شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 11 اعسطس 2020م07:15 بتوقيت القدس

لا تفارقهم مشاهدها حتى اليوم..

أطفال غزة.. "الحرب" جاثمةٌ على صدر الذاكرة

20 يوليو 2020 - 12:59
صورة من الأرشيف
صورة من الأرشيف

شبكة نوى | قطاع غزّة:

كادَ صوته أن يفجّر الحنجرة "اعبروا لبيت الدرج، اعبروا لبيت الدرج". والدُ الطفل محمد مطر كان يظنُّ أن "تحت سلم البيت" هو أكثر الأماكن أمنًا تحت سماء غزة الملغمة بـ"الموت"، ذاك الذي صوّبتهُ "إسرائيل" نحو أكثر من مليوني إنسان يعيشون هنا.

تلك المشاهد لا ينساها حتى اليوم "محمد"، ولا كل الفلسطينيين المقيمين في قطاع غزة حينذاك، يوم شنّت "إسرائيل" عدوانها الأكبر عام ٢٠١٤م، تحت غطاء مصطلحٍ يُرعبُ كل من يمرُّ على مسمعه ولو في حديثٍ عابر: "الحرب". فئة الأطفال، ووقع اللحظات الأولى لـ "حرب تموز" ضمن هذا التقرير:

رغم مرور ستّ سنوات، لا تزال تلك اللحظات، تمرُّ أمام ناظري "محمد" ككابوسٍ مرعب، يقول: "كانت لحظات فاصلة بين الحياة والموت، وما أقسى أن يدرك طفلٌ لم يتجاوز التاسعة من عمره الفارق بين الحياة والموت، اشتدّت حينها الضربات على حي الشجاعية الذي أقطنه، بينما كنتُ ألعب كرة القدم مع أصدقائي، طارت الكرة، وهوَت أرضًا برفقة صواريخ كثيرة، أرسلتها طائرات الحرب التي اخترقت سماء المدينة ونثرت الموت في كل مكان".

يضيف: "قضينا معظم أيام العدوان أسفل الدرج، كنا نُطمئِن أنفسنا بأننا هناك سنغدو بأمان أكبر، هكذا حتى عرفنا أن جيراننا قتُلوا وهم يحتمون في نفس المكان داخل بيتهم"، متساءلًا: "إلى أين كان يفترض أن نرحل هربًا من الموت، وطائرات الاحتلال تستهدف كل أنفاس المدينة؟".

في الخامس عشر من آيار/ مايو لعام ٢٠١٨م، تداولت مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو أظهر الرعب الذي عاشه ثلاثة أطفالٍ من غزة، خلال الغارات الإسرائيلية التي استهدفت القطاع آنذاك. الفيديو الذي انتشر متأخرًا أظهر ثلاثة إخوة (طفلتان وطفل)، وهم يسجلون مقطع فيديو بعنوان :"تحدي الإندومي الحار"، لنشرهِ على قناة "يوتيوب" الخاصة بهم، لكن المقطع المسجل تحول إلى مشهد رعب بعد سقوط صاروخٍ قرب منزلهم.

حاولت سما، وليان، ومعهما شقيقهما وليد حبوش، تصوير تلك التجربة، من خلال قناتهم عبر موقع الفيديو الشهير، لكنّ القصف الإسرائيليّ العنيف الذي تزامن مع بدء تسجيل الفيديو، أخاف الأطفال الثلاثة ودفعهم للفرار من المكان، فيما ظلّت الكاميرا تحتفظ بمشاهد الخوف والرعب الذي عايشه الأطفال.

حسب طبيعة الحياة في غزّة، لم تكن هذه المرة الأولى التي تسمع "سما" وأشقائها فيها أصوات القصف، لكن طفولتهم ترفض تقبلها بالفطرة، "دائما نسمع صوت القصف وفي كل مرة نخاف كثيرًا.. هذه المرة شعرنا برعب كبير" تعلق.

"كنت في الحمّام"، تقول دارين ماهر ١٣ عامًا، بينما تضيف أمها: "لقد أصابتها أزمة نفسية، في تلك اللحظة استهدف منزل قريب من منزلنا، فانقطع التيار الكهربائي وطار زجاج الشبابيك عليها". تصمت الأم قليلًا ثم تتابع وصف المشهد: "صارت تصرخُ على وترٍ واحد، وأطرافها متجمّدة من الخوف".

بعد مرور ست سنوات، تخبر الطفلة "نوى" بأنها لا تحب الذهاب إلى الحمام بمفردها حتى هذه اللحظة، "إلا أن أمي تجبرني على ذلك كوني أصبحت كبيرة، أظنها لا تشعر بالخوف الذي يصيبني في كل مرة" تزيد.

تتابع الأم التي رفضت ذكر اسم ابنتها كاملًا لحساسية الموضوع: "إن الحمام -لا سيما في الليل- بات يشكّل لها محطة رعب في المنزل، غير أنها تعاني من مشاكل نفسية كثيرة لم تفلح بتجاوزها حتى اليوم".

تفضل الفتاة البقاء في السرير، وفي أحيانٍ كثيرة، التبوّل عليه بدلًا من الذهاب إلى الحمام في منتصف الليل إذا احتاجت، خشية أن تغضب أمها في حال ذهبت إلى غرفتها لتوقظها من أجل أن تقف لها عند الباب حتى تنتهي.

حسين مراد الذي صار عمره اليوم 16 عامًا، يتحدث عن اللحظة التي بدأ يتعاطى فيها مع موضوع الحرب بجديةٍ تشبه "الخوف" إلى حدٍ كبير، فيقول: "كانت ليلة مجزرة الشجاعية، في التاسع عشر من تمّوز/ يوليو، التي راح ضحيتها حوالي ٦٣ شهيدًا وشهيدة بليلةٍ واحدة".

يقول: "لم أدرك هول الصدمة إلا عندما جمعنا والدي في ممرٍ ضيقٍ بمنزلنا، بالكاد اتّسعَ لأفراد عائلتي التسعة، الذين جلسوا القرفصاء هناك، الممر كان محضونًا بجدران أخرى وسط المنزل، ربّما كانت ستحمينا لو اخترقت جدراننا شظية صاروخ، ولعلها لن تفعل، إذا ما باغتنا صاروخٌ من الأعلى، سينزل بنا جميعًا تحت الأرض فيدفننا سويًا".

في كلّ مرة تحلق الطائرات في سماء قطاع غزّة، يستحضر حسين مشهد الممر، ينخر بذاكرته ذلك الخوف، ويرفض مشاركة تفاصيله مع أهله الذين لا يحبون "تقليب المواجع"، في تلك الليلة تحديدًا، مثل كل من عايشوا العدوان، لم يفقد حسين شغفه للحياة فحسب، كان يسمع أحدهم يدعو بالموت أكثر مما يدعو بالحياة، في تلك الليلة أجمع الكل عندما رفعوا أيديهم إلى السماء على أن يتوفاهم الله سويًا، لأن وجعَ الفقد "مُر".

الغريب أن "الموت" -حتى في وقت الهدوء- بات رغبة أكثر من مليوني إنسان، يعيشون في بقعةٍ محاصرةٍ بالوجع منذ أكثر من 14 عامًا تُدعى "غزة"، باتوا يتوسّمون فيه "الراحة" من عناء الوضع مسدود الأفق هذا."

كاريكاتـــــير