شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 سبتمبر 2022م06:56 بتوقيت القدس

انتهاكات صارخة لحقوق السكان..

ملاعب مُعشَّبة بين المنازل وسكانٌ لا يزورهُم الليل!

18 اعسطس 2020 - 14:32

غزة :

مع سكون الليل وحلول الظلام، يخيم الصمت على أجواء مخيم الشاطئ غرب غزة، باستثناء ذلك الملعب الذي يتوسط إحدى حارات المخيم الأكثر اكتظاظًا بالسكان، إذ يبدأ مع غروب الشمس بتصدير ضجيجه لسكان المنطقة الذين يحطيون به من كل جانب.

يصمت كل شيء في ذلك الوقت، إلا صرخات اللاعبين والمشجعين، التي تستمر في أيامٍ كثيرة، إلى قريب الفجر، خاصةً إذا تزامن ذلك مع بث مباريات الدوري، ناهيك عن صوت مولدٍ كهربائي كبير يبعث تلوثه وضجيجه البيئي والسمعي لكل سكان المنطقة.

يحيط الملعب- الذي تم البدء بتجريفه قبل أيام لصالح محلات تجارية- صالة بلياردو، والعديد من المحال التجارية التي أُنشأت بجواره، لتصبح وجهًا آخر للضجيج، صغارٌ وباعة تدوي نداءاتهم حتى منتصف الليل بما يشكّلُ مصدر إزعاجٍ واضح، وانتهاكًا لراحة وخصوصية المساكن المحيطة.

شكاوى عديدة، رُصِدَت من طرف شبكة "نوى" على ألسنة السكان المجاورة بيوتهم للملاعب المعشبة، ليس في مخيم الشاطئ وحسب

شكاوى عديدة، رُصِدَت من طرف شبكة "نوى" على ألسنة السكان المجاورة بيوتهم للملاعب المعشبة، ليس في مخيم الشاطئ وحسب، ففي قطاع غزة أكثر من 100 ملعب موزّعة على مستوى المحافظات الخمس، تبعًا لعبد الرحمن طافش، الناطق الإعلامي للمجلس الأعلى للشباب والرياضة، "وبعضها يقف خلف إداراتها متنفذون من أصحاب المناصب" على حد قول بعضٍ ممن استمعت إلى شكاواهم "نوى".

بدأت ظاهرة الملاعب المعشبة بين الأحياء السكنية تتسع بشكل لافت في قطاع غزة، في ظل ما يعانيه القطاع من حصار إسرائيلي وظروفٍ معيشيةٍ صعبة، عندما بدأ بعض المستثمرين بإنشاء ملاعب تراعي الحالة الاقتصادية للمواطن الفلسطيني، بيدَ أن انعكاساتها لم تراعِ حالة وخصوصية المنازل المجاورة أبدًا.

20% من الملاعب الـمئة فقط، يتبع للمجلس الأعلى للشباب والرياضة، أما النسبة الباقية، فهي لمستثمرين من القطاع الخاص، تضمن بعضها افتتاح قاعات للعب البلياردو، وتأجير ما حولها لأصحاب المحال التجارية، لتصبح المنطقة المحيطة للملاعب، سوقًا لا حيًا سكنيًا.

وما يمثل الانتهاك الأكبر، هو عدم مراعاة كثيرٍ من هذه الملاعب للمحددات القانونية الناظمة لإنشائها، من حيث مراعاة المسافة المحددة، والابتعاد عن التجمعات السكانية، على الرغم من إقرار صيغة تفاهم بين عدة جهات حكومية منها: وزارة الحكم المحلي، والمجلس الأعلى للشباب والرياضة، وبلدية غزة، والدفاع المدني وغيرها في عام 2015م، لتنظيم عمل وإنشاء هذه الملاعب.

وفي سياق البحث، تم رصد مجموعةٍ من الشكاوى المُعلقة، من بينها وجود ملعبين -في حي الشجاعية- لا تتجاوز المسافة بينهما النصف متر، ما يعني عدم وجود أي مسافة فاصلة بينهما وبين شبابيك المنازل المجاورة، التي يتجاوز عددها أكثر من 50 منزلًا يعيش فيها قرابة 200 مواطن.

إحدى الشكاوى، طالت نادي اتحاد الشجاعية، الذي تحيط به مجموعة بنايات سكنية، ويتذرع أصحابه -أمام كل اعتراض- بوجود موافقاتٍ خطية من قبل سكان المنطقة على إنشائه ووجوده، "والحقيقة أن معظم التواقيع كانت فردية من أشخاصٍ يمثلون سكان الحي" كما قيل من قبل بعضهم.

عمل الملعب القريب من بيته يستمر حتى ساعاتٍ متأخرة من الليل، ولا يكتفي بالأنشطة الرياضية

أحمد (اسمٌ مستعار) هو أحد السكان المتضررين، أكد أن عمل الملعب القريب من بيته يستمر حتى ساعاتٍ متأخرة من الليل، ولا يكتفي بالأنشطة الرياضية وحسب، بل يقفز عنها إلى نشاطات أخرى مثل بث المباريات العالمية، والجلسات الشبابية، معلقًا بالقول: "هذا يخالف نص قانون رقم 38، الصادر عن وزارة الحكم المحلي في عام 2015م، بشأن تراخيص ملاعب القدم الخماسية من فئة" ج" بين الأحياء السكنية، التي تنص على أنها ملاعب" تدريب" فقط، ومن الممنوع إقامة أي مبارايات فيها.

يضيف: "حتى في ظل الإغلاق الشامل الذي فرض جراء أزمة الكورونا، بقيت هذه الملاعب تعمل دون أي مراعاة للحالة الوبائية وشروط التباعد الاجتماعي".

متضرر آخر في حي الشجاعية، رفض ذكر اسمه، قال: "إن سكان الحي، رفعوا العديد من الشكاوى لإغلاق هذه الملاعب لبلدية غزة، لكنها لم تتعامل مع الأمر بالشكل المطلوب".

شلّح:ملعب واحد في قطاع غزة، حاصلٌ على ترخيص والبلدية تتعامل مع شكاوى المواطنين وفق آليةٍ وأطر ولجان

ويكمل: "هذه المشكلة ممتدة منذ سنوات، وقد توجهنا لسلطة جودة البيئة، ووزارة الحكم المحلي، إضافةً إلى العديد من الوجهاء والنواب ومخاتير الإصلاح، دون جدوى"!

ملاعب غير مرخصة!

الصادم الأكبر في القضية، هو تصريح الدكتور فؤاد شلح رئيس دائرة الحرف والمهن في بلدية غزة، الذي قال إن "ملعبًا واحدًا في قطاع غزة، حاصلٌ على ترخيص"، مبينًا أن البلدية تتعامل مع شكاوى المواطنين وفق آليةٍ وأطر ولجان، تعمل بشكل مكثف لإنهاء أي إشكاليةٍ تصل.

ويضيف: "البلدية هي الجهة الوحيدة المخولة لسحب الترخيص من المنشأة في حال مخالفة الشروط، لكننا نعمل وفق نظام متكامل ضمن لجنة الوقاية والسلامة، التي تتابع الشكاوى، وتقدم الإخطارات لصاحب المنشأة قبل الإغلاق الإداري".

ويوضح شلّح أن إنشاء أي ملعب، يتطلب الحصول على موافقة جميع السكان به، وليس الممثلين عنهم وحسب، ويتم زيارة الحي ميدانيًا للتأكد من موافقة السكان الجماعية آنذاك، مؤكدًا  شرط الالتزام بساعات العمل الرسمية للملعب، المقسمة على فترتين: الأولى تمتد من الساعة السابعة صباحًا حتى الواحدة بعد الظهر، والثانية من الساعة الرابعة عصرًا حتى الساعة العاشرة مساءً، "وفي حال الإخلال بهذا الشرط تتخذ البلدية إجراءات قانونية، تبدأ بإخطارات التنبيه والمخالفة، ثم الإغلاق الإداري في حال عدم الاستجابة".

وأشار شلح إلى آليات جديدة، من شأنها تفعيل أي شكوى تصل، ما يعني أن الباب مفتوح لكل المتضررين للتقدم مجددًا بكل الشكاوى والوثائق.

بدوره، نفى المجلس الأعلى للشباب والرياضة، عن نفسه شبهة منح تراخيص لأي ملعب، دون الملاعب التابعة للأندية الرياضية والأكاديميات، يقول الناطق باسمه عبد الرحمن طافش: "المجلس لا يمنح أي تراخيص إلا للملاعب التابعة للأندية الرياضية والأكاديميات"، مؤكدًا أنه يتابع عمله ضمن شروط السلامة والصحة بشكلٍ حثيث.

وتعد الشرطة، أمام شكاوى المواطنين من الملاعب وضجيجها، جهةً تنفيذيةً وحسب، بعد إجراءات التقاضي المعروفة لإثبات التعدّي. ويؤكد المتحدث باسم جهازها العقيد أيمن البطنيجي، أن أي شكوى بهذا الخصوص لم تصل الشرطة أبدًا من قبل جهات الاختصاص.

النيابة العامة أكدّت هي الأخرى أن أي شكوى لم تردها بهذا الخصوص، بحسب زياد النمرة الناطق باسم النائب العام.

يأتي ذلك في حين تحدث الباحث في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان مصطفى إبراهيم، عن حق المواطنين بتقديم شكاوى للبلدية إذا ما تعرضوا لأي انتهاك لحقوقهم المدنية والإنسانية، "وعلى الأخيرة معالجة الشكوى بكل حزم، كون هذه المناطق سكنية، الأصل فيها أن توفر لأصحابها الراحة، فإذا لم يتم تقديم حلول للمشكلة من قبل الجهة المختصة، يكون الفيصل بالأمر هو "القضاء".

كاريكاتـــــير