شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 03 ديسمبر 2020م16:00 بتوقيت القدس

انتقال المشفى ونقص أدويتهم..

مرضى "الثلاسيميا".. "كورونا" زادت على الجُرح "مِلحًا"

23 سبتمبر 2020 - 15:53

شبكة نوى، فلسطينيات: وفاة أحد مرضى الثلاسيميا يبدو موجعًا جدًا بالنسبة لأقرانه. ثلاثة مرضى من أصل ثلاثمئة تقريباً، توفّوا منذ بداية العام بسبب انقطاع الأدوية الطاردة للحديد في قطاع غزة، "والباقون ينتظرون دورهم، بين اللحظة والأخرى، نتيجة الانقطاع المتكرر للأدوية الخاصة بهذا المرض" يقول الشاب عنان أبو محسن.

يدرك عنان (23 عامًا) الذي يسكن مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، طبيعة مرضه جيدًا، حتى إنه أصبح يعطي محاضرات وورشات توعوية لطلبة المدارس والعاملين في الجمعيات المختلفة حوله، ليحدثهم عن المعاناة التي يتكبدها المصاب، التي لا تطاله وحده، بل تمس دائرة المحيطين به أيضًا.

والثلاسيميا هو اضطراب دم وراثي يؤدي إلى انخفاض نسبة تصنيع تالهيموغلوبين في الجسم، عن المعدل الطبيعي، وهو ما يجعل المرٌيض يعاني من فقر الدم مدي الحٌياة !

ويحرص عنان كلما احتاج إلى نقل الدم، إلى استخدام ما يسمى بـ "فلتر الدم"، وهي وسيلةٌ لتنقية الدم –من الخلايا التي تسبب الحساسية- تساهم في تخفيف الأعراض التي تصاحب عملية النقل، "لكنها قلما تصل المستشفيات، إما بسبب الاحتلال الذي يحاصر غزة منذ 14 عامًا، أو بسبب الانقسام السياسي الداخلي الفلسطيني".

"اليوم حظي جيد"، يحدثنا وهو يجلس على الكرسي الخاص بنقل الدم، وقد وضع له الطبيب فلترًا، يكمل: "غياب الفلتر يعني مزيدًا من المعاناة بعد نقل الدم: ارتفاع درجة الحرارة، والحكة، وأكثرها خطورة، زيادة نسبة الحديد في الجسم"، موضحًا أن غياب الفلتر يعني أنه "لن يستفيد الاستفادة المطلوبة من وحدة الدم، خاصة في ظل عدم توفر العلاج الطارد للحديد، ما يمكن أن يؤثر على الوضع الصحي العام لمريض الثلاسيميا.

يعاني مرضى الثلاسيميا وفقًا للشاب أبو محسن في الظروف العادية، من نقصٍ في التعليم والعلاج والوظائف، لكن  تفشي جائحة "كورونا"، جاء ليفاقم المعاناة، فأضحوا اليوم في حالة "حظر تجول"، وبسبب تقسيم المحافظات صاروا يعانون من أجل الوصول إلى المستشفى التي تم نقلها إلى مكانٍ آخر بسبب "كورونا"، "وهذا يعني أننا ضيوف في المكان الجديد، بالكاد نجري فحص الدم ونسارع بالمغادرة" يتابع.

ومنذ تفشي جائحة "كورونا"، وإعلان حالة الطوارئ في الأراضي الفلسطينية مطلع آذار/ مارس الماضي، تم إخلاء المستشفى الأوروبي وتحويل طاقمه الطبي ومرضاه لمستشفى الأمل التابع لجمعية الهلال الأحمر، الأمر الذي زاد من الأعباء المفروضة على الطواقم الطبية من ناحية، والمرضى من ناحية أخرى.

 يؤكد د.هاني عياش استشاري أمراض الدم، والمسؤول المباشر لمرضى الثلاسيميا في المستشفى الأوروبي حديث الشاب أبو محسن بقوله: "يمكن أن تحدث للمريض مضاعفات أثناء عملية نقل الدم، الأمر الذي يتطلب تدخل أقسام أخرى مثل الباطنة، أو الأشعة، أو التحاليل، هذه كلها كانت متوفرة للمرضى في المستشفى الأوروبي لكننا اليوم بالكاد نتمكن من عمل تحليل الدم العادي، قبل عملية نقل الدم".

وليست هذه الإشكالية الوحيدة التي يعاني منها مرضى الثلاسيميا وفقًا لـ د.عياش، إذ لا يخفى على أحد المعاناة التي يعيشها المرضى، بدءًا من احتياجهم المتواصل لنقل الدم، خاصةً –الفئة العظمى- التي تحتاج إلى نقل الدم كل أسبوعين تقريبًا، مضيفًا: "عملية نقل الدم لمرضى الثلاسيميا، رغم كونها أمر حتمي لضمان بقائهم على قيد الحياة، إلا أن لها  آثارًا جانبية كثيرة".

يشرح د.عياش ذلك فيقول: "أثناء عملية نقل الدم، يدخل جسم المريض في كل مرة ما يقارب 240 سم من الحديد الذي يمثل نصف كمية الدم المنقولة، وهذا يعادل ما يدخل الجسم بشكلٍ طبيعيٍ خلال عام، الأمر الذي يتطلب إعطاء المريض علاجًا طاردًا للحديد، لما يمكن أن يشكله ترسُّب الحديد في الجسم من تأثير  خطير على صحة المريض".

ويزيد: "مرضى الثلاسيميا في العادة لا يموتون بسبب المرض، لكنهم يموتون بسبب الآثار الجانبية لعملية نقل الدم، وهو ما يوجب توفير العلاج لهذه الفئة من المرضى دون أي انقطاع. لكن في حقيقة الأمر -والحديث لـ د.عياش- فإن نقص العلاج وانقطاعه هو الذي يؤدي إلى ترسب الحديد في أجساد المرضى، وبالتالي انعكاس ذلك على الأجهزة الحيوية كالكبد والقلب والرئتين والبنكرٌياس مما ٌيؤدي الى فشل كامل ."في وظائف هذه الأعضاء مع  مرور الوقت".

"هذه الإشكاليات تم تجاوزها في الدول المتقدمة التي بدأت بتتبع علاجات يمكن من خلالها الاستعاضة عن نقل الدم" يتابع د.عياش، مستدركًا: "لكن الأمر بحاجة لعمل فحوصات وتحاليل جينية مرتفعة التكلفة، كما تتطلب توفير مختبرات لإجراء دراسات وأبحاث علمية يمكن أن تخفف من حدة الآثار الجانبية لنقل الدم".

ويحرص د.عياش على توزيع حصة مرضى الثلاسيميا في جنوب قطاع غزة من العلاج المتوفر، بما يضمن تقليل الآثار الجانبية الخطيرة لعملية نقل الدم الدورية التي يضطر لها المصابون بهذا المرض الوراثي.

ووفقًا لـ د.عياش يضطر غالبية المرضى لاستئصال الطحال، ما يعني أن مناعتهم تصبح أقل، وقدرتهم على مواجهة الأمراض تصبح ضعيفة، ناهيك عن ترسب الحديد وتراكمه على القلب أو الكبد، ما يؤدي للوفاة مبكرا.

يتمنى الشاب عنان الذي أنهى تعليمه الجامعي بقسم المحاسبة بامتياز، كما طبيبه، أن تنتهي الأزمة على خير، وأن تعود الأمور إلى سابق عهدها، وأن يتم الضغط من أجل ضمان توظيف مرضى الثلاسيميا ضمن  فئة ذوي الإعاقة، باعتبارهم لا يستطيعون تحمل تبعات أي أعمال بدنية.

ويأمل أبو محسن أن يتم تخصيص قسم خاص بهم، وفصلهم عن مرضى الدم، أسوةً بأقرانهم في مدينة غزة، وأن يتم تحييدهم –وهذا أهم مطلب- عن أي مناكفات سياسية، من خلال إمداد مستشفيات القطاع بحصتهم الكاملة من العلاج، الذي يضمن صمودهم، ويزيد تمسكهم بالحياة.

اخبار ذات صلة