شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 08 اعسطس 2020م23:36 بتوقيت القدس

نتائج "التوجيهي".. أصغوا لصوت "الراسبين" هنا

12 يوليو 2020 - 23:02
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

غزة:

"مش امتحان الآخرة يعني"، ربما يحاول محمد بشير أن يواسي نفسه وأسرته، بعد ردة فعلهم "المبالغ فيها" على حد تعبيره، منذ أن ظهرت نتيجته في الثانوية العامة كـ "غير مستكمل".

لم ينجح محمد بمادتي الرياضيات والإنجليزية. منذ تلك اللحظة يبدو الوضع في منزل عائلته كأنما تمر بمأتم، "بكاءٌ ونواحٌ وتأنيبٌ مستمر" يقول، متابعًا: "خرجتُ من البيت أمس، مشيتُ في الشوارع وحدي، ولم أعد إلا لكي أنام، وسأستمر على نفس الحال حتى ينسوا القصة".

محمد:"يظنون أنني لا أكترث، جو المنزل يعج بالسلبية، لو ظل الوضع على ما هو عليه من توتر حتى موعد امتحانات الإكمال، فستكون فرصة الرسوب ثانيةً

ويضيف: "يظنون أنني لا أكترث، جو المنزل يعج بالسلبية، لو ظل الوضع على ما هو عليه من توتر حتى موعد امتحانات الإكمال، فستكون فرصة الرسوب ثانيةً أكبر بكثير من فرصة النجاح".

يتابع محمّد الطالب في الفرع الأدبي -تبعًا لرغبة أسرته- "كنتُ أفضل الفرع المهني، في هذا الفرع أُجبرت على دراسة مواد لا أحبها، كنتُ أحفظ لمجرد الحصول على كلمة "ناجح" في الحياة العملية".

بخلاف ذلك، يعمل الشاب في صيانة الأدوات الكهربائية منذ صغره كهواية، تقول والدته: "لا يمسك جهازًا يعاني من عطل، إلا ويصلحه بسهولة، لقد أضحى مشهورًا في منطقة سكننا، يصلح الأجهزة الكهربائية المعقدة مقابل أسعار رمزية".

والدة محمد:ما فائدة موهبته مقابل رسوبه في التوجيهي؟ الشهادة هي الأساس في الحياة

تصمتُ وتتابع بانفعال: "ما فائدة موهبته مقابل رسوبه في التوجيهي؟ الشهادة هي الأساس في الحياة، ولا وظائف رسمية بدون شهادات"، في إشارةٍ منها إلى رفض عائلته التماشي مع شغفه في الجانب المهني، ودفعه إلى متابعة دراسته حتى ينجح فيها.

في السياق، من الجدير ذكره، أن نسبة البطالة بين سكّان قطاع غزّة بلغت (52%) للعام 2020م، لتكون من بين أعلى معدلات البطالة في العالم بسبب إغلاق عشرات الشركات والمنشآت والمؤسسات نتيجة الحصار الإسرائيلي المطبق على القطاع منذ 14 عامًا متتالية.

سحر حسين، طالبةٌ أخرى، انطفأ سراج الفرح في بيتها هذا العام للمرة الثانية، عندما لم يحالفها الحظ في الثانوية العامة، إذ رسبت في ثلاث مواد رغم أنها كانت من الأوائل خلال السنوات الماضية.

تقول: "مررتُ بظروفٍ مأساوية هذا العام، لقد توفيت أمي بعد فترة من المرض والمعاناة، ووقعت على رأسي مسؤولية خمسة أشقاء، بينهم توأم في مرحلة الابتدائي، بالإضافي إلى أبي أيضًا".

سحر:أنا لست بقوة الجبال كي أتحمل كل هذا الأسى في هذا العمر

وتضيف: "أنا فتاة لم تتجاوز الـ 17 عامًا، كان لزامًا علي أن أقوم باحتياجات المنزل وأشقائي الأطفال ووالدي، ما بين المأكل والمشرب والتنظيف وتدريس الصغار، والدراسة لامتحانات الثانوية العامة أيضًا"، متابعةً والدموع تسبق كلماتها: "أنا لست بقوة الجبال كي أتحمل كل هذا الأسى في هذا العمر".

كانت سحر وحتى التاسعة مساءً قبل فترة الامتحانات، تنشغل في تلبية احتياجات أسرتها كونها الكبرى بين إخوتها، تعقب: "كنت أستنى يناموا إخواني، ولما أبدأ أدرس بلاقي حالي نايمة على الكتب من التعب".

يوم النتيجة، لم تخفِ سحر ألمها، تصف الموقف بقولها "كأنه كابوس، تمنيتُ لو أصحو منه بسرعة". تبكي ثم تزيد بحرقة: "كنت أتابع نتائج زميلاتي، كلهم نجحوا، أما أنا يا حسرتي، ضيّعت حالي!".

والد سحر لم يخف صدمته أيضًا، يقول: "كان يجب أن تقع المصيبة كي أدرك ما يحصل لابنتي التي كانت تسكت في كلّ مرة، لم أدرك هول الأعباء عليها"، مكملًا بانفعال: "لو أجبرت على التسول، سأضع لها مدرسًا خصوصيًا كي تلحق بركب زميلاتها الناجحات هذا العام، وسأقوم أنا بكل ما كانت تقوم به، المهم أن تنجح سحر".

ويُلقي سعد ثابت اللوم على "كورونا" في حصوله على نتيجة (50%) عندما كان سببًا في إغلاق أبواب المدارس، ومنع الطلبة من التردد عليها لسؤال الأساتذة عن ما يصعب فهمه، يعلق بالقول: "وإن كنت أعزي نفسي بهذا المبرر، إلا أن الإغلاق أزّم حياة الثانوية العامة عندي، ناهيكم عن رهبة المرحلة نفسها".

يتحدّث لـ "نوى" فيقول: "منذ بدء العام، كانت أسرتي تتبع أسلوب الترهيب معي، كيف ترسب وقد خصصنا لك مدرسًا خصوصيًا لكل المواد الأساسية؟ وندفع له مبلغًا وقدره نهاية كل شهر".

ثابت:أنا مولع بالرياضة، مستعد أن أحلل المباريات وأن ألعب وأُحكّم في الوقت ذاته، أحلم بأن أكون حكمًا في مباريات دولية

المعدل الذي حصل عليه سعد هو بمثابة "رسوب" بالنسبة لعائلته، التي صارت توسمه بهذا المصطلح منذ ظهور النتيجة، رغم أنه صارحهم أكثر من مرة بعدم قدرته على الحفظ والدراسة.

يزيد: "أنا مولع بالرياضة، مستعد أن أحلل المباريات وأن ألعب وأُحكّم في الوقت ذاته، أحلم بأن أكون حكمًا في مباريات دولية" لكن هذا الحلم هو بمثابة "النكتة" التي تسخر منه عائلته كلما سمعته يتحدث به، ويكون الرد الجارح دومًا: "طب بس روح سلّك حالك في مدرستك أول".

ويتابع: "العامل النفسي له دور بكل تأكيد، وأسرتي لم تراع ذلك"، مردفًا: "مع أنني نجحت، لكنهم كانوا يريدون تفوقًا، وسأخبركم سرًا: لو تفوقت لن أشعر بطعم التفوق لأنه سيكون مزيفًا، فهذا ليس أنا، في النهاية أنا هو حلمي، لكن كيف أواجه أهلي؟" يتساءل.

أول ما فعله والد سعد بعد ظهور النتيجة، هو توبيخه بالقول: "خسارة فلوس الدروس اللي خسرناها عليك"، ما تسبب بأن يترك المنزل وينام خارجه للمرة الأولى في حياته.

يعلق: "كرهتُ التوجيهي، وكرهت كلّ تفاصيل هذا العام الذي لا بد من معجزة كي تمحوه من ذاكرتي وذاكرة كل ضحاياه".

خلال العام الدراسي (2019م - 2020م)، بلغ عدد المتقدمين من طلبة التوجيهي في الفروع كافة (77539) طالب وطالبة، وكان عدد الناجحين والناجحات منهم (55302) بنسبة بلغت (71.32%)، موزّعين على الفرع الأدبي (48411) بنسبة نجاح (65.43%)، وفي الفرع العلمي (20104) بنسبة نجاح (85.92%).

كاريكاتـــــير