شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 11 اعسطس 2020م06:30 بتوقيت القدس

سنواتٌ في المحاكم ثمّ تحلُّها "الجاهة"..

معلقَاتٌ ينادين "الحرية" في كهف قانونٍ "أصم"

23 يوليو 2020 - 00:06

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

قصةُ حبٍ تكللت بالزواج، وثلاثة أطفال، انتهت بعد عشر سنواتٍ بين أروقة المحاكم. بدأت حكاية "آلاء" (اسمٌ مستعار) يوم حدثت بينها وبين زوجها ذات يومٍ مشادة كلامية، انتهت بأن رفَعَ يده عليها، منذ ذلك الوقت تكررت مشاهد العنف في بيتها، فتحولت الصفعة إلى ضربٍ مبرحٍ كان يطالها لأي سبب، وأمام أطفالها أيضًا.

تقول آلاء (35 عامًا) لـ "نوى": "حاولتُ احتواء الموقف أكثر من مرة من أجل البقاء لرعاية أطفالي، واستعنت بوساطة "جاهة" أكثر من مرة للحديث معه، لكن كل وعوده بالتغيير كانت تتلاشى عندما يغضب".

سئِمَت "آلاء" بعد مرور عدة سنوات من فكرة التنقل بين بيت زوجها وبيت عائلتها "غاضبة"،  حتى فقدت السيطرة على أطفالها، فأصبحوا لا يطيعونها، ويهددونها بوالدهم "أن يضربها". كان الأب بدوره سعيدًا جدًا بهذه الفوضى، فقررت "الطلاق" بشكل نهائي.

تضيف: "أمضيت ثلاث سنوات، وأنا أحاول طلب الطلاق بشكلٍ ودي، كنت متخوفة من رفع قضية، لكن صدمتي كانت كبيرة عندما اضطررتُ لرفعها أخيرًا، ورفضت المحكمة اعتماد تاريخ تركي للمنزل، بينما اعتمدت اليوم الذي تقدمتُ فيه بالطلب". اليوم، وبعد خمسة أعوام، أصبح كل ما تتوق إليه السيدة هو نيل حريتها فقط..

أمضيت ثلاث سنوات، وأنا أحاول طلب الطلاق بشكلٍ ودي، كنت متخوفة من رفع قضية، لكن صدمتي كانت كبيرة عندما اضطررتُ لرفعها أخيرًا، ورفضت المحكمة اعتماد تاريخ تركي للمنزل.

"آلاء" ليست وحدها السيدة التي تدور في دوامة القضايا "طويلة العمر" بين أروقة المحاكم، في قضايا "المعلقات"، هناك الكثير من ما يمكن أن نقوله هنا:

عندما يطفح الكيل

شبكة نوى، فلسطينيات: العشرينية "نور" (وهو أيضًا اسمٌ مستعار) لم تتزوج عن "حب". لقد كان لها وجهة نظرها في ذلك آنذاك عندما كانت تظن أن "الزواج وفق معرفةٍ مسبقة" يمكن أن يسبب المشاكل،  فتركت أمر اختيار عريسها للأهل وفق الطريقة التقليدية.

تقول: "كانت الأمور تسير بشكلٍ جيد، إلى أن تمت مراسم الزفاف، وانتقلتُ لبيته، كان أول خلاف بيننا بسبب بخله".

لم تنتهِ الحكاية هنا، لقد صارحَها زوجها قبل أن يكمل عمر زواجهما الشهر، بأنه تزوجها فقط لأنها موظفة، وطالبها بوضع راتبها كاملًا في يده، مع بداية كل شهر، على اعتبار أنه "رجل البيت" وهو الذي يجب أن ينفق عليه من المال المتوفر.

تزيد: "آثرت الصمت، أنا أعرف بشكلٍ جيد ماذا يعني الطلاق للمرأة في مجتمعنا، لا سيما في بداية زواجها، لم أخبر حتى أهلي بما حدث، ووافقت".

حتى هذا لم يعجبه، فبعد مرور شهرٍ جديد، أرسلها زوجها إلى بيت أهلها وهي حاملٌ بشهرها الأول دونما سبب، رفضَ تطليقها، أو إعطائها أيًا من حقوقها، فتوجهت إلى المحكمة لرفع قضية. تلك الرحلة استمرت عامين، بقي خلالها ابنها معها في بيت والدها، حتى قرر زوجها أخيرًا تطليقها بعد أن تنازلت عن كل شيء، بل ودفعت له مبلغًا ماليًا فوق ذلك.

