شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 23 نوفمبر 2020م18:27 بتوقيت القدس

عن العنف الأسري أيضاً

27 يوليو 2020 - 10:02

شبكة نوى، فلسطينيات: نورة السعيِّد وآمال الجمالي وعبد الكريم عويصي، ثلاثة أسماء لثلاثة قتلى، امرأة وطفل وطفلة، قُتِلوا جميعاً على يد الأب مصدر الحنان والأمان والمسؤولية. قبل مقتلهم بأيام ألقيت سيدة مسنة في حاوية مخصصة للزبالة من قبل أبنائها. أربع قضايا تم كشف النقاب عنهم في أقل من شهر، هزت مملكة «فيسبوك».
أصدر النائب العام قراراً بعدم تداول المعلومات في قضية مقتل «نورة السعيّد» على وجه الخصوص، لأن نشر المعلومات الشخصية وتفاصيل الجرائم المذهلة يسبب الأذى لذوي الضحايا. لا اعتراض على قرار النائب العام بل أطلب الالتزام والتقيد به، كونه لا يندرج في إطار حرية التعبير بل يصب في خدمة المصلحة العامة وسلامة التحقيق وكرامة المتأثرين بالجريمة ممن لا ذنب لهم كأقارب الضحية.
ولكل قاعدة استثناء، سأستثني من دعوتي الالتزام بقرار النائب العام، الجماعات التي شنّت الحملة الشعواء والهجوم الكاسح على المؤسسات النسوية وعلى مطالبها التشريعية، الجماعات المتطرفة التي استهدفت جميع المسودات المتعلقة بقانون حماية الأسرة من العنف، واتهموه بالسعي إلى تدمير الأسرة وتفكيكها من قبل المؤسسات النسوية، ووجهوا لها تهمة التبعية للخارج واستيراد الثقافة الغريبة وتغريبها، اتهام باطل ماضوي لا يملون من تكراره، كل هذا الجهد المستمر من أجل شيطنة المؤسسات النسوية والقائمات عليها، ورفع الشرعية عن أعمالها على طريق منعها وحظرها، كما فعل تحالف الإسلام السياسي والعشائر في الخليل. بقي الاتهام كسلاح مشهر في وجه إحقاق العدالة والمساواة، وبقيت المؤسسات النسوية تعمل لأهدافها الحقوقية المشروعة.
هؤلاء جميعاً يتحملون المسؤولية عن إعاقة صدور القانون وتشويه نصوصه من أجل القضاء عليه بالضربة القاضية، وافتعال الصدام بين القانون والدين. على أصحاب الهجمة أن يكسروا صمتهم اليوم بالاعتراف أولاً بأنهم أخطؤوا في فهم المجتمع واحتياجاته ومتطلباته، وعن إدارة ظهورهم لجميع المؤشرات العلمية التي ظهرت ليس في المسوحات والاستطلاعات الخاصة بالمرأة فقط، بل ما ظهر في الارتفاع الملحوظ للعنف المجتمعي، في الشارع والمدرسة وأماكن العمل. مسؤوليتهم الاجتماعية تقتضي منهم مراقبة الانزياحات الجارية في المجتمع نحو العنف، وانعكاسات الانزياح على العلاقات في المجتمع وتحليل واقتفاء آثارها، من قبل المختصين في علم الاجتماع وغيرهم، أثرها البائن على هزّ وضعضعة وحدة النسيج الاجتماعي وتغيير طبيعة المجتمع وسلوكيات أفراده، فكانت من نتيجة علاجهم وتوجهاتهم العدمية مأسسة العنف الاجتماعي.
وقبل ذلك، عليهم الاعتذار من الضحايا، الأطفال والنساء والمسنين وذوي الإعاقة، جميع الفئات والقطاعات المشمولة في قانون حماية الأسرة، عليهم طلب الرحمة لقتيلة بئر «الشعابة» في الخليل وقبلها قتيلة بئر صوريف «آيات برادعية»، آمال وآيات قُتِلتا في الفترة ذاتها زمانياً ومكانياً، بعد عشر سنوات في صدفة سانحة خرجت عظام الأولى من بئرها، بينما خرجت آيات في صدفة نادرة من بئرها في العام 2011 بعد ثلاثة عشر شهراً على قتلها.
عليهم الاعتذار عن نشر ثقافة الإفلات من العقاب بوقوفهم ضد إلغاء مواد من قانون العقوبات التي تعطي منحة جزية في إيجاد العذر لقتلة النساء باسم الشرف، والدليل على ما أذهب إليه أن 63% من الرجال الفلسطينيين يوافقون أن على المرأة التسامح مع العنف من أجل الحفاظ على أسرتها، حسب دراسة معدة من قبل هيئة المرأة في الأمم المتحدة!
والأسئلة هي: كيف ساهم التمسك بالقوانين الأردنية والمصرية والعثمانية المتقادمة في تكريس ثقافة الإفلات من العقاب؟ ومن المسؤول عن مأسسة ثقافة تبرير قتل النساء في ضوء رفض تغيير قانون العقوبات على هذا الصعيد، وهو حالياً في حكم المجمد بفعل الترهيب الممارس ضد تحديثه وتغييره بالاستناد للواقع الاجتماعي الجديد؟ من المسؤول عن استمرار التمسك بقوانين متقادمة كقانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات وإسباغ القداسة عليهما في وجه التغيير؟!  
على الجماعات المحافظة صاحبة المصالح السياسية الإقرار بأن على الدولة واجبات تجاه جميع مواطنيها، المواطنين المواطنات، مسؤولية الدولة عن المجتمع لا تُجزأ، الدولة لا تزيح عن ظهرها مسؤولية قطاع المرأة وتتخلى عن مسؤوليتها تجاهه لتضعها في حجر العائلة القائمة على مراكز القوة، ليمارس أقوياؤها على مستضعفيها، من الأطفال والإناث والمسنين وأصحاب الإعاقة، ما يريدون من ممارسة العنف والحجز والتزويج المبكر، وغير ذلك من الانتهاكات المختلفة الأبعاد والأشكال.
المشهد الفلسطيني السياسي شديد القتامة، مصاب بالأوبئة، الاحتلال و»كورونا» والتطرف، نحن كمن يحافظ على بقاء أنفه على مستوى الماء، لا يحتاج سوى إلى دفعة حتى يختنق تماماً. يزيد من قتامة المشهد أن المجتمع صامت إزاء مظاهر سلبية وفوضى تعبر عن اللامبالاة بالشأن العام. كيف يمكن فهم أن يضرب الأطفال حتى الموت؟ وكيف تختفي آثار النساء دون أن يتحرك الشهود من الأقارب والجيران للتبليغ أو الحجز بين المُعَنِّف وضحاياه، بينما يستكمل الجناة حياتهم الطبيعية، ينامون ويستيقظون ويأكلون ويحتسون الشاي في المساء؟