شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 12 اعسطس 2020م00:55 بتوقيت القدس

قطاع غزة: انتحار على مذبح الجوع والحصار والحريات

05 يوليو 2020 - 11:43

شبكة نوى، فلسطينيات: الانتحار هو محاولة جادة لوضع نهاية لألم غير محتمل، وباب خلفي للهرب من ظروف ضاغطة، منقادين بروح من العجز وفقدان الأمل واليأس من المستقبل. لا يمكننا فهم كيف يمكن لأحدهم إغفال وجود مباهج في الحياة جنباً إلى جنب مع آلامها، وكيف يمكن تجاهل وجود فرصة في الغد لحياة أفضل، أو كيف يمكن أن تتعطل غريزة البقاء بالشكل الذي تستسلم فيه كلية للموت، إلا إذا وقفنا على الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الدافعة لذلك القرار الكبير "بقتل الذات" والمحفزة عليه.

ظاهرة الانتحار باتت تشكل خطرًا على المجتمع الفلسطيني، خاصة وأن أغلبية المنتحرين هم من فئة الشباب، والمجتمعات تنمو بشبابها، بينما لا يوجد حلول للحد من هذه الظاهرة، فكلما نما الشعور باليأس عند المواطنين وأن حياتهم لا معنى أو قيمة لها زادت نسبة ابتعادهم عن الواقع ودخولهم حالة التفكير بالانتحار والانتقال لحياة أخرى قد تكون بنظرهم بعد الموت أفضل من حياتهم المعاشة.

شهد قطاع غزة في الفترة الأخيرة العديد من حالات الانتحار؛ خمس حالات انتحار فى الأيام الأخيرة، آخرها الشاب سليمان العجوري ذو 23 عام، بعد أن أطلق النار على رأسه داخل منزله، وأخر ألقى بنفسه من الطابق الخامس، وشاب قام بإحراق نفسه فى رفح.. وغير ذلك، حيث أثارت حالات الانتحار القلق والتخوفات من أن تصبح هذه الحالة عدوى تنشر بين المواطنين خاصة فئة الشباب، في ظل الواقع الاقتصادي والاجتماعي المعاش.

ففي ظل الواقع الذي يعيشه قطاع غزة ما بين حصار مستمر من قبل الاحتلال منذ عام 2007م، أدي إلى إغلاق عدد كبير من الورش والمؤسسات المملوكة لأفراد أو للقطاع الخاص، وتسريح مئات العاملين؛ بسبب حالة الركود التي يعاني منها القطاع، إلى جانب نقص تمويل المشروعات، ووقف معظم المساعدات، وحالة الفقر المدقع التي أصابت مجمل شرائح المجتمع التى وصلت إلى أكثر من 70% من مجمل السكان في غزة، والبطالة المستشرية خصوصاً بين فئة الشباب الخريجين وغير الخريجين، وانعدام الأفق السياسي والاقتصادي، والعقوبات المفروضة على القطاع، والانقسام الفلسطيني الداخلي وسيطرة الفئة الحاكمة في قطاع غزة على كافة قطاعات الاقتصاد في غزة إلى جانب الوظائف الرسمية، وعلى المعونات والمساعدات الخارجية، مع انتشار الفساد والواسطة والمحسوبية، وفي ظل الارتفاع المستمر في الأسعار بشكل عام نتيجة زيادة نسبة الضرائب على المواطنين، والتعدي على حريات وكرامة الناس، وغياب أي أفق للحل أو انفراجة فى المستقبل القريب، كل هذه العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية لعبت دورًا مهمًا في تأزيم الوضع وغياب أي أفق للحل؛ لذلك هناك من اختار من الشباب أن يستسلم وينهي مأساته ومعاناته بيده.

زيادة معدلات الانتحار في قطاع غزة لها انعكاساتها ونتائجها السلبية على المجتمع الفلسطيني، حيث أنها تعكس حالة اليأس والظلم والقهر والاستبداد وغياب العدالة الاجتماعية داخل المجتمع، بالرغم من أن هذه الحالات هي فردية؛ إلا إنها تعكس بيئة الإحباط وتعطي مؤشر لبيئة مضطربة تسود قطاع غزة، فيما يعتبر الشباب هم الشريحة الأكثر تأثرًا بها، حيث نجد أن هناك قاسمان مشتركان بين كل حالات الانتحار في غزة؛ الأول: هو العوز والحاجة الشديدة والفقر والبطالة المنتشرة بين أوساط الشباب وانعدام الأمل وانسداد الأفق والرؤية المظلمة للمستقبل، وتردي الأوضاع المعيشية وتدهورها. وأما الثاني: فهو أن المنتحرون غالبيتهم من الشباب، وذلك لأن هذه المرحلة العمرية مرتبطة بتحقيق الإنجازات والأمل والتفاؤل لتحقيق الذات، فإذا ما عجز الشاب عن تحقيق كل ذلك أصبح عمره دافعًا مثاليًا للانتحار.

إن استمرار الحصار والانقسام السياسي، وعدم الاهتمام على صعيد المستوى السياسي لما يعيشه المواطنون في قطاع غزة من أزمات وأوضاع اقتصادية واجتماعية، وغياب السياسات العامة لمعالجة مختلف المشكلات على الصعد كافة، فإن ذلك بالمحصلة سيزيد ويفاقم من المشكلات على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، وعليه سنكون أمام ازدياد حالات الانتحار للتخلص من هذا الواقع.

معالجة قضايا الانتحار تبدأ بالوقاية قبل العلاج؛ تبدأ بوضع استراتيجية وطنية متكاملة للوقاية منه ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي تقف خلف هذه "الظاهرة"، وضرورة إنهاء حالة الصراع المستمر على السلطة بين قطبي الانقسام الفلسطيني، وتحقيق العدالة الاجتماعية الغائبة، والاهتمام أكثر بجيل الشباب وإشراكهم فى مراكز صنع القرار وتوفير فرص عمل مناسبة من خلال تفعيل خيارات التنمية بالحماية الشعبية، والتخفيف من حدة فرض الضرائب على المواطنين، بالإضافة إلى الضغط على المجتمع الدولي للوفاء بالتزاماته الإنسانية تجاه قطاع غزة.

الشباب هم العمود الفقري للمجتمعات في تحقيق التنمية الشاملة، فبهم تقوى وتتقدم وتتطور المجتمعات، وهم سر نهضتها واستمرارها ومستقبلها، ولهذا يجب أن يحظوا بأهمية عالية في الاستثمار بهم وبالكفاءات التي يزخرون بها، خاصة في ظل مجتمع لا زال يرزح تحت نير الاحتلال والعدوان.

_____________

نقلًا عن بوابة الهدف

د.عبد الرحمن الجبور: دكتوراه في علم الاجتماع السياسي

كاريكاتـــــير