شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 20 سبتمبر 2020م15:15 بتوقيت القدس

قبل الانسحاب من غزة عام 2005م

جيران المستوطنات.. القهرُ يُطْبِقُ على أنفاس الذاكرة

16 سبتمبر 2020 - 23:49

غزة:

"لم أنسَ شيئًا مما عانيناه هنا: الاعتداءات على بيوتنا، وأطفالنا، والتعذيب، والتضييق، كل تلك المشاهد ما زالت حية كأنها تحدث الآن"، قالتها السيدة أم حسام العديني بنبرة قهر، قبل أن تبدأ باستدعاء تفاصيل تلك الجيرة "المشؤومة" لمستوطنة "كفار داروم" قبل انسحاب "إسرائيل" من قطاع غزة، في الثالث عشر من سبتمبر لعام 2005م.

 السيدة العديني التي تقطن حي المعني في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، كما معظم الغزّيين، عايشت في ذلك العام إخلاء سلطات الاحتلال لـ (21) مستوطنةً كانت تحتل 30% من مساحة قطاع غزة البالغة 365 كيلومترًا، وهي أيضًا "شاهدة" منذ ولدت في نفس المنطقة، إلى أن تزوّجت عام 1980م "بأنهم هم الذين جاءوا، واحتلوا الأراضي، وأقاموا المستوطنات".

أقامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مستوطنة "كفارداروم" عام 1971م في الطريق الواصل بين مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، ومدينة خانيونس جنوبه، في حين تواصلت اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال للاستيلاء على أراضي المواطنين الفلسطينيين المحيطة بها، حتى بلغت مساحتها 420 دونمًا، لـ 42 عائلة بمجموع عدد أفراد: (490) مستوطنًا ومستوطنة سكنوا على مساحة 50 دونمًا، في حين توزعت باقي المساحة بين عيادة، ومصنع تغليف خضراوات، وملعب كرة قدم، وغيرها من المرافق الخاصة بسكانها.

أم حسام: حراس المستوطنة كانوا يتحكمون في تفاصيل حياتنا اليومية، متى ندخل؟ ومتى نخرج؟ ناهيك عن الاعتداءات المتواصلة على بيوتنا

لكن هذه الكتل التي كانت تحمل رفاهيةً مطلقةً للمستوطنين داخلها، تسببت في شللٍ كاملٍ لحياة المواطنين الفلسطينيين القريبين منها، بل ولطالما نالت من أرواحهم.

تضيف أم حسام: "حراس المستوطنة كانوا يتحكمون في تفاصيل حياتنا اليومية، متى ندخل؟ ومتى نخرج؟ ناهيك عن الاعتداءات المتواصلة على بيوتنا".

في عام 1985م، تعرّض طفلها محمد لاعتداءٍ من قبل جنديٍ يحرس المستوطنة، لأن الطفل البالغ من العمر أربع سنواتٍ حينها، رفع إصبعيه الصغيرين مشكّلًا علامة النصر! ناهيكم عن ما كان يترتب على ذلك، من منع الأهالي أبنائهم من اللعب في الخارج، خوفًا من اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال أيضًا.

وتتابع: "مرةً في الانتفاضة الأولى، كنتُ أحمل طفلي، كان مريضًا، وكنتُ أريد الذهاب به إلى المستوصف، اضررت يومها للمشي مسافة 2 كيلو مترًا، فالسيارات لا تدخل منطقتنا بسبب وقوعها بمجاورة المستوطنة بالضبط".

مع دخول انتفاضة الأقصى عام 2000م، أصبحت اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال بمثابة "إجرام يومي"، ما بين إطلاق النار، والهجوم على البيوت، لدرجة أنهم ذات يوم –والحديث للعديني- أشعلوا النار ليلًا في بيت أحد الجيران، ولولا تدخّل سكان المنطقة السريع للإنقاذ، لاحترقت كل بيوتهم، هذا عوضًا عن أنهم ركبوا بواباتٍ إلكترونية، يتم فتحها بأوقاتٍ محددة، ومنح المواطنين بطاقاتٍ ممغنطة، للدخول إليها، والخروج منها.

الاعتداءات طالت أيضًا نجلها محمد، الذي تم اعتقاله عام 2003م، حين كان يبلغ من العمر 20 عامًا، وحكم عليه بالسجن 30 عامًا، مما زاد من حمل هذه "الجيرة الثقيلة".

أم حسام لم تكن تمتلك حرية التحرك داخل بيتها المكشوف لأبراج المراقبة بحرية، كما أنها كانت تذوق المر عقب كل زيارةٍ أسبوعية لابنها الأسير كونها كانت تضطر للنوم لدى أحد أقاربهم خارج الحي، لأن البوابات تُغلق قبل عودتها في كل مرة.

"أي فرحةٍ تلك التي سأشعر بها؟" تتساءل العديني ردًا على سؤال "نوى" عن مشاعرها في يوم الانسحاب؟ لتستطرد: "ابني أسير لديهم، لكن حالة القهر التي عشتها في تلك اللحظة، جعلتني أذهب إلى المستوطنة التي جاورتها لنحو 35 عامًا دون أن أعرف عنها سوى سياجها وأسلاكها الشائكة"، مردفةً: "وجدتُها واسعة جدًا وكبيرة، لم أشعر بشيء حينها فالقلب مخلوع".

 اما ابنها محمد، الذي كان من أصحاب المحكوميات العالية، فقد تحرر من سجون الاحتلال الإسرائيلي عام 2011م، ضمن صفقة وفاء الأحرار التي أبرمتها المقاومة الفلسطينية، وأفضت حينها للإفراج عن 1027 أسيرًا مقابل الإفراج عن الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي كان معتقلًا لدى المقاومة في قطاع غزة منذ عام 2006م.

محمد :كنتُ أمشي مسافةً طويلة تحت عيون جنود الاحتلال وبنادقهم، لا أنسى اقتحامهم البيوت وتفتيشها"

يقول محمد: "يوم الانسحاب كنت أسيرًا، لكنني أتذكر المستوطنات منذ طفولتي حتى اعتقالي عام 2003م". كيف ينسى؟ وهو الذي طالما تعرّض لاعتداء الجنود والمستوطنين؟ وشاهدهم يهاجمون بيته وبيوت الحي ويطرقون الأبواب بشكل مخيف؟ كيف ينسى صوت سيارات "الجيب" المرعب؟

يكمل: "حتى الآن ما زالت أشعر برهبةٍ كلما سمعت صوت طرقات أبواب قوية، أو حتى رأيت جيبًا، أتذكر بدقة كيف كان جنود المستوطنة يوقفوننا بينما نحن في طريقنا إلى المدرسة، لنرفع أيدينا لأعلى، ثم يفتشون حقيبة المدرسة ويطلبون منا رفع الجاكيت وقميص المدرسة قبل أن يتركونا نمرّ".

 ويتابع: "كنتُ أمشي مسافةً طويلة تحت عيون جنود الاحتلال وبنادقهم، لا أنسى اقتحامهم البيوت وتفتيشها". يروي محمد أنهم ذات يومٍ اقتحموا بعض البيوت، فذهب إلى بيت عمه، وأخبره أن الجنود والمستوطنين يفتشون البيت و"يسمعون الأغاني".

يبتسم ويشرح بقوله: "كنت صغيرًا ورأيتهم يسمعون الأشرطة، والحقيقة أنهم كانوا يفتشون على أشرطة الأغاني الثورية".

كانت الأغاني الثورية ممنوعة في الانتفاضة الأولى ويتم تفتيش البيوت بحثًا عنها، لاعتقال كل من يقتنيها، ولهذا كان الناس يسمعونها بالخفاء.

يضيف:"بعد انتفاضة الأقصى عام 2000م أصبحت الأمور أصعب، لقد كان يتم إطلاق النار بشكلٍ مستمرٍ على منازل المواطنين ناهيك عن الاشتباكات المستمرة، وبعد اعتقالي أخبرتني أمي بموضوع تركيب البوابات الإلكترونية والبطاقات الممنغطة والتضييقات التي زادت، لم أعش لحظة الانسحاب التي طالما تمنيتها مذ كنتُ طفلًا" يصمت قليلًا ويكمل: "رغم خروج المستوطنات منذ 15 عامًا، لكن كل ما حدث لي منذ طفولتي في محيطها ما زال يرافق ذاكرتي حتى الآن".

إلى مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، حيث لا ينسى الشاب هلال المجايدة "33 عامًا"، حين تم نقله إلى المستشفى بحالةٍ خطرة إثر اعتداء مستوطني "نيفيه دكاليم" عليه عام 2005م. لقد مكث في غرفة العناية المركزة لأكثر من 14 يومًا، بينما بقي في المستشفى لتلقي العلاج مدة 6 شهور.

هلال: زعم جنود الاحتلال حينها أنهم حاولوا حمايتي من ضرب المستوطنين، ولكنهم كاذبون، هم الذين سلموني لهم

المجايدة الذي كان يسكن في قرية المواصي غرب المدينة، كان "جارًا" لمستوطنة "نيفيه ديكاليم" الزراعية، التي أقيمت على أراضي المواطنين عام 1983م. يقول لـ "نوى": "كان عمري حينها 18 عامًا، قبل الانسحاب الإسرائيلي بفترة سكن المستوطنة مستوطنون قدموا من بيت لحم، كانوا يعتدون بشكلٍ دائمٍ على بيوت المواطنين في المنطقة المجاورة للمستوطنة".

وذات يوم اعتدى المستوطنون على بيت جارٍ لهم من عائلة الأسطل، هبّ الجيران (وهم لا يتجاوزون عدد سكان 10 بيوت) للمساعدة وكان من بينهم هلال، الذي ذهب لاستطلاع الأمر فهاجمه المستوطنون، واعتدوا عليه بالضرب، وأطلقوا عليه النار، ثم تم نقله بعدها إلى المستشفى في حالة خطرة.

يتابع هلال سرد المشهد كأنما كان يراه: "زعم جنود الاحتلال حينها أنهم حاولوا حمايتي من ضرب المستوطنين، ولكنهم كاذبون، هم الذين سلموني لهم (..) على أية حال، هذا الاعتداء لم يكن الوحيد، فالمستوطنين اعتدوا مرارًا على أناسٍ كانوا يمرون من المنطقة دون أي سبب".

كانت المستوطنة تضم وفقًا لقول هلال 400 وحدة سكنية، ومبنىً للمخابرات الإسرائيلية، هم (سكان المنطقة) كانوا يرونها ويعرفون شوارعها بشكل جيد، لأنهم لطالما مروا من خلالها كونها الطريق الوحيد بالنسبة لهم، ولكن الأمر لم يخل من اعتداءات أيضًا.

يواصل حديثه: "لم نكن الوحيدين الذين تم الاعتداء علينا، أذكر أنهم كانوا يطلقون النار على رعاة الأغنام الذين يمرون من المنطقة ويسرقون منهم أغنامهم، أيضًا حدث أن أطلقوا النار على سيارة مواطن من عائلة زعرب كان متجهًا إلى المستشفى من أجل ولادة زوجته التي وضعت طفلها على الحاجز"، متابعًا: "وفي مرة، أطلقوا كلابًا مفترسة نحو طفل عمره 14 عامًا اسمه كفاح زعرب ورأيت بعيني الكلاب المفترسة وهي تغادر الأسلاك الشائكة المحيطة بالمستوطنة وتهاجم الطفل وتعضّه".

المعاناة التي عاشها هلال نتيجة إصابته، جعلته يشعر بالسعادة الشديدة يوم الانسحاب الإسرائيلي، لم يكن به حاجة لرؤية المستوطنة فهو يحفظها، لكنه يبدي أسفه أننا في قطاع غزة لم نحسن استثمار أراضي تلك المستوطنا التي كانت تطبق على أنفاس الحياة هنا، بشكل جيد.

صورة لهلال المجايدة عقب إصابته مباشرة عام 2005

كفاداروم من الداخل

كاريكاتـــــير