شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 27 سبتمبر 2020م06:53 بتوقيت القدس

الأبوان محجوران ويتساءلان عن "لجان الطوارئ"

"كورونا" تترك أربعة أطفالٍ بمفردهم في شقة!

11 سبتمبر 2020 - 23:38

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

أربعة أطفال لا يتجاور أكبرهم الثانية عشر، وحيدون في المنزل، لا ترافقهم سوى مخاوفهم وحزنهم على فراق والديهم القسري، لا يؤنسهم سوى اتصالاتهما المتكررة، ومثلها من بعض الأقارب والأصدقاء، للاطمئنان على حالهم.

لم يخطر إطلاقًا في بال أسماء أبو نقيرة، وزوجها نسيم حسن، أن يُرغما على ترك أطفالهما وحدهم في المنزل لوقتٍ غير معلوم، لكن ذلك حدث فعلًا، عندما شعر نسيم الذي يعمل مسعفًا في دائرة الإسعاف والطوارئ بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، بأعراضٍ تشبه أعراضَ الإصابة بـ "كورونا".

بدأت القصة، لحظةَ أبلغ حسن الجهات المختصة بارتفاع درجة حرارته، وجفاف أنفه، فخضع لأخذ المسحة المخبرية، التي ظهرت نتيجتها بعد يومين اثنين "إيجابية".

بدأت القصة، لحظةَ أبلغ حسن الجهات المختصة بارتفاع درجة حرارته، وجفاف أنفه، فخضع لأخذ المسحة المخبرية، التي ظهرت نتيجتها بعد يومين اثنين "إيجابية"، ما دفعَ دورية إسعافٍ ترافقها أخرى تابعة لجهاز الشرطة لاصطحابه، وإغلاق المبنى السكني الذي يقطنه وعائلته بالكامل، إلى حين إجراء فحص (PCR) للعائلة، وجميع المُخالطين.

كان المشهد صعبًا للغاية، بكت زوجتي وعائلتي، أبنائي أيضًا تابعوني بدموعهم من شرفة المنزل حتى ركبت السيارة، ودعتهُم من بعيد، ووعدتهم بأنني سأعود قريبًا"، يقول نسيم لـ "نوى"، من مقر عزله في المستشفى التركي.

ويتابع بصوتٍ متقطع: "لم تكسر قلبي أيًا من الأحداث التي توالت على قطاع غزة خلال السنوات الماضية، لكن هذا المشهد كان أقوى من احتمالي، كل ما كنتُ أفكر فيه لحظتها وأخشى أن يحدث حقًا هو أن تكون نتيجة زوجتي مثلي "إيجابية""، "وطوال يومين ما قبل ظهور نتيجة فحص العائلة، كنتُ أدعو الله أن يخالف توقعاتي لكيلا يزيد همي همًا جديدًا، فهي الدرع الحامي للأسرة في غيابي" يزيد.

لكن النتيجة جاءت لتنسف كل أمنيات نسيم، "بكت أسماء كما لم تبكِ من قبل، كيف ستترك الأطفال وحدهم في المنزل؟ خاصةً وأن شقيقاي ووالدتي وزوجة أخي كانت نتائجهم موجبة أيضًا"، مشيرًا إلى أن الأمر يختلف عن أي غيابٍ سابق، إذ اعتاد في السنوات الماضية السفر برفقة زوجته للعلاج من أجل إجراء عمليات زراعة، "لكن هذه هي المرة الوحيدة التي يبقى فيها أولاده وحدهم بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فهم ممنوعون من الخروج من المنزل، كما يمنع دخول أي شخص إليهم".

"من لطف الله أن ابنتي "سلمى" كانت نتيجتها أ

إيجابية فهي ذوات الإعاقة البصرية، فتم حجرها معي في المكان ذاته".

يصف نسيم التجربة التي تمر بها عائلته بـ "القاسية جدًا"، ويردف: "ومن لطف الله أن  ابنتي "سلمى" (وعمرها ١١ عام) تحمل الفايروس فهي من ذوات الإعاقة البصرية، فتم حجرها معي في المكان ذاته".

ولا يخفي المسعف نسيم أنه في كثيرٍ من الأوقات يتمنى لو كانت نتيجة بقية أطفاله  إيجابية، "إذ كنا سنجتمع تحت سقفٍ واحد، أما اليوم فنحن (أنا وزوجتي) مضطران لمتابعة أحوال أطفالنا عبر الهاتف حينًا، ومرات عديدة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي توفر خاصية محادثة الفيديو".

يصمت قليلًا ويكمل بحرقة: "ليس من السهل أن يبقى أربعة أطفال داخل أسوار شقتهم دون رعاية من شخص كبير، ولا تكاد تمر ساعة حتى أعاود الاتصال للاطمئنان عليهم، لأكرر الوصايا بعدم استخدام الغاز، أو العبث بأي شيء يمكن أن يؤذيهم بلا قصد منهم، هم في النهاية أطفال".

كل شيءٍ في البيت متوفر "لكنهم أطفال لا يجيدون الطبخ، وحتى لو فكروا في ذلك، فلا يمكنني أن أغامر بالسماح لهم ولو بإعداد وجبة بسيطة.

"لكن كيف يتدبر أطفالك أمورهم؟ ومن يُعِد لهم الطعام والشراب؟" سألته "نوى" فأجاب: "منذ بداية الأزمة عمدتُ إلى شراء احتياجات المنزل، لمعرفتي بأن حظر التجول قد يطول، في الوقت الذي قد أغيبُ فيه عن البيت كثيرًا"، مبينًا أن كل شيءٍ في البيت متوفر "لكنهم أطفال لا يجيدون الطبخ، وحتى لو فكروا في ذلك، فلا يمكنني أن أغامر بالسماح لهم ولو بإعداد وجبة بسيطة، أطفالي الخمسة أنجبتُهم من خلال الزراعة ولكِ أن تتخيلي حجم المخاوف التي تعتريني وزوجتي عليهم".

ويلفت إلى أن أحد مطاعم خان يونس تكفل بتقديم وجبة غداء للأطفال الأربعة مدة (10) أيام، وهو ما يعدُّ بادرة خير عظيمة، لكنه يعتقد أن لجان الطوارئ الحكومية كان من واجبها رعاية أطفال العاملين في خط الدفاع الأول دون المس بكرامتهم، "فأنا أصبت بالفايروس أثناء أداء واجبي المهني بنقل المصابين، معرضًا حياتي وحياة عائلتي للخطر، لذا من حق أطفالي الحصول على رعاية كاملة إلى حين تشافيًّ ووالدتهم من الإصابة".

ولوهلة فكر نسيم وزوجته باستحضار خالة الأطفال للاعتناء بهم، لكنهما سرعان ما تراجعا كون الأطفال من المخالطين، ويمكن أن تظهر عليهم الأعراض في أي لحظة، أو تكون نتيجتهم موجبة في التحليل القادم.

"كل ما يحتاجونه في هذا الوقت أن تتوفر لهم الوجبات الثلاث، لحمايتهم من أي خطر حال تفكيرهم باستخدام أدوات المطبخ".

وذهب نسيم إلى القول: "أطفالي ليسوا بحاجة لمساعدات على شكل كوبونة غذائية لن يتمكنوا من الاستفادة منها، كل ما يحتاجونه في هذا الوقت أن تتوفر لهم الوجبات الثلاث، لحمايتهم من أي خطر حال تفكيرهم باستخدام أدوات المطبخ".

هذا أكثر ما يطلبه ضابط الإسعاف الذي عمل طوال الشهور الماضية في نقل المصابين دون تراخٍ أو خوف، لكنه اليوم لا يُخفي حزنه على حال أطفاله "الوحيدون" في ظل جائحةٍ تمنع حتى أقرب المقربين من الوصول إليهم ورعايتهم، "فأين هي لجان الطوارئ من مثل هذه الحالات" يكرر التساؤل ويختم.

كاريكاتـــــير