شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 11 اعسطس 2020م06:18 بتوقيت القدس

أبواب الدُور..  مجالس الجيران هربًا من "خنقة" المخيم

26 يوليو 2020 - 13:09

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تخرج الحاجة غِفْرة الترّي من بيتِها في مخيم جباليا شمال قطاع غزّة، تطرق الباب خلفَها، ثم تلفُّ شالتَها العنّابية حول رأسها وهي بالكاد تفتح عينيها لحدّة ضوء النهار.

 سرعان ما تلتفت لصوتِ إغلاقِ الباب جارتُها أم نفوذ مطر، التي اتّخذت من كرسيٍ مقابل باب بيتها متنفّسًا يدعمها بقليلٍ من الهواء.

تلوّح أم نفوذ لغِفرة وتناديها "إجيتي بوقتك يا إم رفيق، تعالي في عنّا صحفية". تقترب غِفرَة وتلقي التحية ثم تتّخذ من "بَسْطَة" البيت مجلسًا، فتُمعِن أم نفوذ النظر بها وتسألها :"كاينة نايمة؟".  تردّ غفرة وقد دفعت بخفةٍ وبحركةٍ عفوية ذراعَ جارتِها: " قال نايمة قال!! هو في حدا بيعرف ينام في هالشوب؟".

"كنت بتفرج على أخبار الضفة الغربية على تلفزيون "فلسطين"، انسم بدني، الجرافات الإسرائيلية جرّفت أشجار الزيتون، وطول الوقت وأنا أدعي على بريطانيا وأمريكا اللي كانوا السبب في الاحتلال، وفي حبسنا في هالمخيّم الضيق". تتابع غفرة.

"كنت بتفرج على أخبار الضفة الغربية على تلفزيون "فلسطين"، انسم بدني، الجرافات الإسرائيلية جرّفت أشجار الزيتون، وطول الوقت وأنا أدعي على بريطانيا وأمريكا اللي كانوا السبب في الاحتلال، وفي حبسنا في هالمخيّم الضيق".

وكانت غفرة بعمر الخامسة عشر حين هُجِّرت وعائلتها من قريتِها "هربيا"، وتركت خلفَها سنابل القمح وأشجار التين والزيتون والليمون اليانعة وفق وصفها لـ"نوى".

اعتادت هاتان الجارتان على الجلوس عصر كل يوم أمام باب البيت، فتصنع لهما الشايُ نجاة مطر ابنةُ أم نفوذ الوحيدة التي لم تتزوّج، من بين سبع أخوات لم يحظين بأخ "الله تركها لي حتى تعينني في كبرتي" تعلق أم نفوذ.

وأصيبت أم نفوذ بجلطة قبل عامين، ما جعلها تعاني من حالة نفسية سيئة، ودوار، وآلام جسدية شديدة، وعدم قدرة على المشي.

تعلق: "القلب من الوجع مَطْفي، والبيت عتمة وخنقة ما فيه نسمة هواء، ولما نقعد على باب البيت بنشم نسمة الهواء وبنفضفض وبنحكي".

 أما نجاة فقد اعتادت أن تُطل برأسِها من باب البيت، فتشارك والدتها الجلسة، بينما تترك كثيرًا من جسدها داخلَه، توضح سبب ذلك بقولها: "ما بينفع أقعد برا البيت وآخذ راحتي، لأن الناس طالعة نازلة، لكن السِّتّات الكبار عادي".

المتنفس اليومي

في ناحيةٍ أخرى من نواحي المخيّم، في شارع ضيقٍ بالكاد يتسع لاثنين، افترشت الحاجة أم جمال شلحة الأرض بجوار باب بيتِها، يقابلها جارُها الحاج أبو صقر الحَو، وقد اتّكأ على فرشة إسفنجيةٍ هو الآخر بجوار بيتِه يحتسي كوبًا من الشاي صنعته زوجتُه لهما وللجارة أم جمال.

"الساعة الثالثة أخرج إلى الشارع، وأجلس على باب البيت، فأنا أعاني من الضغط والسكر، ومن انسدادٍ في الشرايين، فيضيق نفسي كثيرًا، ولا أشعر بشيء من الارتياح إلا حين أخرج وأتنفس شيئًا من الهواء".

تقول أم جمال لـ"نوى": "الساعة الثالثة أخرج إلى الشارع، وأجلس على باب البيت، فأنا أعاني من الضغط والسكر، ومن انسدادٍ في الشرايين، فيضيق نفسي كثيرًا، ولا أشعر بشيء من الارتياح إلا حين أخرج وأتنفس شيئًا من الهواء".

وتضيف: "حين أخرج، أجِدُ الجيران ينتظرون خروجي، نتحدّث ونروي القصص حتى المساء".

أما جارها أبو صقر فيضيق صدرُه من "الخنقة" بسبب الحر داخل البيت الضيق، فلا يتردّد في الجلوس أمام باب البيت في أي لحظة، يردف: "هنا مجلسي الأساسي وراحة بالي، وإن كنتُ لن أهنأ ولن يرتاح لي بال إلا في قريتي "سمسم" التي هُجّرَ منها أهلي أيام النكبة".

ويزيد: "قمة الظلم أن نعيش في هذا المخيّم البائس، فيما يسرح المحتل ويمرح بأرض أجدادنا الواسعة".

يتخيل أبو صقر دائمًا، كيف كان والده وأجداده يتنعمون بأراضيهم الخضراء وحقولهم الواسعة، في الوقت الذي يبحث فيه هو وكل أبناء اللاجئين عن نسمة هواء تخترق جدران البيوت في هذا المخيم.

يستدرك بقوله: "نبحث دائمًا عن السعادة، فنحاول أن نجعل جلستنا متنفسًا حقيقيًا لنا، نحكي القصص ونستمع لبعضنا البعض، نتحدث عن همومنا وأفراحنا، عن أولادنا ومستقبلهم، عن الأوضاع التي نعيشها في قطاع غزة، إننا هنا كالعائلة الواحدة".

في شارعٍ آخر قريب، تجلس الحاجة أم رمزي بجوار باب بيتِها على كرسيٍ برفقة زوجِها، تقابلهما ابنتهما "لوسي"، تنشر الغسيل على الحبال وتتلقّى كلمات الحب ودعوات الرضا من والديها، هذا قبل أن تأتي بإبريق الشاي.

حتى الفجر

تقول أم رمزي لـ"نوى": "باب الدار متنزه لنا، ولا مكان غيره، نخرج من البيت عصرًا ونُمضي وقتًا قد يمتد حتى الثالثة فجرًا، نقتطعه فقط بالذهاب للصلاة، وما يشجعنا على البقاء على باب الدار، انقطاع التيار الكهربائي".

وتضيف: "لستُ أنا وزوجي فقط من نجلس على باب الدار وقتًا طويلًا إنما أبنائي وزوجاتهم كذلك، وتأتي ابنتي برفقة زوجها من الجانب الآخر من المخيم لتشاركنا أجواءنا، وتحلو الجلسة أكثر حين ينام الأطفال".

أما أبو رمزي الذي وضع عددًا من الدراجات الهوائية بجواره ليبيعها،  فيقول: "في الليل، لا تتوقف النساء عن صنع المشروبات من شاي وقهوة ونسكافيه، وغيرها، ولا تكف عن جلب التسالي والمكسرات (..) فعلًا إننا نعدُّ باب الدار متنزهنا ومتنفسنا الوحيد".

ويضيف: "لو أننا لا نفعل ذلك لمتنا بلا صوت داخل بيوتنا، نحن وإن بنينا البيت طوابقَ لأبنائنا، إلا أن البيت يبقى بيت مخيم، بكل تفاصيله الخانقة".

كاريكاتـــــير