شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 08 اعسطس 2020م23:54 بتوقيت القدس

الشرطة تتيحهم خيارًا لأطراف النزاع..

غزة.. سُلطةُ "المخاتير" تحلُّ حبل المشنقة!

13 يوليو 2020 - 22:36
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة:

قُتِلَت مؤخرًا طفلة نتيجة عنفٍ أسري. جريمةٌ هزّت الشارع الغزّي الذي صبَّ جام غضبه على والدها، وفتح أبواب النقد على "الوجهاء" الذين بات دورهم منوطًا بـ"لملمة" القضايا -من هذا النوع- وإنهائها بفنجان قهوة.

تعود إلى الواجهة قضية "سلطة المخاتير" مع كل حادثة اعتداءٍ أسرية، تلك السلطة التي بات يرى فيها قانونيون وقانونيات، تجاوزًا للكثير من حقوق الضحايا، كون أصحابها (المخاتير) يعمدون إلى حل القضايا المجتمعية من خلال ما يعرف باسم الصلح العشائري.

يتدخل المخاتير عادة في كافة القضايا، بدءًا من القتل، مرورًا بقضايا الذمم المالية، وصولًا إلى الأحوال الشخصية، التي جرى فيها العرف على تنازل المرأة عن كثيرٍ من حقوقها التي يمكن أن تُكلفها سنوات في المحاكم، مقابل أن تحظى بالحرية سريعًا من خلال تدخّل المخاتير.

المخاتير ليسوا محامين بطبيعة الحال، لكنهم وجهاء اجتماعيين للتوسط في حل الخلافات بين الناس، فمن أين جاءوا بكل هذه السلطة؟ وهل يستندون إلى القانون في حل القضايا؟

يقول الإعلامي والباحث الشاب أشرف أبو خصيوان: "نحن نعيش في مجتمعٍ عشائري وقبلي، لا مجتمع ديمقراطي ينصاع للقانون، القانون يُغيَّبُ لصالح رجال الإصلاح والعشائر، فعند الذهاب لحل قضيةٍ في مركز الشرطة، يتم التخيير بين الشرع والفرع، وما بين سلطة القانون وسلطة المخاتير ورجال الإصلاح".

ينصاع مواطنون إذن لرجال الإصلاح ويقبلون بحلولهم، خوفًا من طول إجراءات المحاكم، "وهناك قضايا تحيلها المحاكم لرجال الإصلاح للتخفيف من عدد القضايا، مثل قضايا الزواج والطلاق والمواريث" يقول أبو خصيوان.

أبو اخصيوان:للعشائر دورٌ مهم في خدمة قضايا المجتمع، لكن بعض الحوادث وضعت أمام دورهم علامات استفهام بعد تفشي القتل والجريمة

ويضيف: "لا شك أن للعشائر دورٌ مهم في خدمة قضايا المجتمع، لكن بعض الحوادث وضعت أمام دورهم علامات استفهام بعد تفشي القتل والجريمة، فالعديد من القضايا كان يجب أن تأخذ وضعها القانوني والحكم فيها، ولكن إعطاء الضوء الأخضر للعشائر من أجل التدخل فيها أغلق الباب أمام القضاء".

لكن لماذا هذا النقد الحاد لدورهم؟ يرى أبو خصيوان أن تدخلات رجال العشائر كثيرًا ما كان هدفها لإنهاء الخلاف وليس لإحقاق الحقوق، وربما يدفع الضعيف الثمن خاصةً إن كان الخصم قويًا أو ابن عائلة، مشيرًا إلى قضية الطفلة المقتولة مؤخرًا على يد والدها "التي اتضح بعدها كم كان دور العشائر ضعيفًا في حماية طفلة، حين كان بعضهم على علمٍ بما تتعرض له من عنف، إلا أنهم لم يكونوا قادرين على ضمان حمايتها".

وعليه، فالحل -وفقًا لأبو خصيوان- في ظل ضعف المنظومة القضائية، يكمن في تعزيز دور القضاء، والفصل بين المحاكم في قضايا الميراث والأسرة، وزيادة عدد القضاة بما يسهم في تسريع الأحكام، وإنفاذ القانون، وتطوير القوانين التي تعود للعصرين العثماني والمصري، وزيادة عدد جلسات المحاكم كي لا تتراكم القضايا، والدفع باتجاه القانون الخاص برعاية أفراد الأسرة بما يساهم في الحد من هذه الجرائم.

تختلف مع رأيه نسبيًا الباحثة والمحامية هنادي صلاح، التي ترى أن "سلطة العشائر" هي ضمن مخرجات العادات والأعراف في فلسطين، وغيرها من الدول العربية، دون وجود نصٍ قانوني يحدد أنها جهة لحل المشكلات.

وتقول: "دور العشائر يتلخص في إصدار أوراقٍ تتعلق بقضايا معينة في المحاكم الشرعية، لإتمام بعض الإجراءات مثل "المضطبة" لإتمام عقد الزواج، وهي تفيد بتعريف الحالة الاجتماعية للزوجين، أو ورقة مختار تفيد بغياب الزوج خارج البلاد في قضايا التفريق للهجر، لكن هذه الأوراق فعليًا لا قيمة لها، فالأصل أن هناك أوراق حكومية تفيد بالحالة الاجتماعية لكل شخص، وهناك حركة المعابر التي يفترض أن تفيد القضاء بمغادرة أشخاص أو بقائهم في البلاد".

هنادي: تدخل غالبية المخاتير سلبي وفق التجارب، فحل المخاتير يلزمه سحبٌ للشكوى القانونية، وعادةً ما يتم الحل دون رادعٍ للمعتدي

وتكمل: "تدخل غالبية المخاتير سلبي وفق التجارب، فحل المخاتير يلزمه سحبٌ للشكوى القانونية، وعادةً ما يتم الحل دون رادعٍ للمعتدي، إذ يكون الحل وديًا ويتم إغلاق الملف بالتراضي، ولكن ليس بوضع أسس ومبادئ تردع المعتدي".

وعزت صلاح استمرار لجوء المواطنين إلى المخاتير، لضعف النظام القضائي، وعدم وعي الناس القانوني، مردفةً: "تفضيل المختار عادةً، يكون لوجود معرفة مسبقة بينه وبين الناس، وعادةً ما يكون حله أسرع بكثير من حلول المحاكم التي قد تستغرق سنوات، ناهيك عن ما تتسبب به للمواطن من إرهاق على المستويين المادي والمعنوي".

وشدّدتْ على أن الحل الأفضل لكل هذه الحالة، إما إيجاد دوائر تتبع للقضاء الشرعي لدى العشائر، كي تكون ملزمةً أكثر، أو بإلغاء سلطة العشائر والاستعاضة عنها بما تقوم به دائرة العلاقات العامة التابعة للشرطة، ودوائر الإرشاد الأسري في المحاكم، ودورها أقرب إلى ما تقوم به العشائر، ولكن الفرق أنها صادرة عن جهة حكومية، وهذا ما يجعلها ملزمةً أكثر.

لكن للمختارة أم ماجد حسونة رأي آخر، فمن وجهة نظرها، عمل المخاتير بالكامل يعتمد على ما يقوله القانون، "بل إن تدخلهم في الحل أوفر للوقت والمال، وهم متطوعون بلا مقابل، ويتم حسم القضايا التي يتولون حلها في جلستين أو ثلاث فقط" تقول.

وتضيف: "نحن نحافظ على الترابط العائلي، والنسيج الاجتماعي، ونعمل بسريةٍ بعيدًا عن الفضائح، أكثر القضايا التي نتدخل بها هي القضايا المرتبطة بالأحوال الشخصية وإصلاح ذات البين".

وينتشر رجال العشائر والمخاتير في كل مناطق قطاع غزة، ومعهم "المختارات" اللواتي دخلن هذا المجال في العقد الأخير.

تشرح المختارة آلية حل المخاتير للمشكلات العالقة، فتقول: "نتواصل مع طرفي النزاع، ونقرّب وجهات النظر لحل المشكلة، ولو كان هناك قضايا مثل حضانة أطفال نتواصل مع محامين من أجل الاستشارة أو نرسل الأطراف المتنازعة للمحاكم". فهم -أي رجال الإصلاح- لا يسمحون بالتعدي على القانون، "لكننا نلجأ كثيرًا للوصول إلى تسويات بين أطراف النزاع، من أجل حل القضايا بشكل أسرع" تزيد.

المختارة أم ماجد: هكذا يعمل رجال الإصلاح، المرأة التي تريد التسوية تتنازل، ولكن في النهاية "هي مخيرة

وتكمل: "مثلًا حاليًا، لدي قضية لسيدة طُلقت، ولها مؤخّر أربعة آلاف دينار ونصف، عرضنا عليها القبول بألفين ورفضت، فطلبنا منها أن تتوجه للمحكمة".

تبعًا لأم ماجد، هكذا يعمل رجال الإصلاح، المرأة التي تريد التسوية تتنازل، ولكن في النهاية "هي مخيرة، وكله بالإحسان"، معقبةً على قضية حضانة الأطفال بالقول: "كثيرون يتعرضون للعنف أثناء وجودهم في حضانة الأب، ولهذا طالبنا نحن المخاتير قاضي القضاة، الشيخ حسن الجوجو برفع سن الحضانة للأبناء لصالح أمهم".

تكرر تشديدها على أهمية دور المخاتير، وتعقب خاتمةً حديثها: "رجال الإصلاح يصدرون أوراقًا رسمية، معتمدة من وزارة الداخلية الفلسطينية، ولا يعملون اعتباطًا أبدًا".

كاريكاتـــــير