شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 23 نوفمبر 2020م18:45 بتوقيت القدس

في المخيم.. نساءٌ يستقبلن العيد "بابتسامة حزنٍ" عريضة

30 يوليو 2020 - 09:02

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

كلما اقترب عيد الأضحى تملّكت الحسرةُ قلب أم شريف أبو غبن، وإن كان يصلُها من العائلات المقتدرة كميةً جيدةً من لحوم الأضاحي، إلا أنها لطالما حلُمت أن تَذْبَح أمام بيتِها ذبيحةً في العيد.

"طول عمري أتمنى أن أُضحّي في بيتي أو أشترك في أضحية، لكن الوضع الاقتصادي الذي نعيشه لا يسمح، فنحن بالكاد نطعم أبناءنا" تقول لـ "نوى".

أم شريف، الأم لأربعة أبناء وخمس بنات، تعيش على الديون لتطعم عائلتها خاصةً وأن زوجها الموظف الحكومي منذ عام 2005م، كان قد سحب قرضًا لشراء بيتٍ أوسع قليلًا في المخيّم، ومنذ ذلك الحين قُطِع عنهم شيك الشؤون الاجتماعية.

تضيف: "كنا نعيشُ في بيتٍ مساحته 70 مترًا فقط، فاضطررنا لشراء بيتٍ بمساحة 115 مترًا قبل عامين، وبات رصيد زوجي بالسالب، والله وحده العالم، كيف نتدبر شؤون حياتِنا".

تصمت قليلًا قبل أن تتابع: "قبل شراء البيت كنا أفضل حالًا، فنشتري حلوى العيد وملابس العيد للأطفال لكن اليوم يستحيل علينا فعل ذلك".

ديون متراكمة

في المخيم، يأبى الأطفال إلا أن يستقبلوا العيد بسعادةٍ وفرح، فالطفلة لقاء أبو غبن (14 عامًا) تُصرُّ على شراء ملابس العيد، لكنها لا تُحرج والدتَها فتزيد على ديونها القديمة التي تزيد على 1400 شيكل لأحد محلات الملابس في سوق مخيم جباليا.

تقول: "إحدى جاراتنا من ذوات الوضع الاقتصادي الجيد، تطلب مني أن أذهب إلى السوق وأشتري لها بعض الخضار والحاجيات، وبالمقابل، تعطينني شيكلًا أو اثنين".

وتزيد: "حين تتصل بوالدتي لتطلبني أشعر بسعادة كبيرة، وأن الفرج قريب، فبالعادة أشتري بتلك الشواكل ملابس لي من  محلات "البالة (..) حتى وإن كانت مستخدمة لكنها جميلة، لا أريدُ أن أرهق والداي بطلباتي، فأنا أعرف أنهما غير قادرين على توفيرها".

أكبر مبلغٍ حصلتْ عليه لقاء من جارتها ذات مرةٍ كان أربعة شواكل، لكنها في ذلك اليوم لم تشترِ لنفسِها الملابس، بل لأخيها الصغير إبراهيم.

تعلق: "لم يكن يملك سوى الملابس المهترئة والممزقة، فاشتريت له "شورت" وملابس أخرى يحتاجها، لقد فرح كثيرًا، وها هو الآن يرتديه".

تتمنى لقاء أن تناديها الجارةُ من جديد قبيل العيد لتشتري لها الخضار، ومن ثم تتمكّن من شراء فستان لها وملابس لإخوتها وأخواتها الذين يصغرونها سنًا، فهي وفق وصفها تحب العيد وتحب الفرح مهما كانت الظروف.

تردف: "ليلة العيد نغني أنا وإخوتي وأخواتي ونرقص ونصنع جوًا من الفرح، وفي صباح العيد نذهب لنتفرّج على ذبح الأضاحي عند أحدٍ من أهل المخيم الذين اعتادوا جلب الأضحية".

يوم عادي

وبابتسامةٍ واسعة، استقبلتني أم محمد قداس في بيتٍ سعته "30 مترًا" فقط، وكانت قد انتهت لتوّها من غسل الملابس، تقول لنوى: "العيد في حياتِنا كأي يومٍ عادي، فلا مراسم للاستعداد للعيد أبدًا في بيتنا".

وتضيف: "تلك الملابس التي يرتديها أطفالي هي ذاتها التي سيرتدونها يوم العيد، لا مشكلة لدينا، لقد اعتدنا، فهناك أمور أهم بكثير من ملابس العيد".

يبتسم ابنها البكر محمد ابتسامةً كابتسامة أمه الواسعة تمامًا، ويشد "بلوزته" بإصبعيه ويقول:" ومالها بلوزتي؟ حلوة".

حمّل وصّل

يقترب الابن الأصغر من أمّه وقد بدا محمرّ العين، إنه يعاني من مشاكل فيها ويحتاج لعلاجها ما يقارب "100شيكل" كل أسبوع وفق قول أم محمد التي أضافت: "زوجي يعمل على عربةٍ في السوق"، وقبل أن تُكمل يقاطعها الصغير ابن الأربع سنوات متوشحًا ذات الابتسامة الموحّدة: "بابا بيشتغل حمّل وصّل".

يمتلئ البيت بضحكاتهم ومعهم الجدّة أم زياد قداس، فلم أدر حينها إن كانوا ورثوا الابتسامة الجميلة من والدتهم أو من جدّتهم، رغم كل ظروف القهر التي يعيشونها.

فالبيت خالٍ إلا من خزانةٍ قديمة وثلاجةٍ فارغة قدّمها للعائلة واحدٌ من فاعلي الخير، بعد أن انهالت القديمة المهترئة فوق رأس ابنها الأصغر، ما نتج عنه مضاعفة المرض في عينِه.

كَبَاب العيد

إنها ثلاجة تنتظر أكياس اللحم من أضحية العيد التي تصلهم عبر الأهالي المقتدرين، تعبر الأم بقولها: "الجميل في عيد الأضحى فرحة أطفالي بصوت التكبير، وبقدوم أكياس اللحم، فهم ينتظرون العيد من العام للعام الآخر كي يتناولوا وجبةً من الكباب".

وبخصوص عربة "حمّل وصّل" التي يعمل عليها رب الأسرة، فهو يحمل أكياس الخضرة التي يشتريها الناس في السوق ويوصلها لهم حيثما شاؤوا بمقابلٍ زهيد. تعلق أم محمد: "العربات تملأ السوق، والكل ينافس بعضه البعض، فيحصل زوجي على ما يقارب 8 شواكل وأقلّ يوميًا، وماذا تتوقعين أن أفعل بتلك الشواكل؟! إنها لا تأتي بشيءٍ يستحق الذّكر".

"لأ.. لأ.. بحاول أفرّح أولادي بأقل إشي ممكن"، تقاطعني بابتسامتها المتواصلة، وتقول بسرعةٍ قبل أن أُلقي سؤالي الجديد.

"ثلاث شواكل يصنعن قالب كيك بسيط ولذيذ في عيد ميلاد أطفالي، فهو لا يحتاج إلى أكثر من 3 بيضات وفانيلا وبيكنج باودر، وباقي المقادير، أحصل عليها من "كوبونة" الوكالة كالحليب والسيرج والطحين".

 وتضيف: "ثلاث شواكل يصنعن قالب كيك بسيط ولذيذ في عيد ميلاد أطفالي، فهو لا يحتاج إلى أكثر من 3 بيضات وفانيلا وبيكنج باودر، وباقي المقادير، أحصل عليها من "كوبونة" الوكالة كالحليب والسيرج والطحين".

ابتسامات 

أم محمد التي لم تفارقها الابتسامة حتى ودّعتُها، تختم اللقاء بقولها: "نِفْسي أفرح في يوم، فمن عام 2007م حتى اليوم، مشفتش الفرح، حتى يوم عرسي انقلب لعزاء، فيه انقتل سميح المدهون القائد في كتائب شهداء الأقصى، ومرافقه مصطفى قداس ابن أخت حماتي".

خرجتُ من بيت أم محمد وقد أيقنتُ أنه كما للفرح والسعادة والشعور بالأمان ابتسامات عريضة، فهناك ابتسامات عريضة أيضًا في مخيمات اللاجئين تخفي حزنًا وعوزًا وقهرًا.

وتجلس الحاجة أم سيد الترّي مصرية الأصل على عتبة باب بيتها وحيدةً في الشارع الضيق، تراقب بصيص النور القادم من شارع " الترنس" المتسع، تضع يدها على خدها وتخبر "نوى" ببشاشة أنّ المال الذي يحصل عليها ابنها موظف السلطة بالكاد يكفي لإطعام أحفادِها، وتقول: "إنه ينفق على أولاده، وأولاد أخيه الذي لا يعمل".

وتزيد: "لا ملابس عيد ولا أضحية، ولا أي أجواء من الفرح تسكن بيتنا مع اقتراب العيد، لكننا نبتسم لأننا نتنفس، والحمد لله على كل حال".