شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 08 اعسطس 2020م23:08 بتوقيت القدس

أسرُ "الجثامين".. ابتزاز "إسرائيل" حين يطال الشهداء

09 يوليو 2020 - 21:08

غزة:

لأربعة أعوام ظلّت السيدة أزهار أبو سرور –من مدينة بيت لحم بالضفة الغربية- تطالب العالم باستلام جثمان ابنها الشهيد عبد الحميد أبو سرور (19 عامًا)، الذي قتلته قوات الاحتلال الإسرائيلي في الثاني من حزيران/يونيو لعام 2016م، واحتجزت جثمانه حتى الآن.

عبد الحميد هو أول شهيد تم احتجاز جثمانه خلال العقد الأخير، ومنذ ذلك الحين اعتمد الاحتلال نهج احتجاز جثامين الشهداء في الضفة الغربية وقطاع غزة، حتى بلغ عدد الجثامين المحتجزة حتى الآن 63 جثمانًا، كان آخرها لمحمد الناعم من قطاع غزة.

وتروي السيدة أبو سرور لـ"نوى" تفاصيل أربعة أعوام قضتها تركض في أروقة محاكم الاحتلال، ومؤسسات حقوق الإنسان علّها تطفىء "نار قلبها" على ابنها الذي ربّته تسعة عشر عامًا، بقبلة وداعٍ على جبينه قبل أن يُوارى الثرى.

لم تهدأ ولم تكّل، بل انقسم نشاطها في اتجاهين كما تقول "الأول على صعيد الأنشطة الميدانية، من خلال الوقفات والاعتصامات، والثاني على صعيد الجانب القانوني، حيث تابعت القضية من خلال ثلاث مؤسسات، هي: هيئة شؤون الأسرى، والحملة الوطنية للإفراج عن جثامين الشهداء، ومؤسسة "عدالة" لحقوق الإنسان".

تضيف: "كانت تتم متابعة قضايا الشهداء بشكل جماعي، وبعد ضغطٍ كبير من قبل مؤسسات حقوق الإنسان، تم تسليم عدد منهم، لكن لم يفرج عن عبد الحميد".

وكان وزير جيش الاحتلال بيني جانتس، أصدر مؤخرًا قرارًا يقضي بإيقاف تسليم جثامين الشهداء، حتى لغير المنتمين لحركة حماس، بهدف تجميع أكبر عدد من الجثامين كأوراق مساومة في أي صفقة مستقبلية. السيدة أبو سرور تدرك ذلك جيدًا، كما تدرك أن هذا يتعارض مع القوانين الدولية التي تؤكد ضرورة تسليم الجثامين لذويها.

أبو سرور: دفن أبنائنا حقنا الإنساني، والإعلام دوره التأثير والتذكير المستمر، لكن دوره قاصر للأسف

لا يساورها اليأس ولو للحظة، إن لم يكن من أجل ابنها فمن أجل أن تتوقف هذه السياسة للأبد، إلا أنها تعتب على وسائل الإعلام التي أثارت ضجة كبيرة في بداية موضوع الاحتجاز، لكن صوتها خفت مع مرور الوقت، تعلق: "أتفهم كثرة المشكلات التي يمكن أن يتناولها الإعلام، لكن علينا أن ندرك أن كل مشكلاتنا متشابكة، وجذرها الأساسي هو الاحتلال".

تضيف: "دفن أبنائنا حقنا الإنساني، والإعلام دوره التأثير والتذكير المستمر، لكن دوره قاصر للأسف، حين يطرح القضية مع تسليم كل جثمان مرة، ثم ينساها وقتًا حتى تسليم جثة أخرى، الأصل أن تبقى هذه القضايا حيّة لا يطويها النسيان، فكيف تمرّ أخبار قرار جانتس دون ضجة ومتابعة مستمرة".

في قطاع غزة، قتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي على الحدود الشرقية لمدينة خانيونس جنوبًا الشاب محمد الناعم، بل ونكّلت بجثمانه من خلال رفعه على أسنّة جرافة، في مشهدٍ تناقلته وسائل الإعلام بشكل واسع قبل عدة أشهر. لم تكتفِ سلطات الاحتلال بجريمتي القتل والتنكيل، بل إنها عمدت إلى احتجاز جثمانه أيضًا.

أهله الذين ذاقوا لوعة فقده، ومرارة مشهد التنكيل، لم تتح لهم الفرصة حتى بطبع قبلة على جبينه إن كان بقي فيه جبينٌ يُقبَّل. يقول والده: "منذ لحظة رؤيتنا للمشهد، تواصلنا مع الصليب الأحمر لنتأكد من حالته، وأُبلغنا باستشهاده، لكن لم نحظ بعدها بأي معلومة عنه".

"جريمة الاحتلال بحق محمد رآها العالم، وتناقلها صوتًا وصورة، وحظيت بإدانةٍ واسعة، لكن ماذا بعد؟" يتساءل الأب الذي يعمل مهندسًا، ويضيف: "تقدمنا بشكاوى قانونية لدى مؤسسات حقوق الإنسان التي يمكنها المتابعة مع مؤسسة عدالة في الداخل المحتل، لكن الوضع على حاله حتى الآن، رغم ذلك ما زلنا نأمل أن نتمكّن من دفن ابننا وفقًا للشريعة الإسلامية".

يقضي الأب المكلوم وقته في مداعبة حفيده حمزة "8 شهور" نجل ابنه الشهيد محمد، الذي ارتقى قبل خمسة شهور حين كان طفله لا يتجاوز عمر الثلاثة أشهر، ربما يحاول تعويض إحساسه بفقدان ابنه، لكنه يعقب: "لا يمكن لشيء أن يعوضني فقدان ابني، ولا يغيب عن بالي لحظة".

ويزيد: "ربيّته يومًا بيوم حتى رأيته مهندسًا، شابًا طموحًا كان لديه من الأحلام كما كل الشباب، كان يتمنى لو أنه يتمكن من بناء مستقبله بشكل أفضل".

الناعم: للشهيد كرامة، ولا يجوز حجز الجثامين وفقًا للقانون الدولي، أين المنظمات المعنية بحقوق الإنسان والأمم المتحدة عن جريمة الاحتلال في حجز الجثامين؟

يحاول والد محمد جاهدًا السيطرة على أعصابه كلما اضطر للحديث عن ابنه، ربما ليمنع دمعة تخون مقلتيه فتُذرف مجددًا، هو يريد أن يبدو أكثر صلابةً في مواجهة الأزمة.

يكمل: "للشهيد كرامة، ولا يجوز حجز الجثامين وفقًا للقانون الدولي، أين المنظمات المعنية بحقوق الإنسان والأمم المتحدة عن جريمة الاحتلال في حجز الجثامين؟ صدقًا، أنا لا أعوّل عليها كثيرًا فهي التي صمتت على احتجاز فرنسا لجثامين شهداء الجزائر أكثر من 150 عامًا، هي لن تنتصر لنا اليوم".

لكن أهالي الشهداء، يبدون كما الغريق الذي يتعلق بقشة، يتابعون هذا الملف دون كلل، ويفرحون كلهم لأي شهيد يتم تسليمه، هم يعون تمامًا ما تعانيه العائلة التي يحتجز جثمان ابنٍ لها بين براثن المحتل، ويجتهدون سويًا لتجريم الاحتلال، ومنعه من الاستمرار فيها.

محارب:الاحتلال حين لا يسمح لذوي الشهداء بدفنهم وإقامة الشعائر الدينية المتعلقة بالمعتقد الديني للمتوفي، يخالف المادة (17) من اتفاقية جنيف الرابعة

مؤسسات حقوق الإنسان بدورها، تتابع ملف احتجاز الجثامين -وفق ما أكده يحيى محارب مسؤول ملف الجثامين المحتجزة في مركز الميزان لحقوق الإنسان- قائلًا: "ليس جديدًا أن يرتكب الاحتلال مخالفات قانونية لها علاقة بالتزاماته التعاقدية، المفروضة عليه وفقًا للقانون الدولي الإنساني، وخاصة في اتفاقية جنيف الرابعة".

فالاحتلال حين لا يسمح لذوي الشهداء بدفنهم وإقامة الشعائر الدينية المتعلقة بالمعتقد الديني للمتوفي، يخالف المادة (17) من اتفاقية جنيف الرابعة، وهو -أي الاحتلال- عمل خلال العامين الماضيين على احتجاز المزيد من جثامين الشهداء في فلسطين، بحسب محارب.

وكان المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينيت)، أصدر في الأول من يناير/كانون الثاني لعام 2017م، قراراً يقضي بمنع تسليم جثامين الشهداء الفلسطينيين واحتجازها، بالرغم من إقرار المحكمة العليا الإسرائيلية بتاريخ 15/12/2017م، بعدم قانونية هذا الإجراء، لتعود مرة أخري ممثلة بالهيئة الموسعة، المكونة من 7 قضاة، لإصدار قرار بوجود صلاحية للقائد العسكري حسب  لوائح الدفاع، لا سيما في الفقرة (3) من المادة (133) لسنة 1945 باحتجاز الجثامين .

ووفقًا لتوثيق مركز الميزان لحقوق الإنسان، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لم تزل تحتجز جثامين (15)  شهيدًا فلسطينيًا من قطاع غزة، بينهم طقلين/ وذلك منذ تاريخ 30/3/2018م.

احتجاز جثامين الشهداء مخالفة للقوانين الدولية، وعليه فإن مركز الميزان لحقوق الإنسان ومعه مؤسسات حقوق الإنسان الأخرى، سلّمت مطالبات للمدعي العام الإسرائيلي، ونجحت فعليًا في استرداد جثامين بعض الشهداء ليحظى أهلهم بدفنهم، وفقًا لمحارب.

ويكمل: "مؤسسات حقوق الإنسان تحاول الوصول لأقرب نقطة للعدالة، وهذا العام نجحنا في استرداد جثمان طفل من عائلة اشتيوي من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، والتحركات ما زالت مستمرة من أجل الوصول إلى نتائج إيجابية"، مؤكدًا أن الملف قائم ومفتوح، "ومن المفترض أن يكون لدى السلطة الفلسطينية أيضًا دور في فضح هذه الجرائم، كون المطلب قانوني وإنساني عادل".

وذكَر محارب أن "الميزان" بالتعاون مع مؤسسة "عدالة" يعملان على متابعة هذا الملف لكل قضية على حدة، إلا أن هناك عشرات الجثامين التي احتجزها الاحتلال في مراحل زمنية سابقة في مقابر "الأرقام" لديه، مبينًا وجود تحرك حديث للميزان يتعلق بشهداء مسيرات العودة الذين تم احتجازهم.

تجدر الإشارة إلى أن قوات الاحتلال تواصل احتجاز جثامين (304) شهداء، منهم (253) دفنتهم سلطات الاحتلال فيما يعرف بمقابر الأرقام، بعض هذه الجثامين دفن منذ ستينيات القرن الماضي وحتى اليوم، وترفض الإفراج عن جثامينهم وتسليمها لعوائلهم كشكل من أشكال العقاب الجماعي، وكحلقة في سلسلة الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة والمنظمة، لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما وأن عمليات الاحتجاز تأتي كعقاب، وفي الوقت نفسه تتخذ الجثامين كرهائن، ولا يوجد ما يعوّق تسليمهم لذويهم، لدفنهم وفق ثقافتهم ومعتقداتهم الدينية.

كاريكاتـــــير