شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 23 سبتمبر 2020م02:23 بتوقيت القدس

بين جزرة ماكرون وعصا ترامب

12 سبتمبر 2020 - 12:20

شبكة نوى، فلسطينيات: فعلتها الإدارة الأميركية، ودفعت بالوضع اللبناني نحو بازار العقوبات الاقتصادية، فأطلقت مسار العقوبات على مسؤولين لبنانيين مقربين من «حزب الله»، في عز المبادرة الفرنسية، وعلى وقع «المفاوضات» الجارية لتأليف الحكومة اللبنانية.
ولم يبالغ مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر عندما قال غداة إعلان اللائحة الجديدة للعقوبات الأميركية التي طالت الوزيرين السابقين لحركة أمل علي حسن خليل ولتيار «المردة» يوسف فنيانوس، ان هذه العقوبات هي رسالة الى كل من يتعامل مع «حزب الله».
ويرى الخبراء بأن العقوبات هي فاتحةُ «الجيل الخامس» من خطة الضغط الأميركي، وهو جيل يُتوقّع أن يكون أكثر عمقاً وسخونة وفاعلية ويستهدف خنق «حزب الله» وبيئته.
الجيل الأول بدأ في العام 2017، مع تولّي ترامب الرئاسة، وهو قضى باستهداف كوادر «حزب الله» وخلاياه في العالم، وإطلاق التحذيرات للقطاع المالي والمصرفي اللبناني من مغبة السماح لـ»حزب الله» بخرقه والتسلّل من خلاله إلى القطاع المصرفي الأميركي.
وقد جاء بيان هيئة الرئاسة في حركة أمل التي تداعت لاجتماع استثنائي للرد على القرار الأميركي ليبلغ الأميركيين ان الرسالة وصلت وذهب بيان الحركة نحو وضع القرار في خانة ربط العقوبات على مسؤول فيها بملف ترسيم الحدود الذي يتولاه نبيه بري مباشرة، والذي بحسب البيان، يرفض التنازل او المساومة على الحدود والحقوق اللبنانية، مهما بلغت العقوبات.
ويمكن قراءة «الفرمان» الأميركي في مستويات عدة: المستوى الأول، وهو يوجه بدوره رسالة الى «حزب الله» بأنه لم يعد في الإمكان التعويل على مؤسسات الدولة وإداراتها لتسهيل عملياته، وان السلطة السياسية في الوزارات لم تعد قادرة على تأمين الحماية والمظلة لتلك الإدارات، بعدما اصبح سيف العقوبات مسلطاً فوق رؤوس الجميع دون استثناء.
المستوى الثاني، حضر كاستهداف شخصي لبري لما يمثله علي حسن خليل في تركيبة حركة أمل، وهو جاء كرد على تسلح لبنان بنفس المندرجات التي أعلن عنها سابقاً حيال ملف ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل. ثمة من يقول، إن هناك أهدافا استراتيجية أبعد، ويبدو أن واشنطن تريد قطع الطريق على أي إمكانية أو احتمال لأدوار مستقبلية أكبر يتولاها حسن خليل. الحديث هنا عن الوراثة السياسية لدور الرئيس بري.
ولكن هل هذا هو السبب الوحيد وراء إدراج خليل ومعه فنيانوس على اللائحة؟
الأكيد ان التهديدات والتحذيرات التي أطلقتها الإدارة الأميركية منذ اشهر على لسان ابرز مسؤوليها حول دفعات قريبة لعقوبات جديدة لم تكن في إطار التهويل، وهي لن تتوقف عند خليل وفنيانوس، بل هي مرشحة لبلوغ أسماء اكبر وارفع شأناً.
والدفعة المقبلة لن تستثني الحلفاء المسيحيين وعلى رأسهم الوزير السابق جبران باسيل الذي أبقي على اسمه بعيدا عن اللائحة، بسبب تسديده فواتير، بلغت حدها الأقصى، اليوم. علما أن تحييده مرحلي.
وتجنب إدراج باسيل على لائحة العقوبات في هذه المرحلة، لا يعني تعويمه، بل يعني، وضع أثقال مرهقة على أكتافه، ودفعه إلى فك التحالف مع «حزب الله»، هنا يبرز تساؤل تفرضه الوقائع عن استعداد باسيل لتحمل تبعات فرض عقوبات اقتصادية تقطع الطريق على تقلده أي منصب رسمي. ما يستلزم الحسم في ظل انعدام الهوامش، وهذا الأمر لن يمر دون دفع أثمان باهظة.
المطلعون يقولون، إنّ الهدف الأميركي الأساسي في المرحلة الحالية هو فكّ التحالف الذي يقيمه «حزب الله» مع رئيس الجمهورية ميشال عون وتياره السياسي. وفي تقديرهم، أنّ ابتعاد «التيار» يكفي وحده لإفقاد «الحزب» أي تغطية في السلطة.
على كل حال، عندما جاء الرئيس الفرنسي حاملاً مبادرته الرئاسية، لم تر القوى اللبنانية إلا الجزرة الفرنسية وأغفلت العصا الغليظة للعقوبات الأميركية، رغم ان ماكرون كان بدوره واضحاً وحاسماً عندما ابلغ هذه القوى بأن العقوبات آتية.
السؤال المهم، الآن، كيف سينعكس الأمر على مسار تأليف الحكومة الذي دخل مخاض الولادة تحت وطأة المهلة الفرنسية الضاغطة، وهل يتبرأ المجتمعون في مقر السفير الفرنسي من توقيعهم والتزامهم أمام ماكرون خارطة الطريق التي حملها فيذهب المتضررون منهم الى التصعيد، وماذا سيكون موقف باريس،؟
ولكن السؤال الأهم هو، هل العقوبات الأميركية.. دفع لتشكيل الحكومة أم شغب على المبادرة الفرنسية؟
وهل هي الوجه الخشن لمبادرة ماكرون الناعمة! أم لا.
هناك خشية من أن تكون العقوبات عبارة عن محاولات أميركية لـ»الشغب» على المبادرة الفرنسية، خصوصا بعد «الاستلطاف» الذي ظهر بوضوح بين «حزب الله» والرئيس ماكرون الذي لم يكن لديه أي حرج في ترحيل الأمور الخلافية المتعلقة بالانتخابات النيابية المبكرة والسلاح والاستراتيجية الدفاعية الى مرحلة لاحقة، وإعطاء الأولوية لإنجاز الإصلاحات والتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، وإعادة الإعمار، ومكافحة «كورونا»، وانتزاعه موافقة قوى 8 آذار على الورقة الإصلاحية الفرنسية المرشحة لأن تكون بنودها من ضمن البيان الوزاري.
وهناك من يرى بأن العقوبات الأميركية، ربما تشكل ورقة بيد ماكرون للضغط على القوى السياسية اللبنانية لتطبيق وتنفيذ ما اتفق عليه. واستخدام عصا العقوبات كسلاح فعال في وجه من يعطل الإصلاحات.
علما ان سقف المواجهة يبقى رهن موقف «حزب الله» من العقوبات وكيف سيترجمه داخلياً وحكومياً، وهو الذي يدرك ان معركة عزله وخنقه مالياً على كل الصعد، بما فيها شرايين الدولة ومؤسساتها مستمرة، وقد يدفعه ذلك إلى التشدد، والإصرار على حكومة سياسية وعلى مشاركته بالحكومة اللبنانية، على غير ما نصت عليه المبادرة الفرنسية.
وهنا لا بدّ من التوقّف عند محاولة الثنائي الشيعي قبل القرار الأميركي بفرض عقوبات، استثناء وزارة المالية من المداورة بحجّة المشاركة في صناعة القرار الإجرائي. هنا بالضبط تتمركز الحساسية، فالثنائي الشيعي أبلغ رسالته بألا تنازل عن الحقيبة. وهو لا يقبل تحت أي ذريعة وظرف ومنها العقوبات، التخلي عن وزارة المال وهي خسارة ذات بعد إستراتيجي تفوق مسألة تشكيل الحكومة في لبنان بأشواط.
ولا شك في أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة، وستشهد كثيرا من شدّ الحبال، فالرئيس ماكرون لا يزال متمسكا بمبادرته ويتابع تفاصيلها عن كثب سعيا لإنجاحها، والرئيس المكلف لا يزال عند موقفه في إسقاط المواصفات التي يراها مناسبة على أسماء الوزراء ورفع تشكيلته الحكومية الى رئيس الجمهورية رافعا سيف الاعتذار في وجه الجميع.
فهل تكون هذه العقوبات فرصة لتذليل العقبات وتعمل على ولادة الحكومة لتبصر النور سريعا؟، أم أنها ستضع «العصي في الدواليب» وصولا الى إفشال المبادرة الفرنسية واستدراج مزيد من الحصار على لبنان.

كاريكاتـــــير