شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 08 اعسطس 2020م23:23 بتوقيت القدس

كفّن ابنه ولم يعرفه..

المسعفُ "الحمايدة".. وجرحٌ من عُمْر "الحرب" ما زال ينزف

07 يوليو 2020 - 11:48

شبكة نوى، فلسطينيات: تاهت الملامحُ وعُمي البصر. في ذلك اليوم، حملهُ بين يديه، ووضعه داخل الكفن، سقطت فردة حذائه، فأعادها بنفسه، ثم أغلق الثلاجة. هي قصةٌ اجتثّها القلم من قلب ذاكرة الموت الذي زار غزة عام 2014م، مشهدٌ لا يمكن أن يُسقطه الزمن من حسابات ضابط الإسعاف زياد الحمايدة، حين لم يتعرف على ابنه الشهيد الذي قتله "صاروخٌ" برفقة أصدقاء له في رفح.

كان (أبو محمد) كما يحب أن يُكنى، ملتزمًا بحالة الطوارئ المستمرة آنذاك، بالكاد كان يزور منزله، ليأخذ قسطًا قليلًا من الراحة، ويستبدل ملابسه، هي لحظاتٌ معدودة تلك التي كان يرى فيها أولاده، يتركهم ثم يعود إلى عمله ينقذ من استطاع، وينقل أشلاء أولئك الذين كانت براثن الموت إليهم أسرع.

في ذلك التاريخ: الخامس من آب/ أغسطس لعام الحرب، التفاصيل تجمّعت لتخبر الرجل أن خطبًا ما حدث لابنه البكر "محمد"، يقول: "أخبرتني أمه أنه ذهب ليزور أحد أصدقائه، ولم يعد إلى البيت منذ ذلك الحين، كانت قد مرّت عدة أيام على اختفائه، لكنني كنتُ مطمئنًا، وحاولت نقل طمأنينتي إليها، لكن عبثًا كانت كل محاولاتي".

كان أبو محمد في كل مرةٍ يخرج فيها لمهمات الإسعاف، يساوره القلق حول مصير ابنه. كان يحاول الاتصال مرارًا، إلا أن هاتف محمد كان على الدوام مغلقًا. بدأ القلق يتزايد، والقلب يغلي، ولا مجيب!

يضيف: "أذكر جيدًا أنه حين تم الإعلان عن هدنةٍ بعد ثلاثة أيام من القصف المتواصل على القطاع، تحركنا بالإسعاف باتجاه شرق رفح بحثًا عن شهداء وجرحى، وكنت أضمر في قلبي البحث أيضًا عن ابني الذي أجهل مصيره". أرشدهم أحد المواطنين إلى حيث هناك جثتين، فلم يكذّب خبَرًا وغدا في المكان يبحث.

يقول: "وجدتهما، أحدهما كان مكفيًا على بطنه، ويده تغطي جزءًا كبيرًا من وجهه، بينما الدماء التي جفت تحت أشعة الشمس تطمس ملامح وجهه"، مبينًا أنه لم يشك للحظة أن هذا الشهيد هو ابنه الذي لم يره منذ بدَأَ العدوان، شكله كان مختلفًا تمامًا وملامحه كأنه ليس "محمد".

يضيف: "حملتُهُ بمساعدة زملائي، ووضعناه داخل الكفن المعد مسبقًا للشهداء، كان شعره طويلًا، حينها نخز قلبي شعور غريب، نظرتُ إليه مليًا، ثم غطيتُ وجهه، وتركته".

للحظةٍ التفت الرجل إلى صاحبٍ له، وأخبره بخشيته أن يكون هذا الشهيد هو "محمد"، ليجيبه في محاولةٍ لزرع الأمل في قلبه بأن ابنه على قيد الحياة: "ابنك متعود يلبس صندل، وهذا الشب لابس بسطار". ارتاح قلبه حينها، لكن البال بقي يسأل: أهو حيٌ حقًا؟

وصل أبو محمد بالشهيدين إلى ثلاجة خضار، تم فتحها لاستقبال جثامين الشهداء برفح جنوب قطاع غزة، تركهما وعاد إلى المنطقة يبحث! كان كأنما هناك رائحةٌ تشده إلى روحٍ كانت هناك وغادرت. يقول: "بحثتُ بين أشجار الزيتون، والمباني المقصوفة، وفي كل مكانٍ يمكنني أن أعثر على ولدي فيه".

عند الظهيرة خارت القوى، ترك المسعف أبو محمد العمل، وعاد إلى بيته يكاد يُغشى عليه لشدة التعب، كانت المخاوف تسيطر على قلبه، فابنه رغم دخول الهدنة حيز التنفيذ لم يعُد، "حاولت فقط أن أبث الطمأنينة في قلب زوجتي، لكنها كانت تشعر بأنه لن يعود" يتابع.

في تلك الأثناء باغته اتصال، والد صديق ابنه محمد يخبره بصوتٍ يرتجف دمعًا: "لقد وجدتُ ابني شهيدًا في ثلاجة خضار". لقد كانت هي ذاتها الثلاجة التي ترك فيها الشهيدين قبل قليل، فإذا بأبي محمد يرتعش، حاول أن يقول له بأنه ليس هو، وأن الشمس أثرت على الجثتين فلعله يكون مخطئًا، ولعل ابنه بخير، إلا أنه أكد له أنه ابنه بعد أن تعرف إلى ملابسه التي خرج بها من البيت.

قفزَ قلبه من مكانه، واصفر وجهه، راح عقله يتذكر ملامح الشهيد الثاني، ليقطع عليه تفكيره صوت الرجل عبر الهاتف: "تعال، يمكن الشهيد الثاني يكون محمد، الاثنين كانوا سوا يا أبو محمد"، لم يعد يسمع الرجل صوتًا، صار يقول بلا وعي: "أنا حملته بيدي، وضعته بالكفن بيدي، أيعقل أن يكون ابني ولا أعرفه!!".

بسرعة البرق وصل إلى حيث الثلاجة، تحسس الكفن وكفه يرفض أن يكشف عن وجه من فيه، رفع الغطاء، الملامح كلها مغطاة، هو شعره الطويل لكنه ليس هو، امتدّ نظره هو نهاية الجثة، فوجد حذاءه: "لقد كان يرتدي صندلًا"! كيف ظن حينها أنه كان يرتدي "بسطار" (حذاء عالي الرقبة)؟! وكأن الله كان يريد أن يؤجل حزنه حتى يرتاح قليلًا.

مرّت خمس سنوات، لكن جرح والده ينزف حتى اللحظة! مع كل شهيدٍ يحمله بين يديه، ومع كل قطرة دمٍ تسيل من جسد شابٍ غض يتذكر محمد. ذاك الذي غاب ولم يودعه إلا بكلمة "ارضَ عني".

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير