شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 اكتوبر 2020م08:41 بتوقيت القدس

"أوبرا" في حيفا وقرية صَطاف بالقدس

المعمارية سلمان.. تبعث الحياة في أراضي "النكبة"

17 سبتمبر 2020 - 23:27

رام الله/ شبكة نوى- فلسطينيات:

ما من فلسطينيٍ إلا وتخيل في يومٍ ما، كيف سيعود إلى فلسطين بعد تحررها، وكيف سيجد القرى والمدن التي سمع عنها من أجداده ولم يرها، كيف سيكون شكلها لو لم يدمرها الاحتلال عام 1948؟ واستمرت في مراحل تطورها الطبيعي كبقية المجتمعات الإنسانية.

وربما يرسم البعض الآخر في مخيلته القرى والبلدات المدمرة، ويعيد تشكيلها كصورةٍ تنبض حياة، مستندًا للروايات التي سمعها من كبار السن، بينما قد يرغب البعض الآخر في إضفاء طابعٍ عصريٍ عليها، بما لا يمس هويتها الثقافية والاجتماعية.

المهندسة المعمارية ياسمينة سلمان من طولكرم (22 عامًا)، واحدة من القلائل الذين حاولوا أن يعيدوا رسم القرى المدمرة والمحتلة عام 1948، ليس كما تشتهي، بل استنادًا إلى أبحاث علمية لتصل إلى أقرب صورةٍ ممكنة لما كانت ستنشأ عليه فيما لو كانت بقيت حُرة.

عمارة الموسيقى الشعورية

قبل عدة شهور تخرجت ياسمينة من جامعة النجاح، بعد أن تمكنت من تقديم مشروع تخرجٍ فريدٍ من نوعه، هو تصميمٌ لـ"دار الأوبرا" على شاطئ مدينة حيفا، تُطلُّ على جبل الكرمل.

المشروع يهدف إلى عكس طبوغرافية حيفا الفريدة، وتناغمها الموسيقي ما بين السهل والجبل والبحر، وترجمة تلك الطبوغرافيا، إلى تجربةٍ حسية.

توضح ياسمينة أن المشروع يهدف إلى عكس طبوغرافية حيفا الفريدة، وتناغمها الموسيقي ما بين السهل والجبل والبحر، وترجمة تلك الطبوغرافيا، إلى تجربةٍ حسية تمنح الزائر أكثر من مجرد عرضٍ موسيقي، "بل رحلةً مصغرة في رُوحِ حَيْفا" .

وحسب المخططات التي أعدتها، فإن رحلة كل زائر لدار الأوبرا تبدأ من نقطة الصفر على الشاطئ، حيث خُصِّصَ لكل وافدٍ مسارًا يُقابل وسيلة النقل التي استخدمها، سواءً كانت التلفريك، أو السيارات، أو السفن، أو حتى مشيًا على الأقدام.

وبمجرد وصول الزائر ترتفع المسارات تدريجيًّا مُشرفةً من جانبيها على الشاطئ من جهة، وعلى جبل الكرمل من جهةٍ أخرى، لتلتقي في نقطةِ تجمعٍ واحدةٍ تُفضي إلى المسرح الرئيس أو المسرح الثانوي، "حينها يشعرُ الزائر بتصاعد الارتفاعات تدريجيًّا، وانطلاقها نحو أفقِ البحر، بينما يمنحه النظام الإنشائي الذي يعتمد على الكوابل إحساسًا بالتوازن والثبات، لكن دون أن تحجب النظر.

وبعد انتهاء العرض، يكمل الزائرُ رحلته في ممرٍ مفتوح محاذٍ للبحر، يتوسطه معرض زجاجي من طابقين يتضمن مكتبةً ومطعم. وفي نهاية الممر ميناءٌ يتيح له المضي في قاربٍ لجولة بحرية، قبل أن يعود أدراجه.

وعن فكرة مشروعها إنشاء "دار أوبرا" وربطها بمدينة حيفا، تقول ياسمينة لـ"نوى": "منذ بدايات دراستي للعمارة وأنا أتخيل مشروع تخرجي مرتبطًا بالموسيقى، لشعوري بالعلاقة الوثيقة بينها وبين العمارة".

وتضيف: "حينما فكرت بإنشاء الدار، وبدأت البحث عن المكان الذي يمتاز بنكهةٍ ومرجعيةٍ تاريخية في فلسطين ليكون قاعدةً لها، وجدت حيفا التي كانت ولا تزال عاصمة الموسيقى والفن في فلسطين، حتى أن لقب أم كلثوم كوكب الشرق خرج منها".

عودة الحياة إلى "صطاف"

ولم يكن تصميم دار الأوبرا هو العمل الأول لياسمينة، إذ أظهرت الشابة تميزًا كبيرًا بحصولها على الجائزة الأولى في المسابقة الدولية لإعادة إعمار القرى الفلسطينية المدمرة، التي تنظمها هيئة أرض فلسطين في العاصمة البريطانية لندن، من خلال مشروع إعادة الحياة لقرية "صَطاف" المدمرة، قضاء القدس المحتلة.

وتُعدّ "صَطَاف" من القُرى الفلسطينية المُهجَّرة التي لا يُوجد أيّ كِتاب يوَثِّقُها، الأمر الذي دفع ياسمينة لخصِّها بالمشروع، وتحويله لوثيقة مهمة تسلط الضوء على القرية وتحكي عنها .

وتبعُد القرية الفلسطينية (14) كم غرب القُدس، وتُحيط بها قرى عين كارم، صوبا، خربة اللوز، والولجة، وتُدرِجُها سلطات الاحتلال حاليًا تحت ما يسمى "الحدائق الوطنية" التابعة للصندوق القومي اليهودي.

وتفسر ياسمينة سبب اختيار صطاف على وجه التحديد، بكونها حالة دراسية مختلفة عن غيرها من القرى المهجرة، "بسبب وجود نموذجين زراعيين متناقضين بها، وهما مشهد القرية الفلسطينية الزراعية، وعلى النقيض مشهد المنتزه الذي أقامه ما يسمى بـ(الصندوق القومي اليهودي)، بعد أن تمَّ هدْم (98%) من مباني القرية".

واستطاعت ياسمينة بعد إجراء بحثٍ معمقٍ ومُطول عن القرية، مستعينةً بـ"التأريخ الشفوي"، والشهادات المرويّة على ألسنة أهالي القرية الأصلية، تحديد عناصر القرية ومعالمها، والظروف المعيشية لسكانها قبل احتلالها عام 1948م.

النساء وحفظ الهوية

وقدَّمت ياسمينة في مشروعها نموذجًا حضريًا متكاملًا للقرية ومرافقها، وشكلها الذي يجب أن تكون عليه اليوم، لو لم يمسها الاحتلال الإسرائيلي، استنادًا إلى دراسة المظاهِر العامّة لمعيشة القرية إبّان النكبة.

كما حرصت في المخطط على حفظ الهويَّة الزراعية للقرية، واستبدال الغابات الدخيلة التي تمت زراعتها من قبل "الصندوق القومي اليهوديّ"، بوحداتٍ سكنية مخصصة لعودة اللاجئين، بطريقةٍ تُحافظ على طوبوغرافية الأرض وطبيعتها الزراعية.

واهتمت المهندسة الفلسطينية بمعالجة ظروف نساء القرية الاجتماعية والاقتصادية في تلك الفترة، حيث كن يتوجهن كلَّ صباحٍ عبرَ طريقٍ مُنحدرةٍ لمسافةٍ تزيدُ عن (10 كم)، حاملاتٍ أكثرَ من (25 كجم) من المحاصيلْ إلى أسواق القُدس وعين كارم.

تلك الطريق الطويلة التي كانت النساء تسلكها للوصول إلى الأسواق، حولتها ياسمينة إلى أكشاك خشبية، لكل امرأة كشك تستطيع الجلوس فيه لعرض المحاصيل التي تزرعها في أرضها، فيأتي إليها المشترون معززةً مكرمة، دون أن تضطر للسير مسافاتٍ طويلة للوصول إلى الأسواق.

التعليم والاقتصاد

وعن طبيعة الحياة العامة في صطاف، التي مثّلت تفاصيل مهمة من أجل إعادة تشكيلها وتصويرها مرةً أخرى، تشير ياسمينة إلى أن القرية لم تتضمّن مدرسة، وإنما كان يذهب ذكور القرية إلى مدارس القرى المجاورة، ومدارس القُدس، بينما حُرِمَت الإناث من ذلك، ملفتةً إلى أن أهالي صطاف عانوا من الفقْر المُدقِع والعمَل الشاقّ لكلا الجنسيْن، حيثُ كانت تعمل النساء بالزراعةِ والحَصاد وبيْع المحاصيل، جنبًا إلى جنب مع الرجال الذين عملوا بالإضافةِ إلى الزراعة، في أعمال البناء التّابعة للاحتلال البريطانيّ.

ومن أجل ذلك وضعت ياسمينة في مخططها تصاميم عصرية للمرافق العامة وتسهيلات الحياة الجديدة، أهمها المُجمَّع التعليميّ الذي يمنح الحقّ في التعليم لجميع أهالي القرية، بِمُختلف فِئاتهم العمرية وتوَجُّهاتهم العلمية، بما يَشمل: رياض أطفال، ومدارس ابتدائية وثانوية لكلا الجنسين، ومدرسة مهنيَّة، ومركزًا لمحوْ الأُميَّة، ومكتبةً عامة، ومُجمَّعًا رياضيًا، ومَسرحًا، ومبنى إدارة، ومركزًا ثقافيًا.

أما عن اقتصاد القرية الذي يجب أن يكون عليه اليوم، فترى ياسمينة أن القرية ستكون مصدر جذبٍ للباحثين عن المنتجات الزراعية العضوية الخالية من الكيماويات، لتشكل تلك المنتجات مصدر دخل أساسي للقرية، ملفتةً إلى أنها خصصت لكل منزلٍ حديقة زراعية تستطيع كل أسرة زراعتها بالطريقة التقليدية، بما يعين الأهالي على تحقيق الاكتفاء الذاتي، "كما صممت مصنعًا زراعيًّا بين أشجار الزيتون، خصصتهُ للمنتجات العضوية، وتصديرها إلى القرى المجاورة والقدس" تعلق.

ربما يبقى مشروع ياسمينة حبيس الأدراج لسنواتٍ طويلة، وقد لا يرى النور، لكن الأهم من ذلك أن صطاف لم تعش بالعتمة بعد (72) عامًا على تدميرها واحتلالها، ولم يزل أثرها باقيًا في ذاكرة أبناء الجيل الجديد، الذين لم ينسوا قرى وبلدات فلسطين، "بل على العكس من ذلك، فهم ينظرون إلى بلادهم وهم على يقينٍ بلقائها، وحتى ذلك الحين، يجب أن نكون مستعدين حتى نعيد إليها سيرتها الأولى بقالبٍ حديثٍ ومتطور، دون المس بروحها وهويتها الأصيلة".