شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 03 ديسمبر 2020م15:37 بتوقيت القدس

"شقاء" خمس سنوات سوي بالأرض..

"كبّاش" سلطة الأراضي يفتّتُ فرحة شاب ببيته الجديد!

22 سبتمبر 2020 - 22:57

شبكة نوى، فلسطينيات: يجلس عبد الهادي المجايدة 23 عامًا على أنقاض منزله الذي هدمته سلطة الأراضي بعزة، يُحدث نفسه: "كنتُ أتمنى أن أسكنه قبل أن ترى ابنتي النور"، وأقسم يقول: "بنيته بعرق جبيني، وتعب خمس سنوات تحت أشعة الشمس الحارقة، ولسعات البرد في عز الشتاء".

لم يكن أمام المجايدة إلا أن يعمل أجيرًا، مرة يطلبونه، وخمسةً لا، يتكلم بحسرة: "لو يعلمون كيف كنتُ أعد الأيام، وأنا أحلم باستكمال بنائه، لو يعلمون كيف كنت أحرم نفسي وزوجتي الحامل في شهرها الأخير، من أجل استكمال بناء مكانٍ يأوينا وطفلتنا القادمة".

والحكاية من البداية، أن الشاب وبينما كان يجهّز فوق سطح بيته (قيد الإنشاء) بسطةً لوضع براميل الماء عليها تجهيزًا لانتقاله وزوجته إليه، فوجئ ببلاغ إزالة يخبره بأن الأرض "حكومية"، ليستيقظ في صباح  التاسع عشر من سبتمبر على  جرافات سلطة الأراضي، تصاحبها الشرطة الخاصة، وهي تسوي المنزل بالأرض.

يقول عبد الهادي: "جميع سكان المنطقة يعلمون بأنها أرض مملوكة لأصحابها، لقد ورثتها عن أبي الذي ورثها عن أجداده، وتحيط بها المنازل من كل اتجاه"، متسائلًا: "كيف يمكن أن تكون هذه الأرض حكومية، وتقع بين كل هذه المنازل المقامة على أراضي المواطنين".

يضيف: "هي وإن كان أجدادنا لم يسجلوها بسبب الظروف السياسية في حينه، فأطلق عليها أرض المندوب، نسبة للمندوب السامي البريطاني، إلا أن هذا لا ينفي ملكيتنا لها".

تنقسم الأراضي في قطاع غزة وفق قانون الأراضي العثماني لعام 1858 إلى خمسة أقسام (الأرض الملك، الأميرية، الموات، المتروكة، والوقف)، ولكل منها تعريف وخصوصية. لكن التغيرات السياسية على الأراضي الفلسطينية أفرزت تقسيمًا آخر يسمى "الواقعي"، ويشمل سبعة أنواع (المندوب، المحلول، المالية، الأقساط واللاجئين).

أما أراضي المندوب، فتقع جنوبي القطاع، تحديدًا في منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، وفي القرارة شمال المدينة، وأيضًا في رفح. وكلها تمتد على الساحل، وتُقدر مساحتها في خان يونس بـ6820 دونمًا، وفي رفح بـ2290، وفق "سلطة الأراضي".

وكان رئيس سلطة الأراضي ماهر أبو صبحة قد صرح في لقاء سابق مع الصحفيين، بأن سلطته ماضية في إزالة التعديات عن الأراضي الحكومية.

وأشار في تصريحه إلى أن أراضي  المندوب التي تتراوح مساحتها ما بين 5 و 6 آلاف دونم،  هي أراضٍ حكومية، وقد خيَّرَ المندوب السامي البريطاني المواطنين من العام 1928م لغاية 1930م، بوضع يدهم عليها وتسجليها في الطابو لمن أراد، وحسب  أبو صبحة لأصحاب هذه الأرض  جزء من الأحقية وليس حقًا كاملًا.

وتابع: "تم رفع توصيات للمجلس التشريعي لسن القوانين اللازمة، مع تعويض ما نسبته 18% للمتعدين على الأراضي" حسب قوله.

ويطلق اسم أراضي المندوب على أراضي المواطنين التي لم يتم تسجيلها في زمن الانتداب البريطاني، حيث نُسبت إليه بينما لصاحبها حق التصرف بها نفعًا واستغلالًا. في ذلك الوقت رفض المواطنون تسجيل الأراضي انصياعًا لأوامر الهيئة الإسلامية العليا، التي رأت في الأمر تمريرًا للسيطرة الإسرائيلية على أراضي قطاع غزة.

عودةٌ إلى عبد الهادي، الذي عاد بذاكرته إلى حيث كان يشتري الحجارة المستخدمة تارةً، ويصنعها بنفسه من خلال جمع الزفزف (الصدف المكسر) من شاطئ البحر تارةً أخرى، كل هذا ليتمكن من تأمين مأوىً آمن لطفلته التي لم ترَ النور بعد. يصمت الرجل قليلًا ويتساءل: "بأي عين وبأي قلب سأستقبل طفلتي الآن؟".

وبينما ينتاب زوجته شروق المجايدة بين اللحظة وأختها إحساسًا باقتراب موعد الولادة، إلا أنها لم  تعد متحمسةً للأمر، لقد استبدلت مشاعر الفرح بقدوم طفلتها الأولى بمشاعر الحزن والألم.

تقول لـ "نوى": "كل حجر تم هدمه بني بعرق جبين، وتعب، وشقى، وتوفير، ومساعدة من هنا أو هناك،  لتأتي جرافة تابعة لسلطة الأراضي في لحظة، وتحيله إلى كومة من حجارة لا معنى لها".

تضيف عبر الهاتف: "ننتظر مولودنا الأول خلال هذا الشهر، كنا نحاول بكل قوتنا أن يولد في بيتنا، ربما يعتقد البعض أن بضعة آلاف من الدنانير ليست مبلغًا كبيرًا ، لكن حينما تعرف أن آخر ما أملكه من مال كنت احتفظ به لمصاريف الولادة، أعطيته لزوجي كي نسكن بيتنا الذي لم يجهز بعد، ستعرفون حجم الوجع الذي نشعر به الآن، والذي سيظل مصاحبًا لنا ما حيينا".

مشاهد الخراب والتدمير تسيطر على عقل وقلب الشاب عبد الهادي حتى اللحظة، فهو لا يعرف ماذا يخبئ له الغد، ومن سيعوضه عن تعب سنوات عمره التي قضاها في العمل هنا وهناك، عن حرمان نفسه وزوجته من أجل تأمين مأوى لطفلتهم القادمة، من سيعيد له منزله كما كان؟!