حتى هذا لم يعجبه، فبعد مرور شهرٍ جديد، أرسلها زوجها إلى بيت أهلها وهي حاملٌ بشهرها الأول دونما سبب، رفضَ تطليقها، أو إعطائها أيًا من حقوقها، فتوجهت إلى المحكمة لرفع قضية. تلك الرحلة استمرت عامين.

تعلق: "فكرت كثيرًا، عمري يمضي بي، ومن حقي أن أؤسس لحياةٍ جددة، وعائلة تعوضني المأساة التي عشتُها مع زوجي الأول (..) المرعب أنه عندما سمع عن فكرة التنازل، تشجع جدًا لتنفيذ الطلاق".

وتُبدي "مريم" التي تزوجت وهي ابنة (16 عامًا) أسفها كونها تركت مدرستها، على أمل تأسيس عائلة، لتكتشف بعد عدة أشهر أن زوجها يتعاطى المخدرات.

تقول: "تعاملتُ مع الأمر في البداية بشكل طبيعي، فأقنعت نفسي بأنه سيتراجع، لكن الأمر تطور بعد عدة سنوات بشكلٍ مخيف، عندما أصبح مستعدًا لفعل أي شيء مقابل الحصول على المخدر، حتى لو كان الثمن أنا وأطفالي".

رفعَت قضية تفريق، وحصَلت على الطلاق بعد سنة، بعد أن وضعت نصب عينيها أنها لا تريد لأطفالها أن يعيشوا في بيئةٍ غير سوية.

قصور القانون

يُعرّف أحمد المغربي المحامي الشرعي والمستشار القانوني للمركز الفلسطيني للديموقراطية وحل النزاعات المرأة المعلقة بقوله: "هي التي تركت بيت زوجها، وطلبت الانفصال عنه لأحد الأسباب التالية: الهجر، والتعليق، والسفر، والجنون، أو العيوب الجنسية، والبخل أو الردة، أو عدم الإنفاق، وفي الحالة الأخيرة تحديدًا تنتهي القضية في حال دفع الزوج لزوجته النفقة أمام القاضي"، مبينًا أن "العقم" لا يعد مبررًا لطلب التفريق سواء للمرأة أو الرجل.

وعن مماطلة المحاكم، يوضح المغربي أن طبيعة الإجراءات الخاصة بقضايا التفريق تفرض تسجيلها منذ تاريخ الخصومة، ثم تستمر لمدة عام من أجل البت فيها، مبديًا أسفه لوجود "قصور" في بعض جوانب القانون، كونه وضع منذ عام 1954م "وفيه بعض البنود التي تظلم المرأة في قضايا التفريق على وجه الخصوص".

طبيعة الإجراءات الخاصة بقضايا التفريق تفرض تسجيلها منذ تاريخ الخصومة، ثم تستمر لمدة عام من أجل البت فيها.

ويشير المغربي إلى وجود بعض الجهل القانوني لدى المرأة التي تزور المحاكم الشرعية، بشأن اعتمادها تاريخ رفع القضية، وتجاهل ما قبل ذلك من مدة، مضيفًا: "قد يؤدي الخلل الذي يحدث أثناء تنفيذ الإجراءات القانونية بإطالة عمر نطق الحكم".

ويفرق المغربي بين قضايا التفريق والخلع بقوله: "في التفريق تحصل المرأة على حكم الطلاق مع الاحتفاظ بكامل حقوقها، أما في الخلع فتدفع المرأة للرجل مبلغًا مالي كي يطلقها، وفي قطاع غزة يتم طلاق الزوجان في أغلب الأحيان عن طريق الخلع، لكنها تسجل في المحكمة "قضية تفريق".

تغيير قانون الأحوال الشخصية

من جانبها، توضح زينب الغنيمي مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونية للمرأة أن عدد النساء المعلقات اللاتي توجهن إلى المركز هذا العام، بلغ حوالي 4 آلاف امرأة، منهن من تلقت الدعم النفسي أو والاستشارة القانونية، لكن معظمهن لم يرفعن قضايا، بل اكتفين بحل قضاياهن بالتسوية، أو الإبراء.

وتقول: "هناك (350) امرأة معلقة رفع لهن المركز (540) قضية بالمحكمة"، مضيفة: "القانون يعجز عن حماية النساء، ويدعم الرجل الذي يعد نفقة المرأة المترتبة عن الحقوق الزوجية زيادة عن حقها، وقد تم التعاون بين المركز والقضاء الشرعي في قوانين النفقة لإلزام الزوج بالدفع، أو إعادة فتح القضة بعد 6 أشهر من امتناعه عن الدفع".

"القانون يعجز عن حماية النساء، ويدعم الرجل الذي يعد نفقة المرأة المترتبة عن الحقوق الزوجية زيادة عن حقها".

وبشكلٍ عام –والحديث للغنيمي- لا يمكن تحديد نسبة لعدد المعلقات في فلسطين ككل، فليست جميعهن قادرات على تقديم الشكاوى "ففي الفترة الأولى للنزاع  تلجأ النساء غالبًا للحلول الودية، مشيرةً إلى أن أغلب المشكلات في حل تلك القضايا، تحدث نتيجة سيطرة الأهل عليهن، وتدخل رجال الإصلاح الذين بالغالب يفشلون في حل المشكلة، ويزيدون رغبة الزوج بالانتقام، من خلال عدم دفع النفقة لها ولأبنائها، وتعليقها أطول فترة ممكنة من خلال الالتفاف على القوانين" تزيد.

ويقوم مركز شؤون المرأة، بالشراكة مع ائتلاف "تغيير قانون الأحوال الشخصية"، على حملة لتعديل القوانين التي تظلم النساء، "فجميع القوانين تترابط مع بعضها البعض، التعليق وحرمان الزوجة من حقوقها مرتبطٌ بقانون العقوبات الذي يعد تقصير الزوج، وعدم تنفيذه لقرار المحكمة، جريمة تعرضه للحبس".

وتردف الغنيمي: "القانون الفلسطيني يحدد آليات الزواج بالخارج، ومنها تثبيت عقد الزواج بالسفارة الفلسطينية ليثبت بدوره لدى القضاء الفلسطيني، ويتم التعامل مع العقد بشكل طبيعي، وهذا ما تغفل عنه بعض النساء عند رفع قضاياهن".

مسمّى الخلع

وحسب قاضي محكمة جباليا الشرعية محمود مدوخ، فإن قضايا التفريق بين الزوجين ليس لها مدة محددة، بل تخضع للبيانات والشهود التي تتوافر لدى القاضي، ونوعية الحكم وجاهي أم غيابي، "وفي حال وجود شهادات متضاربة تأخذ القضية وقتًا طويلًا ليتم التأكد منها"، مشيرًا إلى وجود نوع من  قضايا التفريق تقع بين الزوجين فقط "لأجل النزاع والشقاق" تأخذ مدة عام لأن الزوجة تدعي  أن الزوج ضربها، فيتم تحليف المدعى عليه، فتسقط الدعوى لعدم ثبوت البينة، "وحينها يحق للزوجة التقدم بعد 6 شهور للمحكة ورفع قضية أخرى".

يتابع مدوخ: "ذلك النوع من القضايا لا ينتهي برفع قضية من جديد فقط، بل يتم تحويلها لحكمين شرعيين مهمتها بذل أقصى مساعي الصلح بين الزوجين، فإذا تعذر ذلك، يتم تحديد نسبة الإساءة من قبل كل طرف، بعد الاستماع المفصل لأسباب النزاع، فتُخصم النسبة من المهر".

في قضايا التفريق لعدم الإنفاق، إذا لم يدفع الزوج مدة 6 أشهر متتاليات من تاريخ صدور الحكم، تؤخذ إجراءات بحقه، فإن دفع ثلاثة أشهر متتاليات، تسقط عنه. 

وفي قضايا التفريق لعدم الإنفاق، إذا لم يدفع الزوج مدة 6 أشهر متتاليات من تاريخ صدور الحكم، تؤخذ إجراءات بحقه، فإن دفع ثلاثة أشهر متتاليات، تسقط عنه، أما إن امتنع عن النفقة فيحقُّ للزوجة أن ترفع قضية أخرى، كما يحق لها أن تتقدم بطلب سجن الزوج للمحكمة، بغض النظر عن وضعه المادي. "لأن أمر الحبس لا يُرد سوى بدفع النفقات أو جزء منها، وإن كثرت حالات تخلف الزوج عن الدفع، تُطلِّقُ المحكمة الزوجة بطلقة واحدة رجعية، أي تأخذ حكمًا بالتفريق".

وأكد مدوخ أن دعاوى التفريق للشقاق والنزاع، هي أشبه بالخلع، لأن تكرار شكوى الزوجة، يدفع القاضي لتحويلها إلى محكمين اثنين، لمعرفة كم سيدفع الرجل من المهر، وكم سيُخصم من الزوجة، بالتالي تدفع الزوجة للرجل كي تحصل على الطلاق.

يعلق: "اسم الخلع غير معمولٍ به في المحاكم الشرعية الفلسطينية حتى الآن، ومجلس القضاء الأعلى برئاسة رئيس القضاة حسن الجوجو، يسعى لتنظيم الخلع في المحاكم، كي يعمل بمسماه في القريب العاجل".

كاريكاتـــــير