شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 12 اعسطس 2020م00:17 بتوقيت القدس

التحولات الاجتماعية والسياسية في المجتمع الفلسطيني زمن الكورونا

02 اعسطس 2020 - 10:19

شبكة نوى، فلسطينيات: جائحة كورونا اعادت البوصلة الى القضية الفلسطينية من جديد

كانت دائما وابدا تساهم الثورات في تحولات اجتماعية وسياسية في المجتمعات العالمية ولكن الوضع يختلف تماما بالنسبة للمجتمع الفلسطيني ، فكانت النكبة عام 1948 او العلاقات الدولية او الوباء اهم العوامل التي ساهمت في التحولات الاجتماعية والثقافية والسياسية في المجتمع الفلسطيني .

كانت النكبة عام 1948 من اهم العوامل التي ساهمت في احداث تغيير جدري وبمثابة انقلاب اجتماعي سياسي ثقافي في المجتمع الفلسطيني ، وعندما تم احتلال 78 في المائة من مساحة فلسطين التاريخية وتدمير البنية الاجتماعية و السكانية وتشريد وتهجير اكثر من 700 الف لاجئ فلسطيني للحياة في المخيمات كانت هناك ثورة اجتماعية وسياسية في المفاهيم والفكر الثقافي والسياسي الفلسطيني وتحول المجتمع الفلسطيني من مجتمع فلاحي زراعي الى مجتمع يؤمن بتعليم المرأة وخروج المرأة لسوق العمل في الوظائف الحكومية في المدارس والعيادات الصحية وغيرها من مكاتب وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين " الأونروا " وتم تحول سياسي كبير من رفض وعد بلفور ورفض المشروع الصهيوني برزت الحركة الوطنية الفلسطينية وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية وتبنت الكفاح المسلح لتحرير فلسطين من النهر الى البحر ثم تلتها تحولات بتحرير الأراضي الفلسطينية عام 1967 وأخيرا تم اعتماد المقاومة الشعبية السلمية أسلوب وحيد لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة الى جانب إسرائيل في حدود الرابع من حزيران عام 1967.

اما الظروف الحالية والتي نعيشها زمن جائحة كورونا فقد ساهمت بشكل كبير في تحولات اجتماعية وسياسية كانت تسيطر على الفكر الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عشية انتشار وباء فيروس كورونا.

وسوف ابدأ من تقرير مراسل القناة العبرية الإخبارية " يهود بن حمو " في مدينة دورا في الخليل في الرابع من ديسمبر 2019 وكان تقريره حول الأوضاع في مدينة الخليل بشكل خاص والأراضي الفلسطينية بشكل عام وخلص في تقريره " بن حمو" الى القول " أن الأولويات الفلسطينية في الشارع تغيرت، وأن الفلسطينيين تنازلوا عن الانتفاضة مقابل العمل ولقمة العيش" وتباهى بن حمو ان احد المواطنين لم يهتم بالاحتلال الإسرائيلي بل كان همه التقاط صورة سلفي من المراسل الإسرائيلي بن حمو.

وفي صيف عام 2016 قام الشاباك جهاز المخابرات الإسرائيلي بفتح صفحة على الفيس بوك باللغة العربية بعنوان " بدنا نعيش" وحاول ان يتواصل مع سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية على اعتبار ان العمل في إسرائيل هو الأفضل من السياسة وكأنهم يقولون للفلسطيني يجب ان تقول نعم للاحتلال او العمل في إسرائيل تحت الاحتلال افضل من السياسة"

ربما كان تقرير بن حمو يحمل جانبا من الصواب خصوصا انه موثق بلقاءات وشهادات حية من فلسطينيين في مدينة دورا في الخليل وينطبق الامر على مدن أخرى في الضفة الغربية المحتلة ولم يكن عمل الشاباك بفتح صفحة الفيس بوك باللغة العربية بدنا نعيش بمحض الصدفة لولا انه وجد هناك شباب يحملون من الفكر والسياسة والثقافة الجديدة التي تجعلهم يفضلون مئات الشواكل يوميا على الوطن والأرض والهوية فلسطين.

وسوف اتناول هذه الثقافة وهذا الفكر الجديد بالتحليل من خلال الحياة الاجتماعية والسياسية التي كان يعيشها الفلسطيني عشية انتشار فيروس كورونا.

لا شك ان وجود السلطة الفلسطينية كان هدفا لبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وفقا لاتفاق أوسلو عام 1993 والاستراتيجية التي تبنتها السلطة الفلسطينية في تحقيق الهدف وإقامة الدولة من خلال المؤسسات الفلسطينية ساهمت في خلق ثقافة جديدة وبنية اجتماعية جديدة سواء على مستوى الطبقات الاجتماعية او النخب السياسية والثقافية واصبح كل شخص يعمل لمصلحته الخاصة على اعتبار ان السلطة الفلسطينية تمثل الدولة الفلسطينية وان الاحتلال الإسرائيلي غير موجود وهذا خلق نوع من الثقافة الجديدة بداية بالعامل الفلسطيني الدي يعمل في إسرائيل او المستوطنات من اجل توفير حياة كريمة له ولأسرته حتى الموظف في القطاع العام كان يسعى الى القروض لشراء شقة او شراء سيارة من خلال البنوك بكفالة راتبه الشهري اما البرجوازية الجديدة التي خلقتها الدول المانحة ومشاريع الدول المانحة تحت مسميات مختلفة فقد خلقت شريحة واسعة في المجتمع الفلسطيني وصل راتب مدير المشروع الى 30 الف دولار في الشهر والموظف العادي الى خمسة الاف دولا شهريا وزاد عدد الجيبات او سيارات المرسيدس له وزوجته وابنائه اما النخب السياسية فقد استغلت مناصبها للحصول على الترقيات لها وأولادها واقاربهم وتم خلق طبقة برجوازية ثانية داخل المجتمع الفلسطيني وبقيت الطبقة الكادحة من الفلاحيين والعمال والمهن التجارية البسيطة او تجار البسطات في الشوارع كما هي فقر مدقع وبالكاد يوفر لقمة عيشه اليومية لأسرته .

وقد انعكست هذه الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الفلسطيني على المفاهيم السياسية والفكر السياسي حيث لم يعد هناك اهتمام بالقضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني الإسرائيلي والنظر الى وجود الاحتلال الإسرائيلي بانه القضية المركزية للشعب الفلسطيني ووجوده على هذه الأرض .

وقد قمت عشية انتشار فيروس كورونا في عام 2019 ببحث ميداني من خلال الملاحظة والمراقبة حيث محلات الكوفي شوب والمطاعم مزدحمة ليلا ونهارا وكأن الفلسطينيين لا يعيشون تحت الاحتلال ، مطاعم فاخرة وتصل فيها الوجبة الواحدة الى 100 شيكل للشخص الواحد ومطاعم أخرى وصلت الى 120 شيكل للوجبة الواحدة للشخص الواحد ناهيك عن الارجيلة التي أصبحت ثقافة في المجتمع الفلسطيني للبنات قبل الشباب والكل يدخل الكوفي شوب والمطعم ويخرج وكأنه لا يعيش تحت الاحتلال الإسرائيلي.

اما الاعراس والافراح فقد شاهدتها وسالت بعض من ينظمها تصل الى مائة الف شيكل مع وجبة عشاء لإقامة حفل زفاف في فندق او إقامة مناسبة للتخرج من الجامعة اما حفلات النجاح في التوجيهي فلم تعد البيوت مناسبة للفرحة بل يجب إقامة الحفلات في القاعات والمطاعم والفنادق .

وأخيرا ما شاهدته وقمت برصده حفلة للفنان الأردني " عزيز مرقة" في تاريخ 29 سبتمبر 2018 في "مدينة روابي" وصلت التذكرة الى " 120شيكل للشخص الواحد" وقد ذهبت بنفسي للاطلاع على الحضور وتسجيل ملاحظات مهمة كان أهمها بالنسبة لي اعداد الحضور من الشباب والبنات كان حسب تقديري حوالي خمسة الاف الى سبعة الاف من الحضور ومن المهم أيضا كانت في اليوم التالي وقفة للتضامن مع الاسرى في السجون الإسرائيلية المضربين عن الطعام في دوار المنارة كان الحضور يقتصر على أهالي الاسرى وعدد قليل لا يتجاوز 100 شخص للفعالية الوطنية.

اما جائحة كورونا فقد جاءت وجاء معها العدل والمساواة فقد أغلقت القاعات والمطاعم والكوفي شوب وأوقفت الترقيات وتم وقف القروض وتوقفت الدول المانحة والمشاريع التي كان تصرف رواتب بألاف الدولارات واصبح المجتمع الفلسطيني سواسية والجميع في البيت وكانت التحولات الاجتماعية كبيرة جدا في زمن كورونا فلم نجد ولم نعد نرى الطبقة البرجوازية لوحدها في المطاعم والكوفي شوب ولكن المهم التحولات السياسية التي جاءت مع فيروس كورونا في المجتمع الفلسطيني.

مع بداية انتشار فيروس كورونا قام ترمب ونتنياهو بعرض ما يسمى بصفقة القرن في البيت الأبيض في 19 فبراير 2020 وكانت القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني في كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة تسجل انتصارا كبيرا وترسخ مفهوم الوحدة الوطنية عندما رفضت القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني صفقة القرن وقالوا " صفقة القرن الى مزبلة التاريخ " " فلسطين ليست للبيع" وهذا الرد الأول على تقرير بن حمو مراسل القناة الثانية عشر الإخبارية العبرية وقال الشعب الفلسطيني كلمته " لن تمر صفقة القرن " فلسطين أولا " القدس عاصمة دولة فلسطين"

اما الرد الثاني فكان تحول سياسي فلسطيني كبير في زمن الكورونا عندما اعلن نتنياهو عن خطة الضم واقسم بان عملية الضم سوف تتم في الأول من يوليو 2020 وكان الشعب الفلسطيني في الصف الامامي وخلف القيادة الفلسطينية ورفعوا شعار " لن يتم الضم " هناك انتفاضة شاملة تنتظر نتنياهو اذا قام بالضم" وهذا التحذير نقله " افيف كوخافي رئيس اركان الجيش الإسرائيلي الى نتنياهو " وكان قرار الرئيس أبو مازن " السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية في حل من جميع الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل ومن ضمنها وقف التنسيق الأمني " وهذا يؤكد الرد الثاني على الشاباك الإسرائيلي في صفحته باللغة العربية " بدنا نعيش" واعلن الشعب الفلسطيني رفضه للاحتلال ورفضه للضم وكان القرار التاريخي من القيادة الفلسطينية وقيادة حركة فتح وأبناء حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ، بتنظيم حفل جماهيري حاشد في مدينة اريحا في تاريخ 23 يونيو 2020 بحضور " نيكولاي ميلادينوف " ممثل الأمين العام للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط عندما قال" انتم الفلسطينيون في ارضكم ولن تخرجوا منها وأضاف بان الضم يمثل انتهاك صارخ للقانون الدولي.

ومهما يكن فان جائحة كورونا اعادت البوصلة من جديد الى القضية الفلسطينية ومركزها الاحتلال الإسرائيلي ولا بد من انهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات الإسرائيلية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية الى جانب إسرائيل على اعتبار ان حل الدولتين يحقق المن والسلم الدوليين في منطقة الشرق الأوسط والعالم اجمع.

______

نقلًا عن وكالة معاً

*باحث وخبير في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية

كاريكاتـــــير