء ترامب دعماً من حوالى ٨٤٪ من البروتستانت البيض قبل عدة أشهر، وانخفضت تلك النسبة إلى ٦٨٪ في شهر تموز الماضي. كما تراجعت نسبة تأييد الكاثوليك البيض له من ٤٨٪ في العام الماضي إلى ٣٦٪ هذا العام. وكان ترامب قد حشد دعم ٨١٪ من الإفنجليلكلز في الانتخابات السابقة، في أعلى نسبة تأييد حصدها مرشح جمهوري للرئاسة منذ انتخابات عام ٢٠٠٤، إلا أن ٧٥% منهم فقط أبدى ارتياحه لأدائه مؤخراً.
ورغم عدم تجاوز نسبة تأييد ترامب من قبل الأميركيين اليهود نسبة ١٥٪، وكذلك من قبل الأميركيين من أصول لاتينية وأفريقية سوداء ٥٪ من مجمل نسبة تمثيلهم الكلي (٣٠٪) عام ٢٠١٦، إلا أن استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى مزيد من التراجع في نسبة تأييدهم له. ويحصد الحزب الديمقراطي عموماً ما بين ٧٠-٨٠٪ من أصوات اليهود وثلثي أصوات الملونين، و٩٠٪ من أصوات السود.
ورغم ذلك لا يزال ٣٨٪ من الأميركيين يؤيدون طريقة تعامل ترامب مع الجائحة. فيحتضن معظم الإفنجليكلز ترامب، خصوصاً أولئك الذين يصوتون له على أساس أيديولوجي، ويشكلون ثلث قاعدته الانتخابية، ودافعوا عنه بقوة عندما تصاعدت أصوات لعزله.
ويشكل الإفنجليلكلز أكبر كتلة انتخابية منظمة ومتماسكة في الولايات المتحدة، يتراوح ثقلها الانتخابي ما بين ربع وخمس القوى الانتخابية في البلاد. وتكونت هذه الكتلة خلال حقبة الرئيس الأميركي رونالد ريغان في ثمانينيات القرن الماضي، وباتت منذ ذلك الوقت قوة مؤثرة في صنع القرار السياسي الأميركي، من خلال تأثيرها على نتائج الانتخابات.
ويدعم الإفنجليلكلز إسرائيل انطلاقاً من قناعات دينية، ومن هنا جاءت تسميتهم "الصهيونية المسيحية". كما أنهم يدعمون عموماً الحزب الجمهوري، انطلاقاً من مواقفه الأكثر محافظة من الناحية الدينية والأكثر تشدداً من الناحية القومية، مقارنة بالحزب الديمقراطي. ويعارض الإفنجليكلز التوجهات العلمانية والانفتاح الليبرالي، ويحاربون هجرة الملونين إلى الولايات المتحدة، ويرفضون التزاوج عبر الإثنيات المختلفة، خصوصاً ما بين البيض والسود، ويعادون المسلمين.
ويعارض الإفنجليلكلز قوانين استيعاب اللاجئين في أميركا، خوفاً من أن يؤثر ذلك على نسبة الأغلبية البيضاء مقارنة بالأقليات الملونة. ويهتم المسيحيون المحافظون عموماً، والإفنجليلكلز خصوصاً، بالمحكمة العليا وعملية اختيار قضاتها، والتي تأتي اعتماداً على ترشيح رئيس الدولة، لضمان التوازن الأيديولوجي لصالحهم. فقرارات القضاة في المحكمة العليا تعكس توجهاتهم في قضايا حساسة خلافية في المجتمع الأميركي كالإجهاض وزواج المثليين وحرية امتلاك السلاح وغيرها.
وتعكس سياسات ترامب ومواقفه طوال فترة ولايته حرصه على كسب تأييد الإفنجليلكلز، فقد أحاط نفسه بممثلين عنهم، على رأسهم نائبه مايك بنس، وبن كارسون وزير الإسكان، ومايك بومبيو وزير الخارجية وغيرهم. كما عمل على تعيين قضاة وموظفين كبار من الاتجاه المحافظ لحماية مواقف ومصالح الإفنجليكلز ومكانتهم ووجودهم السياسي في البلاد. فجاء تعيين ترامب للقاضية المحافظة إيمي كوني باريت قبل أيام، لخلافة القاضية الراحلة روث غينسبورغ، ضمن ذلك السياق.
ويتقدم بايدن في استطلاعات الرأي على صعيد الانتخابات الوطنية بفارق يتراوح ما بين سبع وعشر نقاط،، إلا أنه لا يمكن إغفال أهمية المجمع الانتخابي في حسم المعركة الانتخابية في الولايات المتحدة. ففي انتخابات العام ٢٠١٦ ورغم تفوق مرشحة الرئاسة هيلاري كلينتون على المرشح دونالد ترامب بفارق يزيد على ثلاثة ملايين صوت خلال التصويت الشعبي، خسرت معركتها الانتخابية لخسارتها الأصوات المطلوبة في المجمع الانتخابي. ويعتمد تصويت المجمع الانتخابي على أصوات الولايات، حيث تمثل كل ولاية في المجمع الانتخابي بعدد أصوات محدد يعكس عدد سكانها، ويحصد المرشح الفائز في الولاية جميع الأصوات المقررة لها في المجمع الانتخابي. ويبلغ مجمل عدد أصوات المجمع ٥٣٨ صوتاً، ويحتاج نجاح أي مرشح لحصد ٢٧٠ صوتاً منهم.
ومن المعروف أن معظم الولايات الأميركية تؤيد بشكل مستمر أحد الحزبين، باستثناء ست ولايات متأرجحة، يسعى كل حزب خلال الانتخابات لكسب تأييدها. وتعتبر فلوريدا ساحة معركة انتخابية مهمة، فهي أهم الولايات المتأرجحة الست لامتلاكها ٢٩ صوتاً في المجمع الانتخابي. وانخفضت نسبة تمثيل الإفنجليكلز في الولاية ما بين عامي ٢٠١٦ و٢٠٢٠ بما قد يؤثر على نتائج انتخابات الولاية لصالح جو بايدن مرشح الحزب الديمقراطي. والذي يتقدم بفارق كبير في ثلاث ولايات متأرجحة هي ميتشيغان وبنسلفانيا ووسكنسن، وخسارة دعم تلك الولايات قد يعني خسارة الانتخابات.
وأخيراً، هل ستكلل الانتخابات الرئاسية الأميركية بقبول نتائجها والانتقال السلمي للسلطة؟ ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال، فقد أعلن ترامب أكثر من مرة أنه سيعتبر الانتخابات مزورة في حال عدم فوزه فيها. موقف ترامب هذا يضع الديمقراطية الأميركية في موضع اختبار جاد، خصوصاً بعد أن دعا الجماعات العنصرية المسلحة البيضاء المؤيدة له إلى الوقوف على أهبة الاستعداد.