شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 04 اعسطس 2020م19:51 بتوقيت القدس

الحصار يقلل فرص اللقاء

التوائم المغتربون.. روحٌ في بلدين

02 يوليو 2020 - 19:35

غزة:

"الغربة"، مفردةٌ تحمل في حروفها القليلة الكثير من مرادفات المعاناة، معاناةٌ تزداد كلما كانت العلاقة أقوى، فوقع غربة الأخ شديدة، لكن؛ ماذا لو كان هذا الأخ "شقّ التوأم"؟!، وماذا لو كانت أحد التوأمين في قطاع غزة تحديداً والآخر خارجه؟ هنا الغربة أصعب؛ فبعد أن كانا "روحًا في جسدين"، صارا "روحًا في بلدين".

والتوائم ليسوا إخوة عاديين، وقطاع غزة المحاصر منذ 13 عامًا ليس من السهل دخوله أو الخروج منه، فالتوأم لن يرى نصفه الآخر لسنوات، لكن ما الذي يجبر إنسانًا على ترك توأمه؟!، الإجابة تفرضها الظروف، مثل السفر للحصول على فرصة عمل أو الزواج، فالحياة الصعبة في قطاع غزة تجعل الغربة خيارًا لا مفر منه للكثيرين، ولهذا الخيار ما بعده من الشوق للأهل وعدم القدرة على زيارتهم والمشاركة في المناسبات، ما يشكّل وجهًا مؤلمًا للغربة بالنسبة للتوائم.

كشخصٍ وظلّه

محمد وعبد الله الخطيب (29 عامًا) توأمان متماثلان، الشامة الموجودة في وجه أحدهما تكاد تكون الفرق الوحيد بينهما، تشاركا كل تفاصيل حياتهما وجمعتهما الميول والمواهب، لكنهما لم يدرسا التخصص الجامعي ذاته، وهذا تقريبًا الاختلاف الثاني.

"عبود" و"حمود"، كما يلقبهما أفراد العائلة، كانا معا على الدوام، درسا في ذات المدرسة، تعرّفا على نفس الأصدقاء، امتلكا موهبة كرة السلة فتعلّماها ومارساها في فريق واحد، وعندما التحقا بتخصصين مختلفين في الجامعة كانت ساعات الدوام صعبة عليهما لكونهما يفترقان خلالها، وكذلك عندما حصلا على وظائف في أماكن مختلفة.

بعمر الخامسة والعشرين، ارتبط أحدهما بقريبة له تقيم في دولة عربية، وهنا بدأت المخاوف تسيطر على كليهما، يتساءلان: "هل ستنتهي هذه الخطبة بزواج خارج غزة؟".

امتدت الخطبة لأكثر من عامين، مع طول المدة تغاضى التوأمان عن التفكير فيما ينتظرهما، إلى أن فرض الواقع إجابته المؤلمة: "نعم، سيتزوج عبد الله في الخارج".

يقول محمد: "كان مُخططا لتلك الخطبة أن تستمر عامين آخرين، لذا كنت أنا وتوأمي في راحة نسبية، لكن جاء الزواج مفاجِئا، وهنا حلّت الصدمة علينا، وبدأت الأفكار السلبية تعصف بنا مجدداً".

ويضيف: "سافر توأمي برفقة والداي إلى الأردن حيث تقيم العروس، وهناك كان حفل الزفاف، ثم انتقل مع زوجته للإقامة في دولة أوروبية حصل على فرصة عمل فيها، وكانت اللحظة الأصعب عندما عاد أبواي دون أخي، حينها تيقنت أن الفراق كُتب علينا، وتبخرت كل آمالي التي كنت أواسي نفسي بها".

ويتابع: "يوم حفل زفاف أخي كنت في وضع نفسي يرثى له، يدور في ذهني سؤال بلا إجابة، كيف لا أكون حاضراً في زواج توأمي؟!!، وهذا ما لم أستوعبه حتى اليوم".

مرّ عامان على ذلك اليوم، كثرت خلالها الأحداث التي تفوق قدرة "محمد" على الاستيعاب، فمثلاً رُزق توأمه بطفل، ولم يكن إلى جانبه في تلك الفرحة، وهذا ما لم يتخيله يوماً، وأكثر من ذلك أن عمر ابنه اقترب من العام بينما لم يحتضنه عمّه أبداً!. ويوضح محمد أنه جرّب غربة الإخوة، اثنان من أشقائه يقيمون في الخارج، لكنه لم يتأثر سوى ببعد "شقّ التوأم".

ويبين: "الغربة صعبة على الجميع، وفي أي بلد، ولكن في غزة لها خصوصية تزيدها صعوبة، حيث الحصار يجعل سنوات الفراق تطول، فإذا فكرت أنا بالسفر لأخي فإن خروجي شبه مستحيل، وإذا تمكن هو من المجيء فعليه أن يفكر ألف مرة قبل اتخاذ الخطوة خشية أن يُغلَق المعبر فلا يتمكن من العودة فيفقد عمله وإقامته".

من أجل الحصول على الإقامة، يتوجب على "عبد الله" أن يقضي في الدولة التي يقيم فيها خمس سنوات متواصلة، أي أنه غير قادر على زيارة غزة خلال هذه المدة.

ينهي محمد حديثه بنبرة تفضح شوقه لأخيه: "25 عاماً قضيناها معًا، حياةٌ كاملة تشاركناها بكل تفاصيلها، كنا كشخص وظله، يرانا الناس تطبيقاً عملياً لعبارة (روح في جسدين)، من يصدق أن الفراق كُتب علينا وأن محادثات الفيديو باتت وسيلة اللقاء الوحيدة!، إنها سنة الحياة التي لم نتوقع أن تسري علينا، كان توأمي مجبراً على اتخاذ قرار السفر ليجد عملاً، وها أنا أسعى للالتحاق به، لنكون معًا، ولأجد فرصة عمل أنا أيضًا".

أراها في مستقبلي..

لم تكن الغربة في حسابات التوأمين "شيماء وعلياء شحيبر" (31 عامًا)، لكنه "النصيب"، فقد كان الزواج سببًا في فراقهن.

تقول شيماء: "لسنا متطابقتين تماماً، تختلف ملامحنا، وشخصياتنا، وميولنا، وهذا جعل البعض يظن فراقنا سهلاً، لكن نحن توأم رغم كل الاختلافات، ناهيك عن كوننا البنتين الوحيدتين بين إخوة ذكور".

وتضيف: "تقدّم لأختي خاطبٌ يعمل في دولة عربية، وعلى غير المتوقع، وافقت على الزواج به، استغربنا قرارها، خاصة أنها لم تتردد في اتخاذه، وليس لدينا تفسير لقبولها سوى (القسمة والنصيب)".

وتتابع إن كل شيء كان سريعًا وخلال شهرين تم الزواج، حينها بدأت شقيقتها تدرك ما حدث وأخذت تستسمح أختها، لكن ما هوّ على شيماء وعلياء أن زوج الثانية لم يكن يخطط لهجرة بل سفر لسنوات ليكوّن نفسه، ولكن مرت عشر سنوات دون أن يتحقق ذلك.

تضيف شيماء: "في اليوم الأول بعد زواجها شعرت بنقص كبير في البيت، وبعد سفرها استغرقت وقتًا غير قصير لاعتاد على غيابها، كنت أنتظر وجودها معي في كل مرة أخرج فيها من البيت، إذ كنّا نقضي كل مشاويرنا معًا".

أول رمضان بدون علياء، وأول عيد لا تكون خلاله في البيت، كانا صعبين للغاية، لكن افتقاد نصفها الآخر لها بلغ مبلغًا عظيمًا عندما تزوجت، فهي افتقدت توأمها في يوم زفافها، أرادت بشدة أن تكون معها لكن الحصار حال دون حضورها.

كان برنامج محادثات الفيديو "سكايب" توأمًا ثالثًا لشيماء وعلياء في البداية، تعود شيماء من عملها فتتصل بأختها فورًا، تتبادلان الأخبار، وتتناقشان في تفاصيل يومهما، حتى أن الطفلة الأولى لأختها كانت تعرفها قبل أن تراها على أرض الواقع.

بعدما أنجبت شيماء، فقدت التوأمتان هذه المتعة، إذ أصبح لكل منهما بيت وأكثر من طفلة ومسؤوليات فضلًا عن ساعات الدوام السبع لشيماء، ومع ذلك، ما تزال الأختان حريصتان على "ملخص" تسرد فيه كل واحدة أخبارها للأخرى، وتستشيرها في شؤون حياتها بأدق تفاصيلها، حتى أن إحداهما إذا اشترت قطعة ملابس جديدة ترسل صورتها فوراً لأختها لتأخذ رأيها فيها.

تقول شيماء: "معاناتي مع غربة توأمي لا تقتصر على الاشتياق، فثمة مشاعر قلق تنتابني بين حين وآخر، فهي دوماً تخبرنا أنها بخير وسعيدة، لكن وجهها يظهر شاحباً في بعض المحادثات، وتعلل ذلك بوعكة صحية بسيطة، لكنني قد لا أنام في هذه الحالة، أتساءل ماذا لو كانت ضغوط الحياة قد أرهقتها لكنها تخفيها عنّا!".

وتضيف عن تبعات الغربة: "نعيش حالة من غياب التواصل بين أسرتينا، ونحن اللتين كنا نقول إن أبنائنا سيكونون إخوة، وهذا ما يثير حسرة في النفس، نتغلب عليها بمحاولة تعريفهم ببعضهم عبر الإنترنت".

تهتم التوأمان بتفاصيل بسيطة تمنحهما شعورًا بالقرب، فأحيانًا إذا أعجب إحداهما شيئًا تشتري منه قطعتين لترسل الثانية لشقيقتها، وهذا امتد للأبناء، لكن السنوات العشر التي مرت كما تقول شيماء لم تكن كافية لتعتاد على غياب نصفها الآخر، وبقي الأمل في أن تكونا معًا قريبًا لتراها في تفاصيل مستقبلها وترى أبناؤهما معًا.

كاريكاتـــــير