شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 03 ديسمبر 2020م15:19 بتوقيت القدس

في مستشفى "الوبائيات" تحاربُ "كورونا"..

ماذا تُخفي الحكيمة "حنين" خلفَ قناع "الوقاية"؟

06 سبتمبر 2020 - 22:05

شبكة نوى، فلسطينيات: جاء صوتها عبر الهاتف قويًا صلبًا، من مقر عملها في مستشفى الوبائيات "الأوروبي" بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، حين قالت لـ "نوى": "خبأت ليلتها كل مخاوفي، واستجمعتُ قواي، ثم أخبرتُ عائلتي بأنني سأتوجه صباحًا لأصعب مهمة في حياتي، تمريض مصابي كوفيد- 19".

تذكر حنين، دموع والديها بينما كانا يودّعانها وهي توضب بعض حاجياتها الأساسية في حقيبتها الخاصة، "لم يكن الأمر هينًا عليهما، أو علي.. أنا في نظريهما أغادر نحو المجهول" تضيف. كانت الشابة طوال الطريق تحاول استعادة كل ما تعلمته وتدربت عليه، كانت تسأل نفسها عن أدق التفاصيل، حتى طريقة ارتداء الزي في وقتٍ قياسي، فالاستهتار بأي جزئية، يمكن أن يضعها في دائرة الخطر.

بعد وصول الحكيمة الشابة حنين أبو بكرة، المستشفى الأوروبي، شَعرت بأن كل ما تدربت عليه خلال سبعة أشهر مضت، حول التعامل مع حالات "كورونا"، تلاشى من تلافيف الذاكرة! كانت كالمشدوه، ينظر حوله، ولا يعرف من أين؟ ولا كيف يبدأ! تصمتُ قليلًا ثم تعقب: "أنا حقًا لا يمكنني أن أصف مشاعري في تلك اللحظات، ما أذكره أنني قررت البدء بالعمل". 

حنين أبو بكرة: لم أجد نفسي إلا وقد كنت أولى المُقدِمات على استقبال المرضى وتوصيلهم كلًا إلى مكانه".

وتتابع: "بمجرد وصولنا إلى مستشفى الوبائيات، بدأنا بعمل بروفات تدريبية سريعة لكيفية استقبال المرضى والتعامل معهم، وما كدنا ننتهي من ارتداء الزي الخاص بالتمريض مع كافة الاحتياطات،  حتى بدأت سيارات الإسعاف تصل تباعاً لتوصيل مصابي كورونا"، مردفةً بعد أن ضحكت بخفة ظل: "لم أجد نفسي إلا وقد كنت أولى المُقدِمات على استقبال المرضى وتوصيلهم كلًا إلى مكانه".

أبو بكرة، التي خضعت برفقة غالبية الكوادر التمريضية لتدريب "مواجهة فايروس كورونا" ضمن استعدادات وزارة الصحة في قطاع غزة، كانت أخلاق المهنة تدفعها نحو المشاركة في تقديم الخدمة للمرضى أيًا كان وضعهم، "وهذه رسالة التمريض الإنسانية، لا يمكنني أن أتخلى عن من يحتاجني بقربه في ظل جائحةٍ لم تبقِ ولم تذر".

زوجان كبيران بالعمر، وحيدَين، بلا أهل أو مرافقين، وحدها مخاوفهما من الموت ترافقهم"، تضيف: "لم أتمكن من حبس دموعي، التي كانت تنهمر تحت الأغطية البلاستيكية التي تلف وجهي وتخفي ملامحي ومشاعري".

تؤكد أبو بكرة، أن توزيع المصابين على العنابر كان وفق اختيارهم، "فالعائلات كنا نضعهم في غرفة واحدة حسب رغبتهم، ومن يريد أن يكون وحده وفرنا له مكانًا منفردًا، لأن الراحة النفسية لها الدور الأكبر في عملية الشفاء" تكمل.

من أكثر الحالات التي تركت أثرًا في نفس حنين، وذرفت من أجلها الدموع كما تروي لـ نوى: "زوجان كبيران بالعمر، مع وصولهما المستشفى كانا يبكيان كما الأطفال، كانا يشعران بأنهما وحيدَين، بلا أهل أو مرافقين، لا ابن ولا صديق أو قريب، وحدها مخاوفهما من الموت ترافقهم"، تضيف: "لم أتمكن من حبس دموعي، التي كانت تنهمر تحت الأغطية البلاستيكية الكثيرة التي تلف وجهي وتخفي ملامحي ومشاعري".

ما زاد الطين بلة لحظة افتراقهما كل واحدٍ إلى عنبره، تصف حنين المشهد بالقول: "وقف كل منهما على مدخل العنبر ودموعه تنهمر، وكأنه الوداع والخوف من عدم اللقاء ثانيةً".

 أما عن حالهما اليوم بعد أيام من التواجد في المشفى، تزيد: "يتواصلان عبر تطبيق الواتساب، كما يتواصلان مع ذويهما بالخارج، أصبحا أكثر تقبلاً للأمر، واستطعنا أن نوفر لهما الدعم النفسي اللازم".

"هذا الوباء يمكن أن يخطف أعز الناس في لحظة، يمكن أن يحرمك حتى من وداع من تحبهم بلحظة الوفاة وهو الأصعب على النفس".

تؤكد حنين أن عملها وزميلاتها العشر الأخريات، لا يقتصر فقط على تتبع الحالة المرضية فحسب، "لقد  أصبحنا عائلة بالفعل، نعرف عنهم الكثير، ونسمع منهم أكثر، نخفف آلامهم، ونستمع إلى طلباتهم ونحاول تلبيتها وفق المتاح والممكن" تضيف.

توجه حنين للمواطنين خارج الحجر نداء ورجاءً بالالتزام بالتباعد واتباع التعليمات وإجراءات السلامة والوقاية مفاده: "هذا الوباء يمكن أن يخطف أعز الناس في لحظة، يمكن أن يحرمك حتى من وداع من تحبهم بلحظة الوفاة وهو الأصعب على النفس".

رغم ارتفاع درجة الحرارة عن معدلها الطبيعي، تضطر حنين وكل من يعملون مع المرضى من مسافة صفر إلى ارتداء الزي البلاستيكي العازل، المكون من عدة طبقات، بما يمكنه تحقيق حماية من العدوى، وهو ما ترك على أجسادهم حروقًا وتسلخات، يزيد وجعها كل يوم مع زيادة التماس بينها وبين الزي الحامي".

على أية حال، فإن حنين لما استجابت كما كل الطواقم الطبية والتمريضية، للمساهمة في مواجهة الجائحة، كانت تؤمن أن أي تضحية لا تساوي التخفيف عن المرضى آلامهم، ومساندتهم لتخطي الأزمة.

أكثر من تفتقده حنين في هذه الأيام "لمة العيلة وحضن الأم الدافئ"، لكنها تحاول أن تعوض الأمهات المصابات عن أبنائهن، والأطفال الموجودين معها عن أمهاتهن، تقول: "ملائكة الرحمة، هكذا يجب أن نكون".

حنين، الشابة القوية التي تبتسم للمرضى من خلف القناع، وتحاول دعمهم نفسيًا، سرعان ما تغرق في دموعها بمجرد انتهاء الدوام والعودة للسكن،

حنين، الشابة القوية التي تبتسم للمرضى من خلف القناع، وتحاول دعمهم نفسيًا، سرعان ما تغرق في دموعها بمجرد انتهاء الدوام والعودة للسكن، تقول: "نحن نعمل في ظروفٍ صعبة، وقلقٍ وخوف، لا يمكن أن نظهره، نحن نخفف عن المرضى ولا نشعرهم بأي شيء، وكل آلامنا تتوقف أمام الواجب الذي لا يمكن أن  نتخلى عنه".

ورغم ما تسمعه حنين كل يوم من إصابة لأحد الكوادر الطبية إلا أن هذا لم يغير شيئًا، هي مستمرة في دعوة كافة زملائها للالتزام بإجراءات الوقاية والحماية بحذافيرها.

تضحك بينما تتمتم: "سأحتفظ بكل هذه التفاصيل، وسأروي التجربة لأبنائي وأحفادي، بعد أن نخرج من هنا سالمين